|
الفساد المالي .. واوراق اللعبة
جليل نعمة العبادي
في التاريخ ملفات لهموم اجتماعية واخلاقية وفيه روايات لمنزلقات الفساد المالي والاداري تسلقت على طبيعة المرحلة ، وللتاريخ منعطفات ومنطلقات وارهاصات صنعت مزاجا لمراحل التاريخ ، ولعل ملف الفساد المالي والاداري هو الاكثر سخونة في التاريخ المعاصر فهو يشكل منعطفا خطيرا يحمل اوزار المحنة بكل تبعاتها وامتداداتها . وفي العراق كبرت الازمات لحد الضيق والمماطلة ، وكانت افرازات حقيقية للاحتلال ، ومن ابرز تلك الازمات مسألة الفساد الاداري والمالي فهو منحى خطير وسّع من دائرة الخوف والقلق على مستقبل العراق ، وانعكس على مجمل النشاط الاجتماعي والثقافي والاخلاقي والانساني ، وادلى دلوه في تدني الخدمات وانحسار بريق الكهرباء ، وزعزعة قضايا التنمية وتعطيل دور الشعب في البناء والعمل والتحضر ، وكوّن افواجا من العاطلين عن العمل وحاصر رغيف الخبز لحد الجوع والفقر والذي يقرأ ويسمع ويرى دون غواش او ضوضاء يتضح له الغريب والعجيب في كواليس وكوابيس الفساد المالي في العراق ، ومنذ الاحتلال والعراقيون يتابعون بشغف احاديث المسؤولين في الدولة وغير المسؤولين والبرلمانيين والناشطين التي تعزي فشل كل شيء نتيجة استشراء الفساد ، وبعضهم كشف عن سبق اصرار اوراق الفساد المالي وفضح بعض ملفاته ، ومنذ تشكيل هيئة النزاهة سمعت الدنيا كل الدنيا آليات عمل هذه الهيئة وطروحات قضايا الفساد وعن اكتشافها لبؤر الفساد في دوائر الدولة , اخرها احصائيات عن مستوى الفساد في بعض الوزارات رجحت فيها كف وزارة الصحة عن غيرها وجعلت وزارة النفط في المرتبة الثانية واعطت امانة بغداد المرتبة الثالثة في هذا الاحصاء ، والعجيب ان هذه الهيئة حصرت الفساد بموضوع الرشوة وتجاهلت سرقة المال العام والصرف غير المبرر وفشل بعض المشاريع وانعدام التقنية في التنمية والشهادات المزورة ، ولقد كشف احد البرلمانيين موضوعا خطيرا يستحق الوقوف على ديباجته واسراره الغامضة ويتطلب فسحة للبحث والتدقيق والتمحيص وكشف اوراق اللعبة والربط بين مسؤولية المسؤول في الدولة وبين امانة المحافظة على المال العام ، وخلاصة القضية التي اشار اليها البرلماني على الملأ بصراحة ان وزارة الكهرباء كانت قد استوردت موادا احتياطية ومعدات ومستلزمات لتحسين احوال الكهرباء , والمفاجئة والكارثة انه عند فتح الصناديق والحاويات بحثا عن المواد والمعدات والمستلزمات تبين بانها لعب اطفال لا غير . كما ان القاصي والداني يعرف ان هناك اموالا طائلة اعتبرت في سياق المفقودات ولا يعرف مصيرها وان هناك هدرا بالمال العام وتزويرا وتحريفا والدولة في صمت مطبق والمنضوون تحت مظلة العملية السياسية يحركون او لا يحركون ساكنا امام اجندات وحزبية كونت ثكنات ودروعا بشرية لحماية المنتفعين وشد ازر المتورطين ، فالمحاصصة والحزبية الضيقة وايتاء ذي القربى تحكمت بقوة في مصير الفاسدين وامنت لهم غطاءً امنا ذلك مااوحت به ازمات الفساد المالي والاداري وتناقلته الالسن بشكل صريح وذلك ماتوصل اليه بعض الذين قرؤوا ازمة الفساد المالي وتوصلوا الى هذه القناعات ، والعراقيون يتابعون مايجري في بلدهم بقلق وهم يدركون ان الفساد الاداري والمالي مأزق كبير له صلة وموصول وكشف اوراقه يعني صنع ازمات جديدة وشرخ في العملية السياسية ومباراة بين الفاضح والمفضوح لا تخدم الاستقرار في هذا البلد الجريح وتؤدي الى اطالة عمر المناورات السياسية والبحث عن المناصب والمنافع ، وتظاهروا وطالبوا بكشف ملفات الفساد ومحاسبة الفاسدين بعد ان ضاقت بهم السبل لحد اليأس والقنوط ، وامين بغداد صابر العيساوي قالها بصراحة ان اسباب تدني الخدمات وتلكؤ مشاريع التطوير والتأهيل والتنمية يعود الى ضغوط السياسيين واصحاب الجاه على نشاطه وعلل تقديم استقالته على هذا المنحى الخطير ، ومن الملف للنظر ان الحديث عن الفساد المالي والاداري في العراق اصبح في بعض جوانبه تناوشا بالكلمات وتبادلا للتهم يفعلها الفاعلون ليجعل منها كماشة لاقصاء الخصم وتهميش دوره وانهاء مكانته وصارت سلاحا يتبارز به المتخاصمون متى شاءوا وانى شاءوا لقلب الموازيين او اسدال ستار في قضية فيها لبس والتباس وهضم للاستحقاقات بشكل ادى الى ضياع فرص كشف اوراق اللعبة واطالة عمر الفساد . والناس تريد حلا ناجزا بلا لف ولا دوران واسترداد المال العام من ايدي الغاصبين وفضح ومقاضاة الفاسدين امام اعين الناس وتريد وطنا بلا خوف ولا جوع وبلا غالب ولا مغلوب وبلا احتلال ولا محتل ولا سارق ولا مسروق ولا ناهب ولا منهوب وتريد ان تتمتع بثروات هذا البلد بلا منغصات ولا مطبات ، ويبقى الحل كل الحل في مقاومة الاحتلال وهزيمته ومحو اثاره اللوجستية والثقافية واسقاط جميع الوجوه المتورطة في العمالة والفساد واللائذة في مظلة المحتل والدائرة في فلكه لفض كل الازمات واعلاء شأن العراق ، اليس ذلك من سنن الديمقراطية والحرية التي صارت ضجيجا من الكلمات وصارت نزعات وتشظي نتيجة غفلة الغافلين ومن قيم الوطنية الذي يمتد في اعماق العراق منذ فجر التاريخ . اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والله المستعان على ماتصفون .
|