شافيز وعبدالناصر والمنطلقات الفكرية المشتركة
جليل نعمة العبادي
في التاريخ نمط من الثوار تمكنوا من الوقوف بوجه الامبريالية العالمية وتصدوا بجرأة للاستراتيجية الامريكية وكشفوا اوراق لعبتها ، وتصدروا النضال الشعبي الجماهيري وقاوموا الاحتلال الاجنبي وحرروا بلادهم من تبعية الاحتلال وفي طليعة هؤلاء جيفارا وكاستروا وسيمون بوليفار وباتريس لوممبا وماو وتيتو ونهرو واحمد بن ببيلا وياسر عرفات وجمال عبدالناصر . ولقد وجدت في شافيز خصالا ورؤى حضارية ومنطلقات فكرية تقدمية وقناعات وطنية تقدمية تشبه تماما خصال ورؤى والمنطلقات الفكرية التقدمية عند جمال عبدالناصر ، ووجدت من المفيد ان نبحث في هذين الرجلين وصولا الى منطلقاتهم الفكرية المشتركة وقراءة سريعة لتوجهات ومنطلقات شافيز التقدمية توصلك الى قناعة كبيرة في كون شافيز اخذ من جمال عبدالناصر حلوله الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ، كما تبنى شافيز نفس المشروع التقدمي السياسي عند جمال عبدالناصر فتصدى كعبدالناصر للاحتكارات الرأسمالية والامبريالية العالمية وانتصر في معركة البناء الاشتراكي الذي يلغي الفوارق الطبقية ويؤسس مجتمع الكفاية والعدل الذي اعتمده عبدالناصر .
النشأة والبيئة
انني اعتقد ان للبيئة والمحيط الاجتماعي انعكاسات تصنع الثوار والمناضلين وتولد في وجدانهم تصورات ورؤى عن المعاناة الحقيقية التي يعاني منها المجتمع سواء اكانت على شكل رد فعل ازاء قضية محددة يستطيع الثوار والمناضلون الى تحويلها الى حراك جماهيري واحاسيس تؤكد المستقبل الجديد ، او كانت على على شكل دروس مستقات من واقع لمجتمع وارهاصاته وانفعالاته تتمخض عنها افكار منهجية واراء نقدية لمعالجة الازمات والواقع المرير ومؤشرات لوسائل التصدي والتحدي والخلاص والاصلاح وهذا ماوجدناه عند شافيز وعند جمال عبدالناصر حيث تشابه البيئة مع بعض الفوارق وابتداءً فان شافيز نشأة في عائلة برجوازية صغيرة ومن ابوين يعملان كموظفين صغيرين في سلك التعليم وفي مجتمع يعاني من الفقر وتحديات الجوع والمرض والهيمنة والاحتلال الاجنبي ، وفي عام 1992 قاد شافيز اول محاولة انقلابية للاطاحة بكاريوس بيريز ، ونتيجة لفشل المحاولة اودع في السجن مدة عامين وكان وهو في معتقله يدعو ابناء شعبه للثورة والتحرر من خلال اشرطة فديو كانت توزع على الجماهير وهي تحمل افكاره التقدمية وتعبر عن مقاولة شجاعة للاحتلال والنفوذ الاجنبي وحال خروجه من السجن اسس حركة يسارية حملت اسم ( الحركة من اجل الجمهورية الخامسة) ولقد تبنت هذه الحركة هموم الفقراء ونقلت اصرارهم في المقاومة والتصدي للاحتكارات الرأسمالية ويقول شافيز عن نفسه انه بطل الفقراء خلال الحملة الانتخابية التي تصدرها كما قال عن نفسه انا طاعون الاوليفاريه المتسلطة وتعني تسلط الاقلية على الاكثرية واستطاع ان يصل الى دفة الحكم عن طريق الانتخابات وكانت بلاده تعاني من الفساد المالي والاداري وفنزويلا ثالث بلد منتج للنفط غير ان الفقراء محرومون من هذه الثروة الكبيرة نتيجة نهب الثروات من قبل رجال الاعمال والشركات الاحتكارية التي ترتبط بشكل مشبوه بالولايات المتحدة الامريكية . كما ساند قضايا التحرر العالمي وقاوم النفوذ الامريكي في العالم ووقف شافيز بجرأة مع الشعب الفلسطيني في كفاحه المرير من اجل استعادة ارضه ودعم حركات التحرر العالمية ووقف الى جانب الشعوب المظلومة وانتهج المنهج الاشتراكي العلمي الذي قوّم اقتصاد فنزويلا وجعلها على عتبة تحولات اجتماعية وتنموية واقتصادية كبيرة ، اما جمال عبدالناصر فقد ولد في محيط شعبي في صعيد مصر وكان والده موظفا صغيرا والاقتصاد المصري اقتصاد مهمش تستغله العائلة الحاكمة لمنافعها الشخصية فضلا عن دور رجال الاعمال والاقطاع في تهميش الاقتصاد المصري كما كان الاحتلال الاجنبي يعبث بثروات البلاد ، وحمل جمال عبدالناصر احلام الفقراء وتطلعاتهم الانسانية والوطنية والتقدمية ووجد عبدالناصر ان معاهدة سايكس بيكو قد شرذمت الوطن العربي وان وعد بالفور وبدعم امريكي سهل للصهاينة احتلال فلسطين وتشريد اهلها ، كما ان عبدالناصر واجه عالما عربيا فيه حكام ربطوا مصيرهم بالامبريالية العالمية وبالاحلاف العسكرية ، ولهذا قرر هو ورفاقه من الضباط الوطنيين تنفيذ ثورة 23/تموز عام 1952 ليطيح بالنظام الملكي وينهي الاحتلال الاجنبي ويؤسس النظام الجمهوري الديمقراطي ، وحال توليه قيادة مصر العربية درس الواقع المصري واستطاع ان يعزز انجازاته بالاتجاه الاشتراكي وان يجعل من مصر قاعدة للتحرر والحرية وطور مصر بصناعات ثقيلة وقرارات اشتراكية عززت من قدرات الاقتصاد المصري واصدر عدد من التشريعات والقوانيين اهمها قانون الاصلاح الزراعي الذي انهى دور الاقطاع المتعسف كما اصدر عبدالناصر القرارات الاشتراكية وساهم عبدالناصر بتمتين الاقتصاد المصري.
المنطلقات الفكرية
لقد اعتمد شافيز الفكر الاشتراكي العلمي في معالجاته الاقتصادية والاجتماعية وهو يقول ( الاشتراكية وحدها قادرة على حل كامل واساسي لكل القضايا الا انها تقتلع من الاساس الجذور الطبقية والاجتماعية للتمييز والاضطهاد والاستغلال وتخلق ظروفا موضوعية افضل لاقامة علاقات الصداقة والاخوة بين شعوب العالم كذلك فان اي نظام يحترم حقوق الانسان فعليا يشكل حلا ) ويقول ايضا ( ان اصلاحاته التي قام بها ليست رأسمالية ولا شيوعية ولا اشتراكية ولكنها بولفارية ) والبولفارية نسبة الى سيمون بولفار محرر امريكا الجنوبية من الاستعمار الاسباني في القرن التاسع عشر ، اما الاصلاحات التي قام بها فهي ثورة ديمقراطية تتبنى التعددية وهي اصلاحات اجتماعية تقوم على السوق في جانبه الاقتصادي ، غير انه اشتراكي علمي على الطريقة الماركيسية ـ اللينينية ـ وهو يرفض الكفر في الماركيسية اللينينية ويقول ان المسيح كان اشتراكيا .
اصلاحات شافيز ولقد قام باصلاحات مهمة بالمصادقة على دستور البلاد واصدار تشريعات اصلاحية لا تخرج عن الدستور وتتفاعل مع جميع القطاعات الحيوية والاقتصادية منها : اصدار نظام ضريبي صارم على المؤسسات النفطية وقام بتحديد ملكية الارض المزروعة بالف هكتار للمزارع وحث المزارعين على استثمارها وبعكسه فانها ستعطى لغيره من الطبقات المحرومة كما نظم الصيد في الشاطيء الفنزويلي ووضع حدا امام الاستغلال الاستنزافي ونظم المجتمع الفنزويلي من خلال تكوين دوائر بوليفارية التي تتبع لحزبه حركة الجمهورية الخامسة وسعى من اجل مجانية التعليم في بلاده واقام نظام صحي ومتكامل ، وفي المستوى الاعلامي فانه يقوم وفي كل يوم احد بحوار المواطنين من خلال الراديو وليسمع منهم وليقف على طلباتهم الانية وغير الانية .
اما جمال عبدالناصر فحاول في بداية حكمه الميل الى النظام الراسمالي ولانه يعتمد على بديهية الخطأ والصواب فوجد في الراسمالية الاحتكار واستغلال الانسان للانسان فاختار طريق الاشتراكية العلمية بالاسلوب العربي الذي يرفض الاستغلال ويحترم الدين ويحل الصراع الطبقي سلميا ضمن الوحدة الوطنية وعن طريق تذويب الفوارق الطبقية على عكس المفهوم الماركسي اللينيني الذي يؤجج الصراع الطبقي ، وعبدالناصر يقول: ( ان الاشتراكية ليست متاهات فلسفية وليست شعارات ذات طنين انها في النهاية بيت سعيد لكل اسرة يقوم على عمل القادرين او المهيئين للعمل رجالا ونساء .. بيت مفتوح للصحة وللعلم وللثقافة ، مضللا بلامان الاجتماعي ضد المفاجأت .. متفاعلا مع غيره من البيوت السعيدة مشتركا معها في امر الاهتمام العام بامر وطنه ، وبامور العالم الذي يعيش فيه ) وعبدالناصر يرفض الاعتماد على دكتاتورية البلوريتاريا وانما يعتمد على وحدة الشعب العامل وعبدالناصر يرى ان جوهر الاشتراكية لا يحدث اختلافات حول الاساس النظري للاشتراكية العلمية والاختلاف والتغيير ينحصر في التطبيق ، وفي مجال التنظيم السياسي اسس الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي الذي يضم قوى الشعب العامل من اجل حماية الثورة الاشتراكية وبالدور الرقابي في ظل مباديء الميثاق ، ووقف جمال عبدالناصر الى جانب القضية الفلسطينية والقضايا العربية المصيرية وتعرضت بلاده الى العدوان الثلاثي وقاتل الجيش المصري بقيادة عبدالناصر الى جانب سوريا وفلسطين في حرب الايام الستة وظل يناضل لاسقاط الهيمنة الامبريالية التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية والصهوينة العالمية ووقف بشجاعة امام الاحتكارات الرأسمالية .
اصلاحات عبدالناصر
اصدر عبدالناصر الميثاق الناصري الذي يحمل برنامج عمل واضح ويعتمد على التحالف لتحقيقة وحمايته والدفاع عنه والتقدم الى الامام نحو الحرية والوحدة والاشتراكية كما اصدر قانون الاصلاح الزراعي عام 1952 الذي انهى دور الاقطاع وعزز من قدرات النشاط الزراعي ووقف الى جانب الفلاحين ورفع الحيف عنهم ، وامم قناة السويس وعدد من المؤسسات المصرفية والصناعية والزراعية والاقتصادية ، كما اصدر عددا كبيرا من التشريعات وترك الفكر الناصري للملكية العقارية للمباني دورا في القطاع الخاص وضمنت القوانين والتشريعات عدم الاستغلال بشكل يخدم الاقتصاد المصري واستطاع عبدالناصر ان يؤسس صناعة ثقيلة مكنت الاقتصاد المصري واستثمر المعامل والمصانع استثمارا الغى البطالة وطور مصر في المجال الصناعي والاقتصادي ، وعبدالناصر وفي المجال الاعلامي كان يحضر المهرجات الاحتفالية ويلتقي بالمصريين ويتحدث معهم ببساطة القائد المنقذ والمعلم المقتدر وكان يستمع الى هموم الناس ويتفقد احوالهم من خلال وسائل تنظيمية او باللقاء المباشر ، ولقد طور التعليم بمصر واحدث عبدالناصر نقله كبيرة بالمناهج الدراسية واسس المعاهد والجامعات من اجل ان ينشيء جيلا معافى من الجهل ، كما اهتم بالجوانب التربوية الاسلامية وعزز من الثقافة الدينية .