|
صبحي عبد الحميد.. ذكريات ومواقف أ.د حازم طالب مشتاق فارس مغوار آخر من فرسان العروبة في العراق ترجّل عن صهوة جواده, وبطل صنديد آخر من ابطال الامة العربية اختطفته يد المنون. بالامس كتبت عن الصديق العزيز امين هويدي الذي توفي مؤخرا في القاهرة. واليوم اكتب عن الصديق العزيز صبحي عبد الحميد الامين العام للتيار القومي العربي في العراق الذي توفي في بغداد يوم الاحد الموافق 24/1/2010 . كان صبحي عبد الحميد عسكريا عراقيا متمرسا مثقفا متميزا, وقياديا قوميا لامعا صادقا, وعروبيا شهما هماما مقداما, لا يفوق ايمانه بالعروبة الا ايمانه بالله. وكان رجلا مهيب الطلعة, قوي الشخصية, طويل القامة, عريض المنكبين, واسع الافق, بعيد النظر, راجح العقل, معروفا بالرزانة والهدوء والاعتدال, محبوبا محترما, مهابا لدى جميع الاوساط العراقية واطيافها السياسية واحزابها الوطنية على اختلافها وتعددها. وعندما اصبح وزيرا للخارجية في بداية فترة حكم القوميين سنة 1963 كان اول عمل تولاه الغاء احكام الفصل التي كانت قد صدرت بحق دبلوماسيين عراقيين لاسباب سياسية, واعاد الى الخدمة المفصولين الذين كانوا قد أبعدوا عن وظائفهم بمعاذير ومبررات لا تتعلق بالكفاءة والمقدرة والصلاحية المهنية. وعندما اصبح وزيرا للداخلية في سنة 1964 من فترة حكم القوميين كان اول عمل انجزه اغلاق السجون والمعتقلات السياسية فاطلق سراح جميع السجناء والمعتقلين السياسيين على اختلاف وتعدد مواقفهم الايديولوجية واحزابهم السياسية دون تمييز ولا استثناء, ومنع تقديم شهادات »البراءة« التي كان يعتبرها اهانة صارخة للانسان وكرامته وانسانيته وتجاوزا مرفوضا على حقوق المواطنة, اصدر الفقيد مذكراته في مطلع هذه السنة بعنوان »مذكرات صبحي عبدالحميد: العراق في سنوات الستينيات«. مجلس العزاء الحاشد الذي اقامه اصدقاء الفقيد واخوانه وعارفو فضله في جامع الصالحين بحي الرابية في عمّان مساء الخميس الموافق 28/1/2010 كان تعبيرا امينا دقيقا صادقا عن مكانته وسيرته وشخصيته, واستفتاءً شعبيا حقيقيا حرا عفويا على خصاله واعماله وافضاله التي تليق ان تكون عن جدارة واستحقاق نموذجا قياسيا ومثلا اعلى للحاكم الصالح والقيادي الرشيد والسياسي الحكيم. كان صبحي عبدالحميد من المع وابرز الناشطين القوميين والمناضلين العروبيين في زمانه, كان محاربا قديما بامتياز. والمحاربون القدماء من امثاله لا يغيبون عن الوجود ولا ينتقلون الى العدم, ولكنهم يتحولون الى رموز واساطير تشد العزائم وتستنهض الهمم, ويتوارون عن الانظار, ويلتحقون باندادهم واقرانهم في مجمع الابطال ومحفل الخالدين, ويرافقون بارواحهم اخوانهم المناضلين الذين اقتدوا بهم وتعلموا منهم ان هناك ما هو اسوأ وابشع من الموت, وان هناك ما هو اعز واغلى واجمل واثمن من الحياة.
|