انشقاقات

أمير الحلو

 

يظهر أن(عدوى)الانشقاقات لم تقتصر على الاخوة الفلسطينيين بما أدى الى وجود سلطتين متناحرتين في كل من الضفة الغربية وغزة،بل انتقلت الى الجامعة المستنصرية بحيث يوجد الآن رئيسان لجامعة مستنصرية واحدة،الأول أقاله وزير التعليم العالي فلم يستجب للاقالة وبات يدير الجامعة (داخليا)والاخر عينه الوزير فأصبح يدير الجامعة(خارجياً)،ولم يقتصر الامر على الجامعة المستنصرية بل تعداه الى المحافظات،فقد أجرى مجلس أحدى المحافظات انتخابات (ديمقراطية)فاز بها من حصل على أعلى الاصوات كمحافظ،وفي اليوم التالي أعترض منافسه الذي حضر جلسة الاقتراع وساهم فيها وأعتبر الانتخاب غير قانوني وأنه المحافظ(الشرعي).وبأعتقادي أن مثل هذه الامور سببها عدم سيطرة الحكومة المركزية على الامور التي هي من صلاحيتها في المحافظات على الرغم من وجود صلاحيات واسعة لمجالس المحافظات والمحافظين،كما أن (انفلات)الاوضاع في الوزارات أدى الى وجود (وزارات داخل الوزارات)وصراعات بين الوزارات التي يجمعها مجلس للوزراء يجتمع باستمرار.وتذكرني هذه الحالة بالانشقاقات داخل الاحزاب السياسية،فعند خروج بعض القيادات أو الاعضاء من حزب ما فأنهم نادرا ما يشكلون حزبا جديدا وإنما يصرون على أنهم يمثلون الحزب الشرعي ،وقد استغل الحكام هذه الحالة في بعض الاوقات لتعميق الخلافات أو(استثمار الفرصة).ففي حكم المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم وعلى الرغم من (عراقة)وتاريخية الحزب الشيوعي العراقي فأن أحد المنشقين عليه هو داود الصائغ قد أعلن أنه(الحزب الشيوعي)وساعده النظام ماديا على إصدار جريدة (بائسة)باسم الحزب وأجر له مقراً في أحد فروع شارع السعدون،وكان ذلك مدعاة للسخرية فأن تاريخ ووجود حزب لايلغى بقرار حكومي،كما أن زعيما تاريخيا للحزب الوطني الديمقراطي وهو المرحوم كامل الجادرجي جرى منعه من الحصول على إجازة للحزب،وجرى أقناع المرحوم محمد حديد على الانشقاق عن الحزب وقائده وتكوين حزب جديد ساهم في الحكومة.

كما أن حزب البعث قد أنشق الى عدة أجنحة كل منها يعتبر نفسه(الشرعي)،وكذا الامر مع التيارات القومية والناصرية التي (تشظت)الى عشرات التنظيمات!

إن الروح الانشقاقية تمثل وضعا سلبيا يختلف عن حالة تعدد الاتجاهات والآراء بما يجعل المنشقين يتناحرون و(يتنابزون)بالالقاب وتوجيه الاتهامات ،وهذا أول خرق لـ(الديمقراطية)التي يتشدق بها الجميع،فأختلاف الآراء لا يبرر مهاجمة الآخر وإتهامه بالعمالة لأحدى دول الجوار بدلا من أحدى الدول الغربية أو الشرقية كما كان يحصل سابقا،كما أن الخلاف مع أحد المسؤولين (لأي سبب كان)لا يبرر اطلاق كل (المدافع)عليه وانما هناك طرق دستورية وقانونية لمحاسبته بعد (حساب)وزن الكتلة التي ينتمي اليها وهل حصل إنشقاق داخلها وأين موقعه في الانشقاق؟

ربنا أعد للاخوة الفلسطينيين وحدتهم...وللجامعة المستنصرية رئيسها الواحد وللصحف المنشقة اسمها الموحد وللاحزاب المنقسمة قيادتها الواحدة...وأحشرنا مع القوم الذين لا ناقة ولا جمل لهم في كل ما يحدث من انشقاقات واصطفافات على حد سواء،وأجعل خبزنا كفافنا وأنعم علينا بالماء والكهرباء والطرق والهواتف،وأبعدنا عن (كاتمات الصوت)!