سرقة أموالنا
أمير الحلو


في احدى مسرحيات الفنان دريد لحام يسأل رجال التحقيق معه وهو متهم بسرقة ليرتين فقط، أليست مصاريف كشف الاشعة على معدتي وفحص امعائي للتأكد من عدم بلعي لليرتين اكثر من قيمتهما ثم لماذا لا يجري فحص من تعتاش معدتهم يومياً على المال الحرام؟
تذكرت تلك المقاطع المعبرّة عن(التمييز) حتى في السرقة بين الاغنياء والفقراء وذوي السلطة وفاقديها،وأنا أقرأ بحزن كبير عن ما آلت اليه قضايا الفساد والسرقة في دوائر الدولة حتى بلغت في مؤسسة واحدة فقط مليارات الدنانير 
هي من الاموال المخصصة للاعمار المفقود أو حتى لتبليط الشوارع التي تشكو من تسميتها شوارع وهي خرائب ومصائد للعابرين .
وأنا أتساءل هنا أين دور الرقابة المالية التي تمنع وقوع السرقة والجريمة قبل حدوثهما خصوصاً في اوضاعنا التي يكون فيها الجاني قد فرّ بغنيمته مستفيداً من الغفلة أو المحسوبية أو ضعف المراقبة؟
لقد عملت في دوائر الدولة منذ عام 1964 وحتى أحلت نفسي على التقاعد عام 2004 وقد تبوأت بعض المواقع الادارية التي كنت قريبا من خلالها مع التعامل في الامور المالية ومبالغ كبيرة ولكني كنت أجد أن فرع ديوان الرقابة المالية الموجود في الوزارة التي أعمل فيها يسارع مع كل عملية صرف الى مراجعتي في اليوم نفسه أو بعده بقليل للاستفسار عن أوجه الصرف،وحتى في الحالات التي كان يجد فيها مبالغة في الصرف وليس اختلاساً كان يكتب ذلك في تقريره السنوي وتجري المحاسبة عليها وقد ينال الموظف عقوبة نتيجة ذلك،وقد بلغ الامر بشدة الرقابة انني حصلت مرة على عقوبة (الانذار) عن خلل حصل في حسابات عقد مؤتمر القمة العربي عام 1979 في بغداد بعد زيارة السادات لاسرائيل،وعلى الرغم من انني لم أكن أعمل في المؤسسة العامة للسياحة المسؤولة عن الصرف على المؤتمر آنذاك،إلا انني حصلت على العقوبة لانني لم أستطع معرفة مكامن الخلل ومعالجتها في ميزانية عام 1980 بعد نقلي الى السياحة ولم تنفع كل احتجاجاتي على أنني لم أكن موظفا في السياحة خلال عقد المؤتمر المذكور إلا ان تلك العقوبة بقيت في اضبارتي التي احترقت مع حرق وزارة الاعلام(المنحلة) فضاعت معالم جريمة حرق الوزارة وحرق أضبارتي والكثير من المعلومات والوثائق.
المخالفة الوحيدة التي قمت بها مع سبق الاصرار ان موظفة في دائرتي هي الصحفية حاليا(أليس مو شيخ) قد أصيبت بمرض عضال اقعدها الفراش واستنفدت كل إجازاتها الاعتيادية والمرضية،وكان ينبغي انهاء خدماتها إلا انني واصلت صرف رواتبها فجاءتني مسؤولة الرقابة المالية في الوزارة لتحاسبني على هذه المخالفة،وعندما شرحت لها حالة الزميلة وظروفها الصحية والمالية،وجدت الدموع تتساقط من عينيها و(تشكرني) على مخالفتي للتعليمات،(مع أن الزميلة أليس مو شيخ) لم تشكرني على ذلك ويقال انها رئيسة تحرير جريدة حالياً !
إن دور الرقابة المالية مهم وحساس وهو وقائي اكثر منه قضائي،لذلك اتساءل وأنا لا أعرف كيف تدار الامور الآن،ألا يوجد دور للرقابة المالية في منع التلاعب والسرقات خصوصاً وأن ما حصل في المؤسسة المعنية يجري منذ سنوات وبمبالغ كبيرة؟
ان سرقة المليارات من الدنانير في ظروفنا الراهنة جريمة كبرى لا تقل خطورة عن جرائم الارهاب والقتل والاختطاف،واذا كان(الكبار) الذين سرقوا قد استقروا مع(اموالنا) في الخارج فان من المهم أن نقدم على خطوة تمنع هذا(السبيل) بدلاً من البكاء على الاطلال .