معاذ عبدالرحيم وحوار الذاكرة

 

حاوره جليل نعمة العبادي

 

    معاذ عبدالرحيم رجل له سجل حافل باحداث وذكريات ساخنة وغير ساخنة  تساجلت مع ذاكرته عاشها وتفاعل معها وصعوبات واجهها ونضال خاضه ، فهو وطني عراقي وقومي عربي ناصري كان اقرب الناس الى المناضل الكبير الشهيد فؤاد الركابي حمل تطلعاته وهواجسه وارهاصته وهمومه واصطف معه في معترك النضال وطريق العمل السياسي بكل معطياته ومده وجزره وصعوباته ووعورته ،اتهمه خصومه وحتى بعض اصدقائه بالمزاجية والانتقائية والانقلابية وقالوا عنه انه انشقاقي النزعه حيث تنقل بشكل غير اعتيادي بحركات قومية وتصدر انشقاقات باحزاب وحركات قومية ووطنية مع انه قال لي انه لا يحبذ صناعة الخصم لانه يحمل روح تتسع للآخرين وقال لي ايضا: انني احمل افكارا ضغطت علي كثيرا تعارضت مع الآخرين ولي توجهات تقاطعت معهم فاتهموني بالمزاجية والانقلابية .

معاذ عبد الرحيم صحفي عراقي مخضرم ومعرك عمل في الصحافة وفي مؤسسات الاعلام واجتهد وقدم طروحات صحفية واعلامية جعلته يتميز على  غيره بمصداقية الكلمة وصراحة الحوار ، في عام 1964 عمل مديرا لتحرير جريدة الثورة العربية لسان حال الاتحاد الاشتراكي العربي انذاك ، واسس جريدة الميثاق عام 1967 واصبح رئيسا لتحريرها ، اشتغل في السلك الحكومي معاونا لمدير عام وكالة الانباء العراقية ، وفي عام 1979 اصبح مدير وكالة الانباء العراقية العام وقد زرته في وقتها صحبة المناضل القومي الناصري المرحوم شاكر عبداللطيف السامرائي والمرحوم عبدالحسن عويد وكانت تلك بداية تعرفي على هذا الرجل ـ وقد شدني لزيارته ماسمعته عنه من فعل ثوري وعمل وطني وكفاح قومي عربي بحيث ارغمت نفسي الى الصعود الى الطابق العاشر في عمارة تقع على شارع ابي نؤاس على قدمي لعطل المصعد الكهربائي صحبة الزميلين الذين كانا معي ـ وفي عام 1980 عمل مستشارا في السفارة العراقية في المغرب ، واخيرا شغل منصب مدير عام دار الشؤون الثقافية عام1983

التقيت به عند مجيئه الى مكتب جريدة العروبة حيث حضر ليناقش امين عام التيار العربي في العراق المناضل زيدان النعيمي في قضايا تخص نشاط التيار العربي في العراق فانتهزت فرصة حضوره لاحزم اوراقي واجلس الى جانبه على اريكة يرجع تاريخها الى زمن العصملي ، واستأذنته بالحوار واستضافة عزيزة في جريدة العروبة واشترط علي قبل اجراء الحوار ان افرز بين الذي يريد هو نشره  وبين الحديث الذي لا يريد ان يعلنه وقال لي احملك امانة عدم نشر الحديث الذي سأضع عليه خطوطا حمراء الا بعد رحيلي الى الرفيق الاعلى لان المستجدات على الارض والاوضاع العامة لا تبيح الافصاح عن كل شيء ، بعد هذا سألته عن بدايات حياته السياسية ونشاطه الحزبي ، وبعد ان استرخى قليلا اجابني بهدوئه المعتاد : انا ممن آزر وتعاون مع الشهيد المرحوم فؤاد الركابي في تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق عام 1948 ، وفي عام 1960 انقلبت مع انقلاب فؤاد الركابي وخرجت معه عن طاعة القيادة القومية التي كان يقودها ميشيل عفلق لاسباب تتعلق بمنهجية ذلك الحزب وتنصله  عن الفكر القومي الناصري ، واسسنا سوية الطليعة الثورية لحزب البعث العربي الاشتراكي وكان معنا في التنظيم الجديد على مااذكر شاكر عبداللطيف السامرائي ومهدي الديراوي وهادي محمد جواد وآخرون ، ثم انضمت الى هذا التنظيم مجموعة عبدالغني اليوزبكي بعد انسلاخها من قيادة ميشيل عفلق ، بعد ذلك تعاونت مع الشهيد فؤاد الركابي في تأسيس حركة القوميين الاشتراكيين بزعامة هذا الصديق الحميم واصبحت الشخص الثاني في هذا التنظيم ، ولان اياد سعيد ثابت اسس تنظيما جديدا حمل اسم حركة القوميين الاشتراكيين غيرنا اسم تنظيمنا الجديد الى حركة القوميين الديمقراطيين فضا للالتباس ، ثم سكت برهة ليسترجع ذاكرته فقال بعد هذا انخرطت حركة القوميين الديمقراطيين في الاتحاد الاشتراكي العربي مع بقية الحركات والتنظيمات القومية باستثناء مجموعة اياد سعيد ثابت ، وكنت مع المرحوم الشهيد فؤاد الركابي في هذا التكتل الجديد ، ولكن عندما اسس المرحوم الشهيد فؤاد الركابي الحركة الاشتراكية العربية بعد انفراط الاتحاد الاشتراكي العربي لم انضو لهذه الحركة واسست حزبا جديدا اطلقت عليه حزب الشعب الاشتراكي وكان معي في هذا التنظيم طارق الربيعي وحسن الالوسي وكان هذا الاخير من البعثيين السابقين ، ثم استدرك وقال : هذه المرة الاولى التي ابتعد فيها عن قافلة المرحوم الشهيد فؤاد الركابي وعن تشكيلاته الحزبية ، بعد ذلك سألته عن دوره ورأيه في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم   فقال لي وهو يحاول ان ينهي حديثه معي : انا ضد فكرة الانقلابات العسكرية والاغتيالات والتصفيات الجسدية وللعلم انني اساسا كنت غير مقتنع بمحاولة اغتيال عبدالكريم قاسم التي خطط لها حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وقادها المرحوم الشهيد فؤاد الركابي ، غير انني حاولت احراجه فقلت له ان المعلومات لدي تؤكد انكم كنتم مع محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم  ، غير انه أجابني : تأكد بأنني قبلت بالآمر الواقع انصياعا لرأي الاغلبية واحتراما للشهيد المرحوم فؤاد الركابي

بعد هذا سألته عن علاقته بالمناضل القومي المرحوم رشيد محسن  فاجابني على عجل: لقد تحاورت مع هذا المناضل القومي واشتركت معه في قيادة الحزب الاشتراكي الذي كان بزعامته ثم استدرك وقال بعد ذلك انسحبت من هذا التنظيم بسبب اختلافي مع مجموعة المرحوم رشيد محسن بعد هام 1968 في مفاهيم الجبهة الوطنية التي كانوا لا يرون موجبا لها مع قضايا وتوجهات اخرى ،  بعد هذا جمدت نشاطي الحزبي ثم اصبحت عضوا في مجلس التضامن والسلم العراقي ممثلا للقوميين فيه،  ثم سألته عن حضوره مع الدكتور وميض عمر نظمي واخرين لاجتماع دعى اليه حزب البعث الحاكم فأجابني : وهو يحاول ان يلملم اوراقه لقد حضرت مع الدكتور وميض عمر نظمي واخرون للتداول بشأن تشكيل منتدى ثقافي يتحول الى حزب سياسي يشارك حزب البعث العربي الاشتراكي في السلطة وصدر عن الاجتماع بيان سياسي بتوقيع عدد من الشخصيات السياسية من بينهم الدكتور وميض عمر نظمي ودريد سعيد ثابت والدكتور خالد السلام والمحامي حسن سلمان والدكتور خليل الجزائري ، ونشرته عدد من الصحف في حينه وحمل عنوانا بارزا فيها وماشيت يقول : شخصيات وطنية تدعوا الى وفاق وطني ، والذي اريد ان اشير اليه انه بالرغم من حضوري الاجتماع والمداولات امتنعت عن توقيع هذا البيان .

    وفي عام 1995 غادرت العراق لاقيم في عمان ثم انضويت الى حركة الوفاق الوطني التي يقودها الاخ اياد علاوي واصبحت مسؤولا عن تنظيماتها في عمان وقمت بادارة اذاعة المستقبل التابعة لحركة الوفاق الوطني ثم سألته عن سر علاقته باياد علاوي وقلت له انت وطني وقومي معروف وتأريخك حافل بالنضال الوطني والقوميون لديهم ملاحظات على منهجية وسلوك وارتباطات اياد علاوي ، رد بالقول: بدأت علاقتي باياد علاوي بعد عام 1995 في تشكيل الحركة الديمقراطية لانقاذ العراق ، وعندما شعرت ان السلطات الحاكمة انذاك كشفت بعض اوراق هذا التنظيم ، ووسط مخاوف الاعتقال والتنكيل والملاحقة حصلت على موافقة قيادة هذا التنظيم لاهاجر الى عمان ، فضلا عن ذلك فان اياد علاوي صديق قديم وتعاونت معه وانا في عمان على وفق اسس وطنية وقومية بدون شبهات ،وعندما برزت ملامح وتوجهات  لا تنسجم مع توجهاتي انسحبت من تنظيماته  .

واخيرا طلبت منه ان يحدثني عن ملفات ساخنة في حياته ابرزها مسؤوليته الحزبية المباشرة عن شخصية بارزة في انقلاب 1963 و 1967 عندما كان قياديا في حزب البعث العربي الاشتراكي وعن البيان الذي اصدره في عهد الرئيس المرحوم عبدالرحمن عارف في مطبعة الحكومة وعن حديث هاديء دار بينه وبين رئيس الوزراء العراقي المناضل ناجي طالب انذاك وعن التحقيقات التي اجرتها معه لجنة تحقيقية خاصة تتصل بالبيان وعن ملف عداء عبدالرزاق النايف وعن موضوع عودة المرحوم الشهيد فؤاد الركابي من القاهرة الى بغداد على متن طائرة كانت تقل معه علي صالح السعدي والتي اعيد على متنها مجبرا الى القاهرة وعن المشادة الكلامية التي حدثت في وقتها بين المرحوم الشهيد فؤاد الركابي وعلي صالح السعدي ، هذه الملفات وغيرها رحـّلها الزميل العزيز معاذ عبدالرحيم بعد ان يلقى ربه وحملني اعباء نشرها بعد ان اعطاني بعض تفاصيلها اطال الله في عمره .