المالكي يخطط لتصفية رموز السنة العرب قبل الانتخابات
هارون محمد

من يتمعن في أبعاد ومقدمات الحملة الامنية والعسكرية التي تنفذها ميليشيات نوري المالكي التي تتخذ أسماء عدة حسب المهمات التي تقوم بها والمناطق التي تتحرك فيها، تارة لواء بغداد، واخرى قوات التدخل السريع، وثالثة وحدات الطوارىء والبقية تأتي تباعا، في محافظات الموصل وتكريت وكركوك كمرحلة أولى كما هو مخطط، يلحظ دون عناء أنها موجهة ضد شخصيات ورموزمعروفة ومؤثرة سياسيا واجتماعيا في أوساط السنة العرب، لها حضور شعبي بارز، وتتمتع بمكانة محترمة وتحظى بتقدير واسع من مجتمعها المحلي، نتيجة مواقفها المقاومة للاحتلال والمناهضة لحكوماته المتعاقبة على امتداد أكثر من ست سنوات.
ومهما حاولت شلة المالكي تبرير حملته التي استهدفت اعتقال المئات من البعثيين والقوميين ووجوه المجتمع وشيوخ القبائل العربية والعلماء في الموصل وتكريت والحويجة في كركوك وابي غريب ببغداد وقبلها باسبوعين اعتقال جماعي للمصلين في جامع الامام الاعظم في الاعظمية، بان المعتقلين من (المشتبه بهم) بدعم المقاومة ومعارضة الحكومة الحالية، فان مجريات الاحداث وطريقة الاعتقال وشخصيات المعتقلين من مدنيين وعسكريين، تؤكد ان المالكي عازم على توجيه ضربة استباقية ضد من يعتقد انهم يناوئون سلطته ويعارضون سياساته في محاولة منه لتحجيم دورهم وتقييد حركتهم والتضييق عليهم عبر توقيفهم وحجز حريتهم ووقف أنشطتهم السياسية والاجتماعية، والمعلومات المتواترة من مكتب القائد العام للقوات المسلحة الذي هو يرأسه المالكي نفسه، تفيد ان مائتين من المعتقلين في حملة الموصل وتكريت والحويجة وابي غريب والاعظمية سيقدمون الى محاكم خاصة قد تستغرق اجراءاتها عدة شهور، وهذا ما يريده رئيس الحكومة الحالي ويخطط له في مرحلة ما قبل الانتخابات، والقصد واضح ويتمثل في ابعاد هذه الشخصيات عن المسرح السياسي من خلال اعتقالها لتغييب تأثيراتها ووقف فعالياتها، خصوصا وان عددا من هذه الشخصيات بدأت في الفترة الاخيرة سلسلة زيارات وعقد لقاءات تركزت على حشد التأييد لبعض القوائم والكتل التي رفضت الانخراط في قائمة (دولة القانون) لصاحبها نوري المالكي، والمساهمة في الانتخابات المقبلة بعيدا عنه، بعد ان اكتشفت ان حزب الدعوة هو المهيمن على القائمة المذكورة، بما يحمله من طبيعة طائفية ضد السنة العرب تحديدا ومنهج ثأري ضد كل من ساهم وعمل في الدولة العراقية باي صفة ووظيفة، وثأر انتقامي ضد القوى الوطنية والقومية والبعثية التي بات المالكي يفزع من جمهورها المعبأ أصلا ضد سلطته التي لولا حماية قوات الاحتلال لها لما بقت ثلاثة أيام في المنطقة الخضراء.
وعندما يرسل نوري مليشياته المسلحة دون استئذان او اشعار وزارتي الدفاع والداخلية المسؤولتين رسميا عن الملف الامني، لاعتقال المواطنين في الموصل وتكريت وحويجة كركوك وابي غريب والاعظمية وجميعهم من السنة العرب، فانه يتصرف خلافا لمعايير القانون وسياقاته التي تحتم اتخاذ اجراءات اصولية كاصدار مذكرات القاء القبض من هيئة قضائية او محكمة مختصة، وليس بطريقة قمعية وانتقائية، مع ان كتلته الانتخابية تحمل يا للمفارقة اسم (دولة القانون) التي بات العراقيون يسخرون منها ويسمونها (دولة الفافون) والفافون في اللهجة العراقية معدن سريع الصدأ والعفونة.
لقد ضمر المالكي في نفسه الامارة بالسوء دائما، الانتقام من السنة العرب الذين لم ينتخبوا قائمته في انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة، ولم يحصل على مقاعد في محافظات الموصل وصلاح الدين والانبار وديالى وانسجم مع حزبي طالباني وبارزاني الكرديين في منع الانتخابات بمحافظة كركوك، ادراكا منه ان العرب والتركمان والمسيحيين فيها لن ينتخبوه، وتبين له ان السنة العرب في العاصمة بغداد خذلوه ولم يؤيدوا قائمته كما نقل عن مساعدين له، لهذه الاسباب تحديدا، قررأن يبدأ هجمته الانتقامية والانتقائية ضد رموز وشخصيات السنة العرب للثأر من مواقفهم المعادية له والسعي لكسر شوكتهم وتخويفهم، ولاحظوا من شارك في قائمته من نماذج مشكوك فيها سياسيا واخلاقيا محسوبة على السنة العرب.
وليس صحيحا ان أطرافا قومية قد شاركت في قائمة المالكي، كما أشاع مساعدوه في تصريحات صحافية للاستهلاك السياسي والمحلي، لان التيار القومي في العراق له ثوابته المعلنة والمعروفة في رفض التعاون مع الاحزاب الطائفية الشيعية والسنية على حد سواء وفي مقدمتها بالطبع حزب الدعوة، وانما الذي شاركت معه دكاكين شللية وأخرى ارتزاقية وأشخاص ليست لهم قيمة سياسية واجتماعية، بينهم شخص قارب التسعين من عمره عمل وزيرا في حكومة المرحوم طاهر يحيى عام 1967 ومحاميا معتمدا لدى محاكم النظام السابق الخاصة ، والمفارقة ان هذا الشخص الذي كان يطرح نفسه عربيا واشتراكيا في العقود الاربعة الماضية صار طائفيا عقب الاحتلال وراح يتحدث عن الطائفة المظلومة ، اما ثاني المشاركين في قائمة المالكي فهو شخص مخرب انشق على الحركة الاشتراكية العربية في تموز(يوليو) 1968 وتعاون مع البعثيين عند مجيئهم واصبح احد المدافعين عن انجازاتهم في لقاءاته وندواته السياسية التي كان يبثها تلفزيون بغداد قبل ان ينقلبوا عليه بعد ان ضبطوه يتعامل مع العصاة الاكراد ورئيسهم ملا مصطفى بارزاني، وهرب الى سورية.
وواضح ان المالكي بادخال مثل هذه النماذج البائسة في قائمته الطائفية التوجهات والاهداف، أراد ان يضفي على كتلته (ديكورا) خارجيا مهلهل الشكل والصورة، واراد ايضا ان ينافس الائتلاف الشيعي في عملية تجميلية مشوهة باستيراد عناصرهزيلة غير محسوبة عليه، فالائتلاف هو الاخر لم يجد غير اشخاص منبوذين من بيئتهم وأحدهم خطيب في مسجد للسنة في البصرة، كان عضوا في المجلس الوطني قبل الاحتلال، تشيع عقب الاحتلال وصار يتردد على طهران دوريا وصار واحدا من المتعاونين معها في جنوب العراق وارتبط مع جماعة سنية المظهر، ايرانية الخدمة يرأسها مستشار الرئيس السابق للشؤون الدينية وصاحب خطب نارية ، تبين عقب الاحتلال انها فاشوشية.
لقد كشفت السنوات الست المنصرمة التي أعقبت الاحتلال ان الاحزاب الشيعية الطائفية والكردية الانفصالية ومعها الحزب الاسلامي السني في شكله الخارجي، قد ألحقت أذى بالغا وأضرارا جسيمة بعرب العراق، وتعاونت على تهميش عروبة العراق وتشويه هويته القومية وفصمه عن امته العربية، فالاحزاب الشيعية استحوذت على منطقة الفرات الاسفل والجنوب واضطهدت الشيعة العرب وقمعت الاصوات العروبية من شيوخ عشائر ونخب أكاديمية وعسكرية واجتماعية وثقافية، وصفت أعدادا هائلة منهم، ففي محافظة البصرة وحدها تم قتل واغتيال أكثر من (6000) شيعي عربي من الكفاءات الطبية والهندسية والاساتذة والمعلمين والعسكريين والفنانين والرياضيين من بينهم 1300 امرأة منذ عام 2003 لغاية عام 2008 حسب احصاءات موثقة، في حين قامت الاحزاب الكردية بقتل أكثر من عشرة آلاف سني عربي في محافظات الموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى خلال الفترة ذاتها، وما تزال قوات البيش ميركة تصطاد يوميا وبلا انقطاع عشرات المواطنين، وتفجر الاحياء والبيوت والممتلكات العربية والتركمانية والمسيحية واليزيدية والجرجيرية والشبكية، بينما يقف الحزب الاسلامي الذي يدعي زورا وبهتانا أنه يمثل السنة متفرجا ومتواطئا.
واذا كان نوري المالكي قد نجح بعض الشيء في استقطاب شيعة من سكان الجنوب بقوة السلاح والاكراه وتوزيع الهبات، فانه أخفق في اختراق السنة العرب كبيئة سكانية عصت عليه وتوجهات قومية قاومته بشدة وما تزال، رغم انه حاول شراء ذمم صغارالنفوس والمغمورين والمرتزقة الذين لا تخلو منهم المجتمعات كما هو معروف، لذلك فانه عمد الى قيادة هجمة اعتقالات في بعض مناطق ومحافظات السنة العرب كمقدمة ارهابية ستشمل جميع مدنهم بلا استثناء، والمعلومات الميدانية تفيد ان تجهيزات عسكرية ومالية يتم التحضير لها في مكتب المالكي لانشاء لواء عسكري ثان يرتبط به مباشرة، يتولى اقتحام أحياء معينة في العاصمة بغداد، واعتقال ناشطين سياسيين فيها قبل الانتخابات، لعدم اتاحة الفرصة لهم من انتخاب قوائم تحمل مفاهيم وشعارات سياسية قريبة من توجهاتهم، ومنعهم من تشجيع رفاقهم واخوانهم وأهلهم للمشاركة في الانتخابات، خصوصا وان ثمة أنباء مؤكدة يتناقلها الشارع العراقي تشير الى ان حزب البعث بجناحيه اللذين يرأسهما عزة الدوري ومحمد يونس الاحمد، وجه أعضاءه وأنصاره ومؤيديه بالمشاركة في الانتخابات المقبلة بكثافة لصالح كتل وقوائم محددة تخوض الانتخابات، الامر الذي أفزع المالكي وجعله يتخبط في تصريحاته وتهديداته ضد القيادات البعثية تارة وسورية تارة اخرى، خصوصا وانه يدرك جيدا ان البعثيين والقوميين اذا شاركوا في الانتخابات وهم بالملايين، فانهم سيقلبون الطاولة على رأسه ورأس من يتحالفون معه، لذلك نراه اليوم يعيش في حالة توتر وجزع، يأمر مليشياته بشن حملة اعتقالات واسعة ضد خصومه، ويحذر من انقلاب على حكومته، وقد وزع حزبه (الدعوة) في نهاية الشهر الماضي بيانا داخليا سريا على أعضائه أمكن الحصول عليه بسهولة، دعاهم الى اليقظة من انقلاب يقوده البعثيون والارهابيون والتكفيريون والنواصب، وهذه مفردات تطلقها الاحزاب الطائفية على السنة العرب، ومما جاء في البيان المرتبك ان هؤلاء بعد ان فشلوا في القيام بانقلاب عسكري خلال الفترة الماضية، فانهم يحشدون لانقلاب سياسي هذه المرة عبر الانتخابات!
المالكي لم تعد أمامه فرصة الاستمرار في ترؤس الحكومة في المرحلة المقبلة حتى لو عاد وتحالف مع ائتلاف عمار الحكيم وجماعته، ولن تنفعه حملات الاعتقال والتشريد والملاحقات ضد معارضيه وهم الاغلبية الساحقة من العراقيين، انه يتدحرج نحو الهاوية، وطوبى لمن قاومه وتحدى نزعته الطائفية، ومرحبا بالسجن يدخله الشرفاء والاحرار وهم يتصدون له بشجاعة واقدام، لا كما كان يجاهد (دولته) وعصابة حزبه العميل من خلف الحدود.