ثمة تفاوت بين رغبة الشعب في الوئام والتعايش الأخوي ، وبين رغبة الأحزاب في الاختلاف والسيطرة ، وبما إن مدينة كركوك مثلها مثل بغداد مركزا لتجانس الألوان وتعايش السكان على اختلاف منابعهم وأصولهم وثقافاتهم وعاداتهم فأنها ستبقى رمزا للوحدة الوطنية ومركزا للتفاعلات الإنسانية وإطارا للمحبة التي جسدتها حركة المجتمع عبر مئات السنين . لم يسجل تاريخ بغداد وكركوك يوما اختلاف أبنائهما على الهوية أو اللغة أو طريقة العمل أو الانتقال من حي إلى أخر ، اللهم إلا ما فعلته النظم المتعاقبة على العراق ومع ذلك لم تفلح في زرع الفتن بين أبنائها ، لكنها فرضت خاصة في عهد النظام الشمولي أقسى ممارسات القهر والتهجير والإبعاد بحق إخوتنا الكرد والتركمان وقسما مهما من العرب .
عندما انجلى الموقف وغابت لغة الإقصاء على الهوية واللغة وتوقف الترحيل القسري على الانتماء ، قلنا ومعنا كل الأهل بأن مساحة الوطن أصبحت ملكا لكل العراقيين يتنقلون ويعيشون في الزمان والمكان الذي يريدون ، ولكن مع الأسف الشديد كانت لعنة السياسة أقوى من حب التعايش بين أبناء المدينة الواحدة ، ولو أعطي الحق لصوت المدينة بمن فيها حرية الاختيار بين الفرقة والضم من جهة وبين البقاء على التعايش والوئام والمحبة لاختارت الطريق الثاني.
في هذه الأيام يتحدث المراقبون بأن كركوك ستكون هي نقطة الاتفاق والافتراق معاً ، والأمر يعود للمتحاورين على أن تبقى كركوك عراق مصغر يجمع كل الألوان والثقافات والعلاقات الشعبية وبين أن تكون منحازة لجهة دون أخرى . لا أحد من أبناء شعبنا ينكر حق العودة لمن اجبر مرغما عن الرحيل من مدينته كركوك ولكن لا أحد يقبل أيضا أن تكون كركوك مرة أخرى محورا للخلاف والتهجير والخوف من الأخر بغية الإلحاق ، فهي مدينة الجميع وعاصمة مصغرة لكل العراقيين وأبوابها من المفترض أن تكون مفتوحة على الجميع .
إن المهمة الأساسية أمام المحبين للوطن والشعب من كل التيارات السياسية تكمن في تعضيد الأخوة وتعزيز الوحدة الوطنية والعمل على تفكيك الاشكاليات التي يعاني منها الإنسان في العراق والانصراف نحو تخليصه من الأزمات الأمنية وتوفير العمل للعاطلين والمياه الصالحة للشرب والكهرباء والصحة والسكن والنقل والطرق والمكننة الزراعية هذا هو المطلوب شعبيا والملح وطنيا وليس البحث عن صناعة الأزمات وخلق ا لمعرقلات وإنتاج الفرقة التي تشكل لو تحققت لا سمح الله مواقد من النار يستفيد منها فقط أعداء العراق .
الاستطلاعات الإعلامية التي أجراها العديد من مراسلو الوكالات والفضائيات العراقية والعربية والعالمية لمواطني كركوك كلها تؤكد بأن أبناء كركوك يحمّلون الأحزاب والأطراف السياسية مسؤولية الاختناقات الشعبية في هذه المدينة ويؤكدون على التعايش السلمي والعلاقات الأخوية التاريخية الدائمة بين مكوناتها لو لم تنقل الأحزاب والكتل السياسية تشنجاتها وأزماتها وعدم الثقة بينها إلى داخل كركوك ، إذن أزمة كركوك ليس بين أبنائها وتعدد مكوناتها وإنما في أحزاب السلطة .
إن بغداد هي أم المدن وحاضنة الشعب من زاخو حتى الفاو فليس هناك ضرر عندما تتحمل بغداد مسؤولية تقديم العون لكركوك أو أن تدير كركوك مسؤوليتها ويشرف أبنائها بروحية الشراكة على تحمل مهمات العمل لكي تصبح كركوك مدينة الشعلة الأزلية أميرة للتأخي والمحبة بين كل العراقيين ورمزاً للمدن التي تعيش بنفس التركيبة السكانية . وإذا كان المعنيون بملف السياسة العراقية في هذه المرحلة يجدون التلذذ في صراع المصالح ، فيقينا إن الشعب في كل مناطق تواجده لا يريد سوى عراق موحدا قويا ضامنا لمصالح وحقوق الناس .