الخطاب الديني في الفكر الناصري

جليل نعمة العبادي

   شهد تأريخ العرب في قديمه وحديثه ازمة تنبض بالحركة والحدث والمستجدات ، ولقد تعرض العرب كغيرهم من الامم الى هزائم وانتصارات اعطتهم صلابة في الايمان وقوة في الموقف واتخاذ القرار القومي المستقل ، وما اكثر ماتعرض اليه العرب من صراع دموي على مر العصور ، وكان العصر الجاهلي حقبة للفوضى في التصرف والعمل من ابرز ملامحمه العصبية والصراع القبلي والظلم والاستبداد والبعد عن الله سبحانه وتعالى الى ان جاء الاسلام ليكون حضارة على ارض العرب اساسه العدل والمساواة والايمان امتدت لتنقذ العالم من الضلالة والبؤس والضياع لتقيم حكم الله تحت راية الله اكبر وهتاف :ـ ( ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) . وفي ظل الاسلام اصبحت القومية العربية حقيقة تأريخية تصدت لنزعات الروم وامواج التتر في ايام جنكيزخان وحفيده هولاكو ، وجحافل الصليبيين واحقاد الصهاينة واتباعهم واستطاع العرب ان يؤكدوا عبر جهادهم الطويل حقيقة كونهم اصحاب رسالة انسانية واكدوا ان الوطنية تعني انتماء الانسان لارضه ووطنه ، اما القومية فانها تعني الانتماء للامة والارض معاً . وكان الاسلام رسالة جديدة غيرت وجه التاريخ وبدلت انظمة الحياة بما يعزز من كرامة الانسان ويعلي من شأنه بسمو العقيدة الربانية وبعثت في الدنيا شعوراً  جديداً اساسه انسانية الانسان وطريقه طريق العدل والمساواة والتآخي والايمان بالله وكتبه ورسله وانبيائه على اعتبار ان الطريق الى الله هو السبيل الى انشاء مجتمع الكفاية والعدل. وجمال عبدالناصر رجل عربي ترعرع في بيئة اسلامية عربية علمته التقوى وحب الله والتضامن مع الاخرين من اجل بسط العدل والمساواة ، فالخطاب الديني للفكر القومي الناصري قاعدته الاسلام وثوابته شريعة الله وقيم السماء ورؤاه نسيج من التقدم الى الامام والتفاعل مع الحضارات بما يرضي الله والامه ومحدداته ترفض الظلم والهيمة والطغيان والدكتاتورية وتدعوا الى التسامح والى الحرية والى الديمقراطية فهو اول داعية في الوطن العربي رفض تشويه مسيرة الاسلام واستهجن بالبدع وتزوير الحقائق وتمسك بحضارة العرب والمسلمين باعتبارها الدليل الى الله ويرى الفكر القومي الناصري:ـ              

 اولاً:ـ أن الاسلام هو اول دين نادى بالاشتراكية وحديث الرسول محمد( صلى الله عليه وسلم) (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)  دعوة للتأميم ، كما أن دعوة الاسلام الى العدالة الاجتماعية والمساواة ومنع الاستغلال والعنصرية والاضطهاد من أسس الاشتراكية فهو لم يكن مجرد دين وانما هو نظام شامل للحياة  اهتم بالانسان ووضع تكافؤ الفرص امامه . وفي خطاب الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه ) ( من رأى منكم فيَّ اعوجاجاً فليقومه ، وكانوا يقولون له بكل جرأه لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا ) وكانت هذه صورة من صور الحرية والنقد الذاتي والرجوع الى الشعب التي تنادي بها الاشتراكية . ثانياً :ـ   ولهذا فأن الفكر الناصري يرى في الاسلام قوة تدفع الشعب الى امام لأنها نهضة تقدمية ، ويرى ترابطاً اساسياً بين الدين والتقدم واستلهم ثقافته وتصوراته وتطلعاته من واقع المجتمع العربي الذي خاض معارك عنيفة ضد الاحتلال الاجنبي والطغيان تحت قيادة ثوريين انتهجوا الاسلام فهو يقول :ـ ( أنا مثلاً عندما تكلمت عن الاشتراكية والاسلام ضربت أمثلة حتى يعلم الناس انه في وقت ظهور الاسلام ظهرت الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في موضوعات كثيرة ) ، والزكاة كما يرى عبد الناصر ضمانة اجتماعية في الاسلام وهي طريق سليم للتكافل الاجتماعي وتلك من أسس الاشتراكية . ثالثاً:ـ  يؤكد الفكر الناصري ان الاشتراكية لا تتقاطع مع الدين ، وانه يرى ان الدين مناهج تربوية واخلاقية تقي المجتمع من هوة الانحراف على عكس الماركسيين الذين يرون(ان الدين افيون الشعوب)  رابعاً:ـ كما يرى القائد ان جوهر الاديان هو تأكيد لحق الانسان في الحياة والحرية ، ومبدأ الثواب والعقاب في الشريعة الاسلامية ، مبدأ ساوى بين الناس وجعل العمل هو الفصل بين الثواب والعقاب ( ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) ومن جانب آخر يرى عبد الناصر أن جوهر الرسالات الاسلامية لاتتعارض مع حقائق الحياة ويقول :ـ ( ان رسالات السماء كلها في جوهرها كانت ثورات انسانية استهدفت شرف الانسان وسعادته ). خامساً:ـ  الاشتراكية ذات الطريق العربي التي استنبطها عبدالناصر من الواقع العربي تعني أن يسيطر الشعب على جميع وسائل الانتاج ولا تدعو الى تأميم جميع تلك الوسائل ، وهي تريد بذلك ان لا تتعارض مع الشريعة في حق الانسان في الملكية الشخصية وحقوق الارث الشرعي ، لهذا فسحت امام القطاع الخاص ليساهم في مسألة التنمية ، ولكن تحت سيطرة القطاع العام .  هذا في الجانب الفكري ،أما على الارض والتي عكس فيها الرئيس جمال عبد الناصر توجهاته الفكرية ازاء الدين في الانجازات خدمت مسيرة الدين ، واعطته للدين وسائل تمكن من نشر ثقافة الاسلام ومن تنظيم شعائر الله منها :ـ

1ـ قيام عبدالناصر من ادخال الفقه الجعفري في دراسات الازهر ولاول مرة في مصر أسوة بفقه المذاهب الاسلامية الآخرى .

2ـ واصدر قانون الأزهر ليصبح جامعة تضم كل الاختصاصات العلمية والآدبية والثقافية والقانونية الى جانب الدراسات الاسلامية حيث يتخرج طالب العلم وهو يحمل الى جانب ثقافة الاسلام مهنة لخدمة البشرية الانسانية وتضع آفاق التقدم الحضاري .

4ـ واهتم عبدالناصر بدراسة التربية الاسلامية في مدارس مصر حتى اصبح درس الدين مادة اساسية في كل المراحل الدراسية يتوقف عليها اجتياز الطالب مرحلته الدراسية الى مرحلة متقدمة .

5ـ كما اسس مدينة البحوث الاسلامية وهي مؤسسة ثقافية ، حيث تقوم هذه المؤسسة بفسح المجال امام الدارسين من سبعين دولة وتتحمل الدولة نفقات دراستهم وسكنهم .

6ـ وانشأ عبدالناصر المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية وقد لعب هذا المجلس دوراً كبيراً ورئيسياً في خدمة الاسلام والمسلمين في داخل مصر وخارجها .

7ـ الى جانب قيام عبدالناصر بأنشاء العديد من المساجد ودور العبادة ليزداد عدد المساجد حيث اصبح (21 الف) مسجداً بعد ان كان (11 الف) مسجداً قبل صدور القرارات الاشتراكية العلمية ، كما ان جمال عبدالناصر اول رجل بادر لتأسيس اذاعة القرآن الكريم في مصر التي تبشر بمفاهيم الاسلام وتتلو آيات الذكر الحكيم .

8ـ كما ان جمال عبد الناصر وقف الى جانب الثورة الاسلامية والانتفاضة الشعبية التي كان يقودها الامام الخميني عليه على اعتبار انها ثورة وطنية ايرانية تسعى للاطاحة بالامبريالية العالمية وازالة الخطر الذي كان يشكله حكم الشاه على القضايا العربية وتفتيت مركز القوة الامريكية في الشرق الاوسط والعالم .