الفعل ورد الفعل في طروحات المناضل القومي هارون محمد

جليل نعمة العبادي

 

   الفكر القومي فكر جماهيري ولد في مخاضات صعبة وظروف معقدة وعبر تاريخه المجيد واجه المفتريات والتشويه والالتفاف والطعن من الخلف نتيجة الهجمة الامبريالية والصهيونية التي أرادت تهميش الوعي العربي القومي وفصله عن وجدان وقيم الانسان العربي ومنع تأثيراته الفكرية من بسط الرؤى الثورية الناضجة والفاعلة ، غير ان تلك التحديات الصعبة جعلت الفكر القومي اكثر رسوخا وثباتا على الارض واستطاع ان يتجاوز المحن ويسلك طريقه في وجدان واحاسيس الجماهير العربية الواسعة بفضل عمق صلته بالارث والتاريخ العربي وصدق انتمائه للارض العربية بكل جراحاتها وغليانها وانفعالاتها وارهاصاتها ، وتمكن الفكر القومي من صنع جيل واع ومثقف ومتفان يؤمن بالقومية العربية كقضية وكطريق وكفكر ثوري يتعصرن مع الحرية والاشتراكية والوحدة بعد ان ارتفعت قامته وتنورت عقليته بالتربية القومية الناصرية التي رسمت افاق المستقبل العربي وتجاوزت محن الحاضر وتحدت الردة والفراغ الفكري الطوبائي والمنهج الامبريالي الصهيوني حتى اصبحت الارض العربية ساحات لمعارك الشرف والعزة والكرامة وهي تواجه المغتصبين والمحتلين والخارجين على ارادة الجماهير ، والذين اعتنقوا الفكر القومي تأصلوا مع اصالة هذا الفكر وبقوا مناضلين اشداء تعلموا من قائدهم ورمز نضالهم جمال عبدالناصر كيف يحولون الهزائم الى نصر محقق ويؤسسون النظام الديمقراطي الوحدوي بلا تبعية والذي يلغي الاستغلال ويحقق مجتمع الكفاية والعدل كما تعلموا الصبر والجلد والمطاولة امام الثقافة الطارئة التي تفصل بين الذات الانسانية والقيم وتؤلف الفجوات في مسيرة التاريخ الجهادية ، فالقوميون رجال عشقوا عروبتهم فرفضوا التطرف والركون الى الظالمين ولا يتكلمون بلغة طائفية ولا يكتبون بحروف محاصصية ، وللقوميين سنن معروفة في التصرف والخلق المنضبط الذي يعتبر الانسان قيمة حضارية دون الالتفات الى عرقه واصله وفصله وطائفته .

والذي اريد ان اقوله انني كنت صاغيا لكل الحوارات التلفازية ومتلقيا لكل المقالات الصحفية او عبر مواقع الانترنيت التي كان يسترسل فيها المناضل القومي المعروف هارون محمد والتي تطرح الفكر القومي كفكر منزه من الشوائب والمغالاة والانفلات ، ولكن اثار استغرابي بعض الحوارات التي حاورته فيها بعض الفضائيات ومقالات ظهرت على سطوح مواقع الانترنيت والتي طرح فيها افكارا جعلت المتلقي يفهم منها خروجها عن سياق الفكر القومي ولاحظت بعجب انه يستخدم مصطلحات السني والشيعي كثيرا ويسمي مثلا الائتلاف العراقي الموحد  إئتلافا شيعيا محاولا ضم الشيعة وهم من حملة المذهب الجعفري الى هذا التجمع رغما عنهم ليحمـّل هذه الطائفة تبعات وانعكاسات سياسته وتوجهاته الفكرية وتصرفاته على الارض بكل افرازاتها على وفق تصوراته التي ضغطت عليها تداعيات الاحتلال ، كما تعرض اكثر من مرة الى معتقدات هذه الطائفة والطعن ببعض رموزها بشكل بات يوحي بانه يحاول استفزاز الآخرين وصنع الفعل ورد الفعل بالرغم من ان معرفتي بهذا الرجل تبعده عن هذا المنحنى الخطير وربما استطراد الحديث وهواجس المرحلة القاتمة التي يمر بها العراقيون كانت وراء طروحاته الجديدة وربما كانت رد فعل لفعل صنعه المحتل من اجل ان يقيم فتنة طائفية لكن المتلقي يفهم الامور بشكل اخر لانه لا يعرف مايدور في خلد هذا الرجل وغيرهم لا يفهمون نواياه وانتمائه وتأريخه فتألفت عند بعض المتلقين نظرة احادية وتصورات فيها نكهة الاتهام بالطائفية لان الناس تعول على معاني الكلمات وليس لديها منجد تتفحص فيه المعاني الشاردة والواردة والذي يقرا مقالة الاستاذ هارون محمد على سطح الموقع القومي والذي حمل عنوان (هل لدى المالكي توجهات قومية لا يستطيع الافصاح عنها) يفهم منها فهما سطحيا توحي ان الاستاذ هارون محمد يتحدث بصفته رجل سني لا غير ، غير انني افهم غير ذلك لانني ادرك عن قرب نزعة هذا الرجل القومية التي تترفع عن الطائفية ، ولقد اعجبني استهلال حديثه بالقول:ـ ( نحن ابناء تيار قومي يرفض كل اشكال الطائفية وكل انواع الاحتلال). ولكن مجمل المقال تحدث عن :

1ـ كون الاستاذ هارون محمد ابن حضارة وحكم والمالكي ابن اصحاب حسينيات ثرثرة وحزن ولطم بشكل يجعل المتلقي يعتقد ان المقارنة بين رجل شيعي واخر سني . 2ـ انه ربط بين تداعيات العراق وبين تسلط مذهب اسلامي محدد وحقائق التاريخ وصور الصراع الدائر في العراق هو صراع سني ـ شيعي وليس صراعا بين العراقيين بمختلف طوائفهم وممللهم وفسيفسائهم ومنهجهم الوطني وبين المحتلين ومرتزقتهم واجندتهم ، وسوح النضال تشهد ان التيار القومي العربي ضم رجالا مناضلين مسلمين ومسيحيين واديان اخرى بمختلف مللهم . 3ـ لقد تعرض بشكل سافر الى بعض المرجع الدينية الاسلامية التي لها رصيد معروف من الانصار والمؤيدين وتلك قناعات الناس واجتهادهم وليس من مصلحة القوى القومية ان تثير الزوابع في موضوع معقد مثل هذا الذي ينتج ردود افعال في وضع ساخن يشهده العراق بعد الاحتلال ، وما لنا والتعرض للرموز الدينية التي تحمل معتقدات دينية ولها مؤيديها وانصارها فهل يصح لنا مثلا ان نتجاوز على البابا او على شيوخ المندائية واليزيدية في وقت يتطلب توحيد الصف العراقي ولملمة الجراح لاسقاط ذرائع الاحتلال وطرده . وعلى ضوء ذلك فأنني اعتقد :ـ اولاـ ان رجلا مناضلا بمستوى هارون محمد حينما يتحدث عن موضوع معين كالذي اشرنا اليه وهو خارج القطر عليه ان يدرك ان رد الفعل المتوقع من الاطراف الاخرى سينعكس على القوميين في العراق وسيسنده الاخرون الى المعتقدات القومية بقصد اثارة الشبهات حول الفكر القومي العربي النظيف لاسيما اذا تلقاه المغرضون والشعوبيون الذين تستعرُ اعماقهم بالحقد على الفكر القومي والعروبة. ثانيا ـ ان المقال حمل افكارا تصنع الجفاء بين القوميين وبين العراقيين الذين ليس لهم ناقة ولا جمل في تداعيات الوضع العراقي لان المقال يصوران الفكر القومي العربي حكرا على السنة لا غيرهم ويسوغ ردود افعال تضيـّق على التوجهات القومية وتضع القوميين في مأزق لاتحمد عقباه والحقيقة ان القوميين اعتنقوا الفكر القومي وهم من ملل وطوائف واديان ومذاهب وحدهم الانتماء الى العروبة كفكروكحضارة وكمعتقد وفي طليعة هؤلاء الشهيد فؤاد الركابي الذي اعطى حياته ثمنا لقيم العروبة .

مع شديد اعتذاري واعتزازي بالاستاذ هارون محمد وعذرا سادتي القراء لانكم لم تعهدوا مني التحدث بمفردات طائفية ولكن طبيعة الرد تقتضي ان اكون كذلك .