الولايات المتحدة الامريكية وتداعيات القطب الواحد

                                                                       

جليل نعمة العبادي

 

          استغلت الولايات المتحدة الامريكية احداث 11ايلول/2001 المدمرة لتحقيق مكاسب دعائية ونيل فوائد اقتصادية واستراتيجية وسياسية من خلال اعادة تأهيل الاستراتيجية الامريكية لتكون بعيدة المدى وتستوعب توجهات بوش الابن العدوانية باستهداف حريات الاخرين وغزو اراضي الغير وتسويغ السلب والنهب ، فضلا عن استهداف واسقاط انظمة قائمة وتأسيس غيرها على وفق الهوى الامبريالي وتوسيع القواعد العسكرية وقاعدة حلف الناتو تحت ثلاث حجج اولهما : الحفاظ على الامن الامريكي وثانيهما : مكافحة الارهاب وجعل العراق وافغانستان وغيرهما ساحات لتصفية الحسابات مع الخصوم وثالثهما: نشر الديمقراطية والحرية ، والرئيس الامريكي بوش الابن تطرف وغالى في استثمار هذا الظرف ، واستحوذت على عقله وفكره ومنهجه وتصرفاته فلسفة هبوط ادم الامريكي ليفتح اسطورة العالم الجديد ، ومعتقده الديني المتهور بادعائه بان السماء اوحت له بحرب العراق وانه يخوض حربا صليبية ضد العالمين العربي والاسلامي ليكشر عن انيابه ويكشف الدوافع الحقيقية وراء غزوه واحتلاله وصنع الفوضى المنظمة وليؤكد تمسكه بالارث الصليبي الصهيوني المعادي لتطلعات وحريات الاميتين العربية والاسلامية ، غير ان سياسة بوش الابن هذه صنعت ردود افعالا كبيرة غيرت كثيرا من واقع التحالفات الدولية والاقليمية وهيأت بيئة دولية جديدة لاضمحلال القطب الامريكي الواحد وتداعياته ، وذلك من خلال اولا:ـ فشل تكتيك التماس من حافة الهاوية والضغوط التي مارستها الولايات المتحدة الامريكية على عدد من دول العالم وفي طياتها سوريا والصومال والسودان ولبنان وايران وكوريا الشمالية ودول اخرى كما فشلت هذه الضغوط التكتيكية في تهميش دور روسيا في المجتمع الدولي واضعاف اقتصاده وتشتيت مابقي من اقاليمه واضعاف قدراته العسكرية ، ويمكن تلخيص الضغوط التكتيكية الامريكية على روسيا في المحاور التالية :ـ 1ـ قيام الولايات المتحدة بنشر الدروع الصاروخية على حدود روسيا لتهديد امنها واجهاض الامن والسلم الدولي والاتفاق الذي عقدته هذه الدولة العظمى مع بولندا هو بادرة خطيرة لحرب باردة وتسابق في التسلح الحربي 2ـ قيام الولايات المتحدة الامريكية لتوسيع حلف الناتو العدواني بضم جورجيا واوكرانيا ومحاولات ضم دول اخرى وفي مقدمتها رومانيا وبلغاريا 3ـ استخدمت الولايات المتحدة الامريكية الوسائل الاعلامية الدعائية التي تسيء لسمعة روسيا من خلال وصمها بالدكتاتورية وسحق حقوق الانسان ومحاولات التوسع والسيطرة والعدوان . ولقد اغرى الولايات المتحدة الامريكية ماحققته من نجاحات في استخدام ضغوط تكتيك التماس من حافة الهاوية الذي مارسته على دولة الاتحاد السوفيتي المنحلة وادى الى انهيارها وتشرذمها مما جعل علاقات روسيا مع شركائها والتي كانت قائمة في التسعينات علاقة مضطربة ومهزوزة . ثانيا : ـ ومما يؤكد فشل ضغوط الولايات المتحدة الامريكية المستجدات التي افرزتها حرب القوقاز وقيام روسيا بحرب استباقية لردع جورجيا فهذا النصر الذي حققته روسيا جعلها تستطيع ان تعيد وزنها واعتبارها في المحيط الدولي والاقليمي وان تخلق لنفسها حوافزا جديدة لكسب الاصدقاء من دول العالم ومن ثم دعمهم لوجستيا وتجهيزهم بالسلاح الدفاعي المطلوب ، فضلا عن ان رد الفعل الروسي جاء خلافا لما توقعته الولايات المتحدة الامريكية ويبدو ان روسيا فهمت حقيقة مصالحها وادركت حركة المتغيرات الدولية لتأخذ دورها الطبيعي في المجتمع الدولي والاقليمي وتعزز امنها واستقرارها وتحافظ على ثرواتها واقتصادها ، وربما انها باتت تحضر لمرحلة استفاقة الحرب النائمة . ثالثا:ـ وكرد فعل على التكتيك والاستراتيجية الامريكية ظهر تقارب وتلاقي بين عدد دول العالم للوقوف بوجه القطب الامريكي مثل ايران وسوريا وفنزويلا وكوريا الشمالية وكوبا ، ويلاحظ المراقبون ان هذه الدول بدأت تتحسس عن قرب نوايا الاستراتيجية الامريكية وتسعى الى ضمان امنها واستقرارها من خلال وجهات النظر الواحدة ، ولقد شكلت هذه الدول مراكز استقطاب جديدة لقوى وحركة دائبة على شكل حلقات دفاعية تتصدى للقطب الامريكي . رابعا:ـ وفي الجانب الاقتصادي يمكن تلخيص رد الفعل الدولي على الاستراتيجية والقطبية الامريكية بظهور هيئات اقليمية اقتصادية لمواجهة تحديات الحصار الاقتصادي وقيود البنك والصندوق الدوليين حيث ساهما هذين الصندوقين في نشر الجوع والفقر والعوز في العالم ، وتقف هذه الهيئات الجديدة بوجه العقود والاتفاقيات الجائرة وغير المتكافئة التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكية بضغوط تكتيك التماس من حافة الهاوية لاستنزاف قدرات الشعوب الاقصادية والسيطرة على منابع النفط والتحكم بالتنمية الاقتصادية والبشرية في العالم ، ومن هذه الهيئات رابطة الدول المستقلة ، والسوق المشتركة الجنوبية ، والرابطة الاقتصادية في البحر الاسود ، ومنظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الافريقي وغيرها ، والاقتصاديون يتوقعون ان تتوسع منظمة شنغهاي للتعاون من خلال قدراتها المالية وفي معالجة المشاكل وتوسيع نشاطها الاقتصادي والتعاوني الانساني .

واخر المطاف فانني أرى ان على روسيا ان تتفاعل بجدية مع مراكز الهيئات الدولية الناشئة للوقوف بوجه القطبية الامريكية وان تسعى لخلق توازن جدي يلغي مبدأ الهيمنة والقطبية ، كما على روسيا ان تساعد على تنمية الهيئات الاقتصادية الجديدة وابعادها عن التأثير الامريكي ، كما انني ارى ان على روسيا ان تعيد النظر في توجهاتها ازاء القضية الفلسطينية وان تتخلص من تأثيرات اللوبي الصهيوني ، وان تستخلص من الدور التخريبي الذي مارسته اسرائيل في اوسيتيا وابخازيا وفي امن روسيا واقتصادها وعبثها في الامن والسلام الدولي العبر والدليل القاطع على عدوانية الصهاينة والدولة اللقيطة اسرائيل لغزو العالم وتدمير اقتصاد الدول وتحطيم العلاقات الدولية تحت المظلة الامريكية ، واخيرا انني ارى ان على العرب ان يتفهموا الدور الروسي الجديد وان يستوعبوا الدروس وتداعياتها من جراء القطب الامريكي وان يعزموا على دعمها لان روسيا الجديدة لا تحمل ايدلوجية معينة كما كان الاتحاد السوفيتي تهدف الى تصديرها الى العالم ، كما ان نواياها الطيبة لمد يد التعاون مع العالم العربي ووقوفها بوجه الغطرسة الامريكية دليل على اختيارها الطريق الصعب لتعيد مكانتها كدولة تسند الحرية وقضايا التحرر في العالم والتنمية ، واذكر العرب كل العرب ان يعدوا العدة لاستباقة الحرب النائمة واسرائيل تحضر لضرب ايران وسيكون العراق والخليج العربي الارض المحروقة لا سامح الله وساحة للصراعات .

 

 

                                                                دمشق

                                                             4/9/2008