في العراق اليوم.. إن لم تمت بالقهر مت بالكوليرا


هارون محمد

 

في آب (اغسطس) 1966 تعرض العراق الى هجمة كوليرا وفدت عليه من الجارة ايران الشاه، وكان الزعيم الوطني والقومي ناجي طالب يرأس حكومة تشكلت حديثا والبلاد تمر في أزمة اقتصادية حادة بسبب مشكلات افتعلتها شركات النفط الاجنبية الاحتكارية مع سورية التي كان النفط العراقي يمر في أراضيها الى موانئ البحر المتوسط أدت الى توقف الصادرات النفطية وبالتالي فقدان الموارد المالية، الامر الذي دعا الحكومة الى اتخاذ سلسلة من الاجراءات الحكومية السريعة لمواجهة الوباء اللعين، أبرزها حشد الجهود الشعبية واشراك المواطنين في معركة التصدي للكوليرا، كل حسب موقعه وامكاناته، وكانت النتيجة ان العراقيين نجحوا في وقف زحف الكوليرا بأقل الخسائر، ستة عشر توفوا في العراق كله وتحديدا في المناطق الحدودية المحاذية لايران، بينما كانت توقعات منظمة الصحة الدولية تشير الى ان الوباء سيحصد أرواح خمسة آلاف عراقي استنادا الى ما حصل في ايران.
وكان سر نجاح حكومة ناجي طالب في هزيمة الكوليرا لم يكن بامكانياتها وهي محدودة أصلا، ولا بعنجهيتها وهي معدومة تماما، وانما بنزاهتها، وثقة أغلبية الشعب بها وتعاون الاجهزة الطبية والدوائر الصحية وتفاني الطبيبات والممرضات والاطباء والمضمدين، وكانت مناظر أفراد البعثات الصحية وهم يجوبون القرى النائية والقصبات البعيدة على أرجلهم او في سيارات متهالكة ودراجات هوائية، ويقومون بعمليات التطعيم ضد المرض، مشاهد تدعو الى الفخر، وتكشف معدن العراقيين الصافي في تعاضدهم وتضامنهم، في ذلك الزمن الجميل الذي كان الموظف المختلس يرجم بالعار من أهله وذويه، وكان الجندي الهارب من الخدمة يسٌلم الى الجهات المختصة من قبل أبيه أو أخيه، وكان الناس يهبون عند الشدائد والمحن، بغض النظر عن موقفهم من الحكومة القائمة أو النظام السائد، هكذا كان العراقيون قبل أربعين أو خمسين سنة، قبل ان تداهمهم الزمر التسلطية وعصابات الاجرام ومافيات الفساد ومليشيات الموت والمحاصصات الطائفية والعرقية وعملاء الاحتلال البغيض.
مناسبة هذا الحديث، المحنة التي يمر بها شعبنا العراقي حاليا وهو يواجه وباء الكوليرا في وقت تشتد عليه الازمات وتتسع معاناته في ظل احتلال امريكي همجي ووسط حكومة أغلب وزرائها لا يحسنون غير 'اللغف' وعقد الصفقات الجوانية والمقاولات الدولارية المليونية، أما محافظو المحافظات ورؤساء مجالس المحافظات فهم بين ملا (روزخون) يتقن النصب والاحتيال او رئيس عصابة للسرقة والتهريب او جاسوس لايران او مخبر يستخدمه المحتلون واحزاب السلطة في مهمات قذرة، لذلك ليس غريبا ان يتفشى وباء الكوليرا بهذه السرعة التدميرية ولا يجد المرضى أدوية وعقاقير طبية للعلاج ولا مستوصفات ومستشفيات تحولت صالاتها بفضل الغزاة وحكوماتهم العميلة الى حسينيات للطم وضرب القامات وخصوصا في محافظات ومناطق الفرات الاوسط والجنوب وهي تحمل أسماء آية الله الفلاني او الحّجة العلاني، في حين تحول وزراء الخدمات خاصة والمسؤولون في المحافظات المنكوبة الى شهود زور يكذبون في تصريحاتهم وبياناتهم عن أعداد المصابين والمرضى والوفيات، تغطية لتقاعسهم في أداء مهامهم الرسمية والادارية والخدمية، فلا يمكن الركون الى كلام وزير احدى الوزارات الفنية الخدمية المسؤولة عن مشاريع الماء والمجاري وكل مواهبه انه كان سائقا لحريم قادة حزب او مجلس بالاصح أنشأه الايرانيون في طهران لمحاربة العراق والعراقيين، علما بان هذا الوزيرالغريب كان ضمن الجنود العراقيين الاسرى وأصبح من (التوابين) أي عميل ومتعاون مع العدو، والقوانين الدولية تحظر تعيين الاسرى عند عودتهم الى بلادهم من الاسر، وتفرض على حكوماتهم ان تتخذ اجراءات لرعايتهم والاهتمام بهم، اما من عمل وتعاون مع العدو من أمثال التوابين فان القضاء يفصل في قضاياهم، ولكن في العراق المستباح بالمارينز ووزراء المحاصصة ومغاوير الطائفية والعرقية، كل شيء بالمقلوب، الخائن يصبح رئيسا والعميل يصير وزيرا والقاتل يكون محافظا وهكذا.
ومما يدمي القلوب ويحز في النفوس ان يطلع بيان حكومي يبشر العراقيين الخائفين والمرعوبين من الكوليرا، يبشرهم بان( دولة ) رئيس الوزاء تمكن من توفير ستة عشر صهريجا لنقل المياه الصالحة للشرب، خصصت للمحافظات المنكوبة، وكأن هذا الاجراء انجاز عظيم وفتح الفتوح وسيقضي على الوباء الذي ضرب في محافظة بابل وحدها الاف المواطنين تتكتم السلطات الحكومية على ارقام الضحايا، ويتهرب محافظها وهو بالمناسبة عضو قيادي في مجلس عبد العزيز الحكيم، وأحد (التوابين) ممن عادوا الى الحلة عقب الاحتلال وطارد المحافظ السابق الذي عينه بول بريمر وكان من جماعة الجلبي وأجبره على الهرب وتسلم مكانه، من اعلان الحقائق في المحافظة في استهتار واضح بحياة المواطنين، مؤكدا ان المحافظة محمية ومصانة بفضل جهود أتباع أهل البيت دون ان يشير الى أي بيت، هل هو البيت الابيض.. او بيت طارق عزيز في حي الجادرية ببغداد الذي سلبه سيده واستقر فيه؟
ان حكومة تمتلك موازنة سنوية قدرها تسعة وسبعين مليار دولار، مودعة في البنك الفدرالي الامريكي ـ وفق تصريحات المرشح الديمقراطي باراك اوباما- تستطيع ان تبني عشرات المستشفيات والمراكز الصحية وتزويدها باطنان الادوية والمستلزمات الطبية والصحية، اذا كانت حكومة وطنية تضع مصلحة البلاد في أولوية اهتماماتها، وتستطيع ايضا ان تنشأ عشرات المحطات لتنقية المياه وتصريف الثقيلة منها، وتقدر كذلك على استيراد مئات المولدات الكهربائية وتوزيعها على بغداد والمحافظات بعدالة، اذا كانت هذه الحكومة تعمل لصالح العراق ومستقبله وليس لخدمة أجندة معادية لتطلعات العراقيين، وهكذا مرت خمسة اعوام وستة شهور على الاحتلال وحكوماته المتعاقبة دون ان يشهد البلد انشاء مستشفى او جامعة اومشروع كهرباء او ماء او تعبيد طريق، والمفارقة ان وزير المالية وهو ايضا من قياديي مجلس عبد العزيز الحكيم يرفض تخصيص أموال لمشاريع تقدمت بها وزارات يشغلها وزراء من غير طائفته ومجلسه بدعوى ان البنك الدولي يتحفظ عليها، ومؤخرا حجب زيادة في رواتب الموظفين كان هو لا غيره قد أصدر قانونا خاصا بها بحجة ان البنك المذكور اعترض على الزيادة لتخوفه من ارتفاع مستوى التضخم وكأن البنك الخاضع للادارة الامريكية حريص على العراق والعراقيين!
ان المسؤولية الوطنية والانسانية تستدعي من العراقيين وخصوصا الذين يقطنون ويعيشون في محافظات الفرات الاوسط والجنوب المهددة بكارثة الكوليرا، ان يقفوا في صف واحد، يحشدوا طاقاتهم كل من موقعه وحسب امكاناته لمواجهة الوباء المدمر، وأول خطوة يجب ان يبادروا اليها في هذا الشأن، هي طرد المسؤولين في محافظاتهم الذين أثبتوا عجزهم في تأدية المهمات والوظائف التي يتولونها بعد ان تأكد بالاحداث والوقائع ميدانيا وسياسيا انهم مرتبطون باطراف تابعة لاجهزة ودوائر ايرانية تخطط لفصل تسع محافظات عن العراق تحت عنوان الاقليم الشيعي المشابه للاقليم الكردي في الشمال العراقي الذي شهد هو الاخر في العام الماضي حالات لم يكشف عددها من الاصابة بالكوليرا، انها دعوة لانقاذ الملايين من الابرياء الذين طحنتهم سنوات القهر وسياسات سلب الحقوق وملء الجيوب، والتفرج على الكوليرا تحصد الارواح دون التفاتة جدية من مسؤولين ووزراء ومحافظين يتشبثون بمناصبهم وكراسيهم وامتيازاتهم ومكاسبهم الانتفاعية دون مراعاة للاخطار والامراض التي تتربص بالعراقيين وتفتك بهم بالجملة.