أوهام التوبة

بقلم : أبو ذر

 

 ( 1 ) منذ أسابيع خلت والحديث عن اتفاقية أمنية مزمع إبرامها بين المحتلين الأمريكان وحكومتهم العميلة ما يكاد ينقطع لفسحة زمن حتى يعود مجددا وبأكثر مما كان عليه في اتساع رقعة حواراته وتشعب قنوات مساراته وكثرة مجالات توقعاته ..، وبما يؤشر انه سيظل حديثا للساعة والى حين .

وعلى الرغم من حرص الإدارة الأمريكية على عدم نشر أي نص مكتوب لكل أو لجزء مما هو مزمع إبرامه ، وتكتمها عن الإعلان بأي تصريح يكشف حقيقة ما يجري الترتيب له من وراء الأبواب المغلقة لما يزعمون أنها قاعة تفاوض تجمع نفر من كوادرها السياسيين والعسكريين والأمنيين بحفنة من صنائعها العملاء ..، فأن المحتلين الأمريكان لم ينفكوا عن التأكيد ، بمناسبة وبدون مناسبة ، وعبر تصريحات العديد من مسؤوليهم ، ابتداءا من رئيسهم المجرم بوش وحتى مندوبهم الحاكم في بغداد رايان كروكر ، بأن هدف ما يجري ((التفاوض)) عليه ينحصر في ((تنظيم عمل وانتشار القوات الأمريكية على الأراضي العراقية)) . وهو ما يفهم منه إن ما يتم ترتيبه لإبرامه لا يتعدى بأي حال من الأحوال تقنين أساليب عمل وتوزيع قواتهم الغازية وبما يسهل عليها أداء مهامها ، ويضمن لها الحماية المتوخاة سواء عند تنفيذها لتلك المهام أو في قواعدها الدائمة ، ودون إن يتجاوز ذلك إلى ما يخص وجودها ومدى استمراره ، أو حجم تلك القوات ونوعية تشكيلاتها ، أو ما تتمتع به حتى ألان من ضمانات حرية حركتها زمانا ومكانا ، وشمولية سلطتها في التحري والمتابعة والحجز والقبض والتجريم على كل الأشخاص ، وعدم مسؤوليتها عن أية إضرار تنجم عن أي من تصرفاتها .   

من جانب آخر فان المسميات المتغيرة لما يتم الترتيب لإبرامه والذي روج له ابتداءا على انه ((مذكرة تفاهم أمني)) ، ثم تحول إلى ((معاهدة أمنية)) ، ثم إلى ((اتفاقية أمنية طويلة المدى)) ، ثم أخيرا إلى ((بروتوكول أمني)) ، لم تفلح في تشتيت وعي عموم المتابعين والمهتمين عن الانتباه إلى وحدة مضمونها . فمع أن أهل الاختصاص يميزون بين القوة الملزمة الكامنة في كل مصطلح من المصلحات سالفة الذكر ، ومدى ما يتطلبه أبرام أي منها من أحكام وإجراءات وصلاحيات هي بالضرورة مختلفة عن بعضها البعض ..، إلا إن ذلك لا يمنع مطلقا من إن يفرغ مضمون اتفاق معين في شكل مذكرة أو معاهدة أو اتفاقية أو بروتوكول أو سواها ودون إن يؤثر ذلك بأي حال من الأحوال على ثبات ذلك المضمون أو الزاميته لإطرافه .

وهكذا لم يعد خافيا عن بصيرة كل ذي عقل لبيب مضمون ما يحرص المحتلون الأمريكان التستر عليه وما يرتبون هم وعملائهم لتنفيذه على ارض الواقع ، وان تغيرت مسمياته ، فهو ليس إلا تكريس لسياسات وخطط احتلالهم لعراق العروبة .

( 2 ) وباستثناء قلة تافهة أشهرت تأييدها ، وعلى بياض ، لما يزمع إبرامه بين المحتلين وعملائهم .. ثم زادت فهللت وطبلت لما يخفون ترتيبه ، مع جهلها الكامل به ، ثم زادت فتراقص رعاعها فاقدي الغيرة والحياء عرايا على أسنة الحروف ومخارج الكلمات بما يسوقونه من مبررات لموقفهم الخياني ..، فان الغالبية العظمى من أبناء شعبنا الصابر قد عارضت بصريح القول وواضح الفعل ما يزمع إبرامه وبأية تسمية كانت .

وإذا كان مما هو متوقع ومفهوم إن يتبنى الرافضون للاحتلال الأمريكي لوطننا العزيز من أبناء شعبنا الصابر ، والمناهضون لسياساته وخططه وزبانيته ، والمؤمنون الملتزمون بحرية العراق العربي أرضا وشعبا وأرادة كشرط أول وأساس لأية عملية بناء له أو نهوض به ..، موقفا قاطعا في رفضه لما يزمع إبرامه وما يتم الترتيب له بين المحتلين وعملائهم ..، فان من المستغرب وغير المفهوم إن يصر جمع من صنيعة المحتلين السائرين مع ركب مؤيدي خططه وسياساته المنخرطين في ما يسمى ((العملية السياسية)) والملوثين بما يشغلونه من مناصبها وكراسيها ، على حشر أنفسهم حشرا بين حشود الرافضين المقاومين لما يسعى لإبرامه سائسيهم المحتلين واقرانهم من العملاء والخونة . ويزيدنا استغرابا واستهجانا في آن معا ما يسوقه اؤلئك المنافقون الدجالون الساقطون سقوطا حرا إلى عميق أوحال خيانة الأوطان والعمالة للأجنبي من حجج هي الأكثر قبحا من قبيح أفعالهم لتبرير ما يزعمون انه رفض لما يزمع إبرامه سائسيهم مع اقرانهم . تلك الحجج التي حبكوها من واهن أفكارهم السقيمة وتافه معتقداتهم الضالة ورخيص ولاءاتهم المشينة ، ثم رفعوها لافتة تزعم ((انتهاك المعاهدة للسيادة الوطنية)) !! .. وكأن احتلال كامل أرضنا الطاهرة واستباحتها بالطول وبالعرض من قبل مئات ألوف الجنود والمرتزقة الأجانب ، لا يشكل مصادرة للسيادة العراقية ..، وكأن سلب حرية وإرادة كامل شعبنا الصابر واستعباده بالحديد والنار وانتهاك حرماته والتشريد القسري للملايين من أبناءه بعيدا عن مناطق سكناهم أو خارج حدود وطنهم ، لا يمثل استلابا للسيادة العراقية ..، وكأن نهب ثروات العراق الوطنية وهدم بناه التحتية ونشر الخراب والتدمير في شتى إرجاءه ، واختلاق الفتن وتأجيج الكراهية والبغضاء والأحقاد بين أبناء الشعب الواحد والتحريض على الفرقة والاقتتال فيما بينهم ، لا يعد استيلاءا على السيادة العراقية ..، وكأن ما أزاله المحتلون وغيروه بقوتهم الغاشمة من نظمنا وتشريعاتنا ومؤسساتنا لم يكن إعداما للشرعية العراقية ..، وكأن ما فرضوه من واقع سياسي وقانوني وأداري لم يكن وئدا للمشروعية الوطنية .. إلا بئس ما يزعمون ، وبئس ما هم به يتحججون . 

( 3 ) وإذا كان ثمة بعضا ممن لا نملك التشكيك بصدق توجهاتهم قد ضللته شعارات المعارضة وبيانات التنديد ومسيرات الاحتجاج لاؤلئك المنافقين الأفاقين وإذنابهم ، فتوهموا الظن فيهم وفيما يزعمون خيرا ..، ناسين أو متناسين ((إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ))(النجم/28) . وإذا كان قسما من هذا البعض قد أوغل أكثر في أوهامه فاعتبر ذلك ((صحوة)) للضمير الوطني فيهم ، متغافلا أو متجاهلا بان ضمائر اؤلئك الضالين المضلين قد ماتت ملعونة ، وشبعت موتا ولعنا ، منذ إن اختاروا بملء إرادتهم الخائنة تأييد المحتل ، ومساندتهم له في احتلاله لعراق العروبة ، ودعمهم له في تنفيذ خطط تمزيق العراق الواحد وتدميره وشرذمة شعبه وإفقاره ، ومعاضدتهم لقواته وعصاباته في تصفية وملاحقة مقاومينا البواسل ، ومساهمتهم غير المحدودة مع زبانيته في تنفيذ أجنداته على مختلف الأصعدة ، ومعاونته على شرعنة وترسيخ وجوده بكل ما تحت أيديهم من أدوات ووسائل الغش والخداع والتضليل باسم الدين تارة ، وباسم المظلومية التاريخية تارة أخرى ، وباسم الديمقراطية وحقوق الإنسان تارة ثالثة .. ، وان هيهات لميت من هذه الدنيا إن يدب فيه نبض الحياة إلا يوم يبعثون . نريد إن نقول : إذا كان هذا البعض قد انطلت عليه الأعيب اؤلئك المنافقين الأفاقين فظن واهما باحتمالية تراجعهم أو تحييدهم عن ما سبق لهم واختاروه طائعين من موالاة للمحتلين ومناصرة لسياساتهم ، أو إن قسما منه قد وسوست إليه أوهامه بإمكانية تبنيهم للموقف الوطني الرافض لما يزمع المحتلون إبرامه والترتيب له مع عملائهم ..، فان الحقيقة الساطعة كالشمس في رابعة النهار ، والتي لا يجوز إن تغيب عن وعي الوطنيين ولا يقبل تغاضيهم عنها تحت أي ظرف من الظروف ، تفيد باستحالة اجتماع العمالة والوطنية استحالة مطلقة ، فكلاهما نقيض الآخر وضده . ومن بعيد المستحيلات الإنسانية المنقولة والمعقولة تلاقي أي نقيضين على موضوع تناقضهما . لذا فلن يكون وطنيا أبدا من تآمر على حرية وطنه واستقلاله ووحدته ووجوده ، أو من تواطأ مع الأجنبي على غزوه وتدميره واستباحته ونهبه ، أو من أعان المحتلين لوطنه راغبا طائعا ولو بشق تمرة ، ولو بنبس شفاه ، ولو ببصمة إبهام ، ولو بإشارة مبهمة ، ولو بالحياد معهم عند المقدرة على التصرف المقاوم لوجودهم . فما بالكم باؤلئك المنافقين الأفاقين الذين ما زالوا ، ومنذ سنين عديدة ، يمرغون وجوههم كل يوم مرات ومرات ساجدين للمحتلين مسبحين بنعماء عمالتهم إليهم . وما بالكم بهم وهم يخوضون ، ومنذ خمس سنوات ، بنجيب دماء أبناء شعبنا الصابر . وما بالكم بهم وهم ، ومنذ احتلال وطننا العزيز ، يعيثون فسادا وإفسادا في ارض الفراتين ، ولم يسلم من كيد غدرهم ملايين العباد ، ولم تنجو من لؤم مكرهم كل البلاد . وما بالكم بهم وهم على ما هم عليه من دنيء الفعل وخبيث القول بكرة وأصيلا .

إن ما قدمنا له ، لا يعني بأي وجه ، إننا نسد ، أو ندعو لسد ، أبواب التوبة بوجه الراغبين فيها من الخطاءين بحق وطننا العزيز وشعبنا الصابر (وهل يملك احد سدها ؟) ، غير إن التوبة النصوح تستدعي أولا – وقبل أي فصال آخر- إعلان التائب استنكاره لما سبق واقترفه من ذنوب واعتذاره ممن جنى بحقهم . فهل سمع أو قرأ أي منكم استنكارا صريحا وعلنيا لأي من اؤلئك المنافقين الأفاقين عن قبيح ذنوبهم وفي المقدمة منها عمالتهم لمحتلي وطننا ؟ ..هل سمع أو قرأ أي منكم اعتذارا من اؤلئك الحاقدين دهاقنة الإجرام والدجل وطواغيت المكر والرذيلة عن خسيس صنعهم وكبائر فعالهم ؟ .. فأية توبة أذن تلك التي يتوههما الواهمون ممن لا توبة لهم ..؟   

 

العراق المحتل

5/8/2008