مرحباً ياعراق

كركوك وديمقراطية السيد الرئيس

حسين الربيعي

 

" الشعب العراقي ينعم الأن بديمقراطية وبحرية لامثيل لهما في الشرق الأوسط "

                                                                                     جلال الطالباني

هذا هو كلام رئيس جمهورية العراق ، الذي أستخدم مؤخراً كفه معترضاً على قرار (الأغلبية) التي تمثل الممارسة الديمقراطية الوحيدة في المشروع السياسي الذي بشر بها (سيادته) بعد الأحتلال مباشرة ً . والسيد الرئيس مثل بقية رجال الأقطاع السياسي المتنفذ والمهيمن على إرادة شعبنا الكردي ، بشر وأياهم العراقيين بالديمقراطية ووضعوا لها مقاساتها وأبعادها ، مساحاتها ومواصفاتها ، معاييرها .. مكاييلها ونسبها ، وتفاخروا بها على أنها هبة ربهم بوش ، وصنعوا لها جسدٌ ذات خوار ، ووصموا غيرهم بالعار حيث لايملكون مثلها ! رغم أن كل الذي عرفه الناس عن أمبراطوريتهم تلك ..كلام .. ومجرد كلام .

لقد كانوا يقولون ، ومن كثرة ما قالوا أصبح الحساب وفقاً لنيات الناس الطيبين أكثر من قاسي . فديمقراطيتهم الأنموذج الأفضل للعمل السياسي للشرق الأوسط الكبير ، أو الصغير ، أو المتوسط .. الجديد أو القادم أو الأتي . وتحت برقع الديمقراطية هذه .. تصرفوا ، وأستعدوا ، وأعدوا ، وحينما حان موعد الأمتحان الأول لديمقراطيتهم في درس كركوك ، الأكثر صعوبةً على الهضم من قبل المذاقات التي تفهم الديمقراطية رفاهيتها ولو على خراب الأخرين ولو كانوا أصدقاء وشركاء وحلفاء ، فكانت صولتهم في كركوك بعد (النقض الرئاسي) لتعري أدعائاتهم ، وتشق ثوب الخديعة به يتظاهرون ويتلبسون .

لم يكن منطقياً أن تكون العملية السياسية ديمقراطية ، والشركاء فيها يحمل البعض منهم السلاح على البعض الاخر ! ليستبيحوا مقراتهم ومنظماتهم ، ويوقعا فيها الحريق والخراب ، ولعل مراقب يبحث عن بواطن الأسباب ، فيتذكر ويذكر بمثيلات هذه التجارب نهاية اواخر الخمسينات في صولات الأخوة والرفاق ضد العرب والتركمان في الموصل وكركوك !! بالأخص وأن حلفهم السابق ساندته أحلاف في الداخل والخارج .

ولأن لكل فعلٍ رد فعل ، فقد أنتابتني غبطة ما بأعلان الحكومة أرسال قوات حكومية لإعادة الأمن لمدينة كركوك ، وزادت غبطتي حين قرأت وسمعت تحذيرات الحكومة  للجهات المسلحة من محاولة فرض إرادتها على الخرين . ومثلي ، مثل كل مواطن أخر ، يتمنى أن تكون له حكومة عادلة متنفذة ومقتدرة ، تستطيع أن تنصف أصحاب الحق ، وتقف في وجه الظالم والمستبد مهما كان أسمه ورسمه ، وأنتمائه وصفته .

ومع هذا السرور المباح ، ينتصب في وجهه سؤال مشروع عن جدوى التمسك بعملية سياسية على علاتها ، وبمخاطرها ، وبثغراتها التي تشبه أحياناً الزلازل والهزات الأرضية التي يتعرض لها بناءٌ شاهق ، إذ أن الأصرار على البقاء تحت هيكله لايشبه غير الأنتحار ، خصوصاً وأن معاول البناة هي التي تهوي البناء بالطرق والتهديم في الحين والحين ! فلم الإصرا على أن يتعرض العراقيين للأنقاض والصخور المتساقطة على كواهلهم ، فيساقط العشرات أحيانا،ً والمئات والألوف من الأهل ؟

منذ البداية ، ونحن نحاول أن نوجه الأنظار لمخاطر في العملية السياسية ، وأشرنا إلى البنود المفخخة في الدستور . قلنا .. وكتبنا : أن صلاحيات الأقاليم الفدرالية .. ليست فدرالية ولاهم يحزنون ، بل هي صلاحيات كونفدرالية ، وأن ذلك سيؤدي لاحقاً لقيام دول منفصلة عن بعضها . خصوصاً وأن الخوة الكرد يتمتعون بأنفصال (واقعي) ونزوع للأستقلال ، وأن هذه المفخخات الدستورية ستنفجر ساعة ما ، فتهشم العراق لشظايا متطايرة يحرق بعضها البعض .

ولعل الناس تتسأل ، ولكن تساؤلاتها لم تتمكن من القفز فوق الجدران الكونكريتية ، ولم تستطع أن تنفذ ، لأن ليس لديها سلطان ، وها نحن نتسأل معهم : إذا كانت الديمقراطية تحتاج لكل هذه الضحايا ، ولكل هذه الصراعات ، ولكل هذه الخصوصيات التي قطعت أوصال ومعاني الوطنية ، ودمرت العلاقات بين الناس ، وحرقت الأخضر واليابس . وإذا كانت العملية السياسية بمحاصصتها قد أجبرت أكثر من أربعة ملايين عراقي على الهروب من وطنهم ودورهم ، وأكثر من مليون عراقي على الهرب داخل العراق بعد أن تركوا منازلهم وأموالهم ، وقتل تحت آلياتها ومؤسساتها ودعواها أكثر من مليون ونصف المليون من المواطنين العراقيين خلال السنوات الخمس الماضية ، وأحتاج العراق لمزيد من السجون والمعتقلات ، والسجانيين والمحققين ، والسيجة والصفاد الحديدية لحوالي نصف مليون عراقي ... إذاً .. فإلى متى يستمر النزيف والتهديد ، والوعيد ، والمسلحين والأمزجة المختلفة ، والقوانين المتنافرة ... وإلى متى نبقى تحت رحمة القرارات ، وصدمات نقض القرارات ؟؟؟

ألم يحن وقت تدبر الأمر والعودة لرأي الجماعة ..؟ كل الجماعة دون أستثناء داخل العملية السياسية وخارجها ؟ وإذا كان قرار رئيس الوزراء صائباً وسليماً ، فإنه يبقى بحاجة لتوسيع في مداه وفاعليته ، وعلى العموم فالنيات والأماني تحتاج للمزيد من الجهد والتعب والكفاح ، على أن يبدأ كل ذلك بفك الأرتباط نهائياً بالأحتلال .. وأخيراًُ نردد قولة شاعرنا العربي :

وما نيل المطالب بالتمني .... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا .