لزوم ما لا يلزم
بقلم : أبو ذر
( 1 ) للهوامش (الحواشي) في الكتابة أربعة مهام رئيسية .. الأولى : الإشارة إلى المصدر الذي استقيت منه المعلومة أو العبارة الواردة في متن المكتوب . والثانية : تعريف وافٍ بشخصية أو مفهوم أو واقعة وردت في المتن أيضا . والثالثة : الإحالة إلى موضع آخر من المتن تم التطرق فيه بتفاصيل كافية عن الفكرة موضوع الهامش ، وذلك بقصد الرجوع إليها في موضعها تحاشيا للتكرار الممل ودفعا للإعادة غير المبررة . والرابعة : تفصيل في الإيضاح لفكرة وردت في متن المكتوب ..، فقد درج عرف الكتابة وأصولها على تضمين الهوامش مثل هذه التوضيحات حماية لتسلسل أفكار متن الموضوع الأساسية من الانقطاع بأفكار جانبية أو من التشعب إلى طروحات ثانوية لاشك ستشتت ذهن القارئ وتبعد من تركيزه عن متن موضوع الكتابة الأصلي .
غير انه ومع كثرة وضرورة الهوامش في البحوث والدراسات ، وأيا كان ميدان البحث أو الدراسة أو حجم صفحاتها ..، تلاحظ قلة الهوامش ، إن لم نقل ندرتها ، في المقالات ، علمية كانت أم أدبية أم صحفية . ويعود السبب في ذلك إلى إن المقالة ، على العموم ، تستهدف عرض مركّز لفكرة محددة ضمن حيز محدود من الأوراق وصولا لتعريف القارئ بموقف أو رأي أو اجتهاد بعينه في قضية مطروحة أو يمكن طرحها . إذ المفترض دائما إن غاية المقالة ، أية مقالة ، هي منح القارئ وجبة سريعة وخفيفة ووافية من الأفكار الناضجة في موضوع محدد .
مؤدى هذا إن كاتب المقالة سيكون في غنى عن إن يضّمن مقالته أية هوامش ، مستعيضا عنها بقدر الإمكان - إن اضطر إليها - ببيان محدود يدسه بعناية بالغة بين اسطر مقالته ليثبت فيه مصدر معلومته كإشارة إليها وتوثيقا لصحتها ، أو ليُعرف من خلاله بشخص ما أو مفهوم معين أو واقعة محددة ، أو ليحيل إلى موضع آخر من مقالته أو مقالات أخرى سابقة عليها . إلا إن مسألة التفصيل في شرح إبعاد ومضامين فكرة أو رؤية معينة أو الإسهاب في توضيح مفردات موقف معين وردا في المقال ، هي من المسائل المتعذر دسها بين الأسطر ، ولابد قد تستعصي على الكاتب ولو كان بارعا حد التفوق في أصول صنعته ..، لما تستلزمه تلك التفاصيل أو الإيضاحات بذاتها من عرض مستقل بموضوعه وحيز كبير بمساحته قد يقتضيان للوفاء بهما مقالة ينفردان بها . ومع هذا فان غالبية الكُتّاب ليسوا في حاجة لمثل هذا العناء ، ودون إن يؤثر ذلك على وضوح ما يطرحونه من أفكار ورؤى ومواقف في مقالاتهم ، وذلك بالنظر لسبق معرفتهم من قبل قرائهم . تلك المعرفة التي كونها القارئين عن التوجهات الفكرية لكل كاتب ورؤاه ومواقفه من خلال سبق التقاءهم به فيما قرأوا له من كتابات . وهكذا انتفت الحاجة في المقالات لهوامش تتبنى مهمة التوضيح التفصيلي لمفردات أفكار ورؤى ومواقف كتابها .
( 2 ) وترتيبا على ما سبق بيانه ، فإذا كنا نعلن مرارا أيماننا المطلق بحرية العراق العربي واستقلاله ، ثم نؤكد من خلال ما نكتب إدانتنا ورفضنا ومقاومتنا لاحتلال وطننا وفرض الهيمنة عليه ..، فان هذا الموقف المبدئي يشمل أولا كل المحتلين لوطننا وبغض النظر عن مسمياتهم ، ومهما كانت مساحة الأرض التي يحتلونها أو المياه الوطنية والإقليمية التي يسيطرون عليها .. ولو كانت بضعة أمتار مربعة ، وأيا كان موقع الجزء الذي يحتلونه .. في أقاصي جبال شمالنا العزيز أو في إطراف صحراءنا الغربية أو في الأعماق البعيدة لمياهنا الإقليمية ..، كما إنه يشمل ثانيا جميع إشكال فرض الهيمنة علينا سياسية كانت أم اقتصادية أم أمنية أم ثقافية ، ودون الاعتداد بصفة الساعين لفرضها أو مزاعمهم التي يطرحونها تبريرا لمسعاهم . نريد إن نقول : إن تأكيد التزامنا المستمر بهذا الموقف المبدئي إذ يلزمنا بالإعلان عنه وتكراره مرارا ، فانه لا يلزمنا بتكرار سرد هذه التفاصيل والمفردات التي يتضمنها ، ولا يلزمنا عند الإشارة إليه تضمين ما نكتب قائمة بالمحتلين لأرضنا أو كشفا بالساعين للهيمنة علينا ..، إذ علاوة على ما سبق بيانه عن انتفاء الحاجة لذكر تفاصيل المواقف ومفرداتها هوامشا ملحقة أو مدسوسة بين اسطر ما نكتبه من مقالات ..، فان مما هو مستقر إدراكا في وعي الجميع ، قراءً وكاتبين ، إن وصف الاحتلال لابد يشمل كل المحتلين ، فليس ثمة احتلال مقبول وآخر غير مقبول ، وليس ثمة احتلال معفو عنه وآخر مغضوب عليه ، أبدا .. فكل احتلال مرفوض وكل احتلال مغضوب عليه . كما إن صفة الهيمنة تشمل جميع الطامحين إليها ، فليس ثمة هيمنة مسموح بها وأخرى مرفوضة ، وليس ثمة هيمنة مرحب بها وأخرى مدانة ، أبدا .. فكل هيمنة مرفوضة وكل هيمنة مدانة .
( 3 ) ثم إذا كنا نعلن تكرارا أيماننا المطلق بوحدة عراقنا العربي أرضا وشعبا ، ونؤكد من خلال ما نكتب رفضنا وإدانتنا ومقاومتنا لجميع مشاريع تقسميه أرضا ، وجميع دعوات تجزئته وتفرقته شعبا ، فأن هذا الموقف المبدئي يتضمن رفض وإدانة ومقاومة كل مشاريع تقسيم أرضنا وجميع دعوات تجزئة وتفرقة شعبنا وبغض النظر عن الجهات التي تقف وراء تلك المشاريع والدعوات ، ودون الالتفات إلى طبيعة الانتماءات السياسية أو الدينية أو المذهبية أو المناطقية أو العشائرية للقوى والشخصيات المساندة لها أو المروجة لأفكارها أو الداعمة لخططها أو المشاركة في برامجها أو المستفيدة منها ، ودون الاعتداد بأية مزاعم أمنية أو سياسية أو نفعية مطروحة ، أو إن يمكن إن تطرح ، تبريرا لتلك المشاريع والدعوات ، ودون أي اعتبار لموازين قوى الصراع السياسي القائم أو المحتمل ..، نريد إن نقول : إن إيماننا المستقر بهذا الموقف المبدئي إذ يلزمنا بتكرار تأكيده في كل ماله صلة به مما نكتب ، فانه لا يلزمنا عند تكراره وتأكيده بان نضمن ما نكتب كشفا مفصلا بجميع مشاريع تقسيم وطننا المطروحة أو المتوقع طرحها ولا بجميع دعوات تجزئة شعبنا وتفرقته المروج لها حاليا أو المتوقع الترويج لها مستقبلا ..، إذ علاوة على ما سبق بيانه عن انتفاء الحاجة لذكر تفاصيل المواقف ومفرداتها هوامشا ملحقة أو مدسوسة بين اسطر ما نكتبه من مقالات ..، فان مما هو مستقر إدراكا في وعي الجميع ، قراءً وكاتبين ، إن مصطلح مشاريع التقسيم لابد يشمل كل مشاريع تقسيم وطننا وأيا كانت الصيغة التي تطرح ترويجا لها ، وأيا كانت التسمية التي تسوق بها ، فليس ثمة تقسيم لوطننا يمكن إن نقبل به وآخر يمكن إن نرفضه ، وليس ثمة تقسيم لوطننا يمكن التسامح به وآخر قد لا نسمح فيه ، أبدا .. فكل تقسيم لوطننا مرفوض ، وكل تقسيم لوطننا غير مسموح به . كما إن مصطلح دعوات تجزئة شعبنا وتفرقته لابد يشمل كل دعوات تجزئة شعبنا وتفرقته وأيا كان الأساس الذي يعتمده دعاة هذه الدعوات أو المروجين لها في تجزئتهم وتفرقتهم بين أبناء شعبنا الواحد ، فليس ثمة دعوات تجزئة منكرة وأخرى رشيدة ، وليس ثمة دعوات تفرقة منبوذة وأخرى سديدة ، أبدا .. فجميع دعوات تجزئة شعبنا وتفرقته على أساس من العرق أو الدين أو المذهب أو سواهم هي جميعا دعوات منكرة ومنبوذة .
( 4 ) وإذا كنا نعلن على الدوام تأييدنا المطلق لمقاومتنا الباسلة التي تستهدف تحرير وطننا المحتل من براثن محتليه وتطهيره من الخونة والعملاء ..، ونؤكد من خلال ما نكتب ولاءنا الكامل لها وانحيازنا المطلق إليها .. فأن هذا الموقف المبدئي يتضمن مناصرتنا لجميع فصائل مقاومتنا الباسلة ومؤازرتنا ودعمنا غير المحدود لها والاصطفاف خلفها بكل ما نستطيعه من فعل وما نمتلكه من إمكانيات ودون ما حاجة إلى تسميتها بأسماء فصائلها . نريد إن تقول : إن التزامنا المستقر بهذا الموقف المبدئي إذ يلزمنا بإعلان التأييد الدائم لصولات فصائل مقاومتنا العراقية الباسلة ونشاطاتها البطولية ، ويفرض علينا الدعم المتواصل لمشاريعها وخططها ومواقفها كافة ، فانه لا يلزمنا بان نضمن لما نكتبه عنها كشفا مفصلا بالفصائل التي نعرفها أو نحسبها من المقاومة العراقية الباسلة ..، إذ علاوة على ما سبق بيانه عن انتفاء الحاجة لذكر تفاصيل المواقف ومفرداتها هوامشا ملحقة أو مدسوسة بين اسطر ما نكتبه من مقالات ..، فان مما هو مستقر إدراكا في وعي الجميع ، قراءً وكاتبين ، إن وصف المقاومة العراقية لا يشمل إلا المؤمنين بحرية العراق واستقلاله ، الملتزمين بوحدته أرضا وشعبا ، الذائدين عن حياضه بأرواحهم وما ملكت أيديهم من الإمكانيات ، المتوثبين ليوثا منقضة على المحتلين وعملائهم ، المنتقمين بالحق لشرف العراق والعراقيين ، المدافعين ببسالة وصبر عن وجوده وكرامته ، المتمسكين بهوية العراق العربية الإسلامية .. ، وان ليس بين صفوف مقاومتنا الباسلة من هو خوان عميل ، ولا من هو طائفي رذيل ..، فكل المقاومين العراقيين وطنيون ، وأيا كان العرق الذي منه ينحدرون أو النسب الذي إليه ينتسبون أو الدين الذي به يدينون أو المذهب الذي به يتعبدون أو المنطقة التي فيها يقيمون .. فكلهم عراقيون ، وكلهم وطنيون ، وكلهم مقاومون .. ولست أجد لهم عندي وصفا ابلغ مما قاله فيهم المناضل الكبير وأستاذنا الجليل الدكتور موسى الحسيني :(( أن المقاومين شيعة وسنة ، هم شيعة آل البيت الحقيقيين ، مسلمين على سنة الله ورسوله ..)) .
( 5 ) وإذا كنا نتصدى فيما نكتب لجوقة العملاء والخونة والمارقين من الذين نصبهم المحتلون الأوباش حكومة ذليلة تابعة تنفذ سياساتهم وتأتمر بأمرهم وتشرعن لاحتلالهم ، ومن الذين استولدتهم مخابرات المحتلين الأمريكان والفرس الصفويين والصهاينة أحزابا ومنظمات وشخصيات ، ثم أطلقتهم يعيثون فسادا وإفسادا في ربوع وطننا العزيز ، ومن الذين مردوا على النفاق فاختاروا معاضدة المحتلين الأمريكان ومشاركتهم في خططهم ومشاريعهم السياسية والأمنية ، ومن الذين امتهنوا الإجرام والرذيلة مسلكا فانخرطوا طائعين ضمن عصابات القتل والتدمير والتخريب تلبية لأهوائهم الصفوية وميولهم الفارسية ، ومن الذين ماتت ضمائرهم حين باعوا أقلامهم وعقولهم بأبخس الإثمان للمحتلين وعملائهم يسبحون بعدوانيتهم ويهللون لجرائمهم ويروجون للمنحرف من أفكارهم ويسوقون للساقط من مواقفهم وسياساتهم ..، فان هذا الموقف المبدئي إذ يستمد مشروعيته ووجوبه من شرعية ووجوب مقاومة المحتلين وعملائهم وإذنابهم ، فيلزمنا بالمواجهة الدائمة لمشاريعهم العدوانية وتعرية سياساتهم وخططهم الخبيثة وكشف المستور من دسائسهم وفضح جرائمهم ..، فانه لا يلزمنا بان نضمن ما نكتبه ما درجت على تبنيه بعض من الأقلام وكثير من أجهزة الإعلام من مصطلحات تعتمد تصنيف مفتعل لهؤلاء المجرمين يحيل نسبتهم إلى ما يزعمون هم زورا الانتماء إليه ..، فالحكومة عندهم حكومة شيعية وبعض من معارضيها من مجلس دواب المحتلين هي معارضة سنية ، ومن أحزاب العمالة وعصابات القتل والإجرام والتخريب وتكتلات السياسيين الفاسدين ما هي شيعية وما هي سنية وما هي كردية . نقول تصنيف مفتعل لأنه يتغافل الصفة المميزة لجميع هؤلاء المجرمين والمشتركة فيما بينهم وهي عمالتهم للأجنبي وخيانتهم للعراق العربي ، بينما ينساق وراء ما يزعمه هؤلاء المجرمين زورا من انتماءات . وهو بعد هذا تصنيف يروج بقوة لدعوة تجزئة شعبنا وتفرقته ، وإذكاء نزعات الطائفية المقيتة بين صفوف أبناءه .
إن الحقيقة التي أثبتتها التجربة المرة للعراقيين خلال سني الاحتلال العجاف والتي لا يمكن إن تغيب عن إدراك ووعي المخلصين من أبناء هذا الوطن هي إن جميع هؤلاء المجرمين من الزاعمين زورا انتسابهم لشيعة عراقنا العربي ، وبغض النظر عن مسمياتهم ، هم أبعد خلق الله تعالى عن أفكار ومعتقدات وسلوك وتاريخ شيعة آل بيت النبوة الأطهار ، وإن جميع هؤلاء المجرمين من الزاعمين زورا انتسابهم لسنة عراقنا العربي ، وبغض النظر عن مسمياتهم ، هم أبعد خلق الله تعالى عن سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار ، وإن جميع هؤلاء المجرمين من الزاعمين زورا انتسابهم للكرد العراقيين ، وبغض النظر عن مسمياتهم ، هم أبعد ما يكونوا عن الانتساب لإخوتنا الكرد الذين شاركونا بناء هذا الوطن والدفاع عنه ويشاركوننا وحدة وجوده ومصيره . وكذا هو الحال مع بقية إقرانهم من المجرمين ..، فجميعهم لا ينتمي لهذا الوطن ولا لأي من مكونات شعبنا الصابر الوفي . لهذا لابد إن نترفع بأسماء مكونات وانتماءات شعبنا اللامعة أبدا في سفر تاريخنا المجيد ، عن إن تكون واحة يستظل المجرمون بظلها ، أو إن تكون ستارا يتخفون به عن ما ارتكبت أيديهم القذرة من خسيس الجرائم ودنيء الأفعال .
العراق المحتل في 25/4/2008