الغاء الذات بين صناعة الجنس وفرض الهيمنة

جليل نعمة العبادي

 

       نشأت نظرية الغاء الذات في غرب اوربا كرد فعل للانفلات الجنسي وتهميش التربية وترعرعت وكبرت واستطالت في ابجديات الاستراتيجية الامريكية ، وبعد ان نجحت هذه النظرية في خلق جيل يتعاطى في فوضى الجنس في غرب اوربا وفصلت بين الذات البشرية والقيم والتربية والاخلاق في غرب اوروبا ، جرت محاولات امبريالية لتصديرها الى الوطن العربي بهدف صنع جيل مترهل فوضوي يتعامل مع الجنس بشكل هستيري وغير منضبط بضوابط الدين والتراث والتاريخ لجعل ذلك ارضية يتوطن فيه الاحتلال والنهب والسلب وسحق حقوق الانسان ، ولقد اصبحت هذه النظرية اخطر معضلة تواجه العرب لانها تتنصل عن الذات الانسانية وتخلق مناخاً يطوع النفوس بامر الواقع والخضوع للثقافة الغربية التي تسوغ الفجور والمجون والخروج عن المألوف الاجتماعي ، وتشغل الانسان العربي والمسلم بالملذات واللهو والترف العاطفي والذهني لتنأى به عن فحص واقعه ومحيطه وتشغله عن تداعيات الدنيا وهواجسها وتبعده عن مواجهة السيطرة والاحتلال لينصرف بالتفكير بامور هامشية وسطحية تقطع صلة التاريخ والارث وتتجاهل الماضي بكل اخفاقاته ونجاحاته ، ولقد بدأت هذه النظرية في الوطن العربي من خلال : 1ـ محاولات صنع جيل عربي يميل للهو والغزل الماجن والشذوذ الجنسي والتعاطي الجنسي على اساس اللذة واللهو بمعزل عن قيم ومحددات السماء وببعد شاسع عن التربية والاخلاق والاعراف الاجتماعية واستطاعت نظرية الغاء الذات ان تجد لها بعض مواطيء القدم في بعض اقطار الوطن العربي . 2ـ كما سعت هذه النظرية من خلال روادها المنسلخين عن ذاتهم ان توجد منظرين يثقفون وينظرون للمشروع الاستيطاني الصهيوني ويشرعنون الاحتلال والسلب والنهب ويؤطروا الامبريالية العالمية بأطر الحرية والديمقراطية ومقارعة الدكتاتورية والارهاب ، كما سعى المنظرون الى اظهار الاسلام كقاعدة للارهاب والوحشية وعلى سبيل الحصر لا تزال محاولات جادة في هولندا واقطار اخرى من اوربا الغربية لتشويه حقائق الاسلام والاساءة الى نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما ان الولايات المتحدة الاميريكية جندت رجالا تقمصوا بالاسلام غير انهم افتعلوا ازمات خارقة في المجتمع العربي الاسلامي بشكل ادى الى العنف والذبح والقتل تحت شعارات اسلامية ، والاسلام براء من كل فعل يضر بالانسانية ويخلق فجوات بين القيم والذات ، والاسلام دين التسامح والرحمة ومحاولات الاساءة الى هذه القيم الروحية لا يقوم لها قرار لانها تبتعد عن روح الاسلام وعظمته وسموه وترفعه عن البغضاء والضغينة . 3ـ قيام منظري الغاء الذات بتسويغ الزنى والفواحش تحت مسوغات الحرية الشخصية ورفض محددات التربية والاخلاق وبذلك يؤمنون ملاذات لانتعاش اللهو والسذاجة بشكل يجعل الجنس بضاعة تباح ممارسته على غير السنن الآلهية ببدع ومفتريات لا تتصل بالاسلام ولا تتوافق مع روحه وتحضره وعلو شأنه .

هل نجحت نظرية الغاء الذات: للاجابة على هذا السؤال يجب ان نستطرد بمحورين : المحور الاول ـ تأثيرات هذه النظرية على المجتمع العربي كجيل وكأمة وكطبع وكتطبع ، اما المحور الثاني ـ فيتعلق بأنعكاسات هذه النظرية على العرب والمسلمين بشقيها الاخلاقي والتربوي من جهة والسياسي والاقتصادي والايدلوجي وصلته المباشرة وغير المباشرة بالاستراتيجية الامريكية .  

 

المحور الاول : لقد لعبت نظرية الغاء الذات دورا تخريبيا في بنية المجتمع العربي واحدثت شرخاً في كيان الاجيال العربية واضرت بتأريخه وسمعته واستطاعت بعض الشيء ان تخترق مشاعر الاجيال فتحرف بعضها عن سواء السبيل حيث تكون جيل يركض وراء اشباع الرغبات الجنسية باي وسيلة كانت وباعصاب أخذ من قوتها فعل المخدرات والمسكرات ، ولقد اطلعت على احدى الدراسات التي توضح تأثيرات نظرية الغاء الذات في المجتمع الغربي وما آل اليه هذا المجتمع من تدني خلقي وتفسخ تربوي ، وتقول الدراسة ان الامبراطورية البريطانية العجوز تقوم بتوزيع اقراص منع الحمل على فتياتها وهن في الحادية عشر من العمر وان المملكة البريطانية اسـتأنست بهذا الاجراء كي تجنب الفتيات المراهقات اجهاض حمل ذات حمل من اب مجهول ، وتزيد الدراسة فتوضح ان اربعة الآف مراهقة تم اجهاض حملهن عن عمد وهن دون السادسة من العمر وذلك في انكلترا ووليز فقط  خلال عام 2007 وبزيادة 10% عن احصائيات عام 2006 وتستطرد الدراسة لتقول ان المملكة البريطانية خجلة جدا امام العالم لا لسبب عمليات الاجهاض التي شغلت ردهات المستشفيات ، ولكن لان عدد المراهقات اللواتي اجهض حملهن عمدا في بريطانيا من افعال الزنى في زيادة مستمرة وهو يفوق مايحصل من اجهاض المراهقات الزانيات في بلدان غرب اوروبا الاخرى ، وتقوم المملكة البريطانية الخجولة بتوزيع وسائل منع الحمل والاقراص التي تجهض بيوضة الرحم المخصبة بشكل مبكر ومنظم على طالبات المدارس وحصراً على المراهقات التي هن في سن الحادي عشر ، وبسبب تطور وسائل المواصلات والاتصالات تؤكد الدراسة ان احدى الصيدليات في بريطانيا تعمل الى ارسال اقراص منع الحمل بالبريد دون تعقيدات ، غير ان الدراسة تؤكد ان جلالة ملكة بريطانيا تنفق الملايين من الدولارات منذ سنين طويلة على حجة التوعية الجنسية ، ولهذا فان جلالة ملكة بريطانيا تشرف على مؤسسات اجتماعية وصحية تتولى توزيع الواقي الذكري ( فلاشلذر) على طالبات المدارس وفي المسابح وفي النوادي والملاهي وصالات الرقص واوكار الجنس والدعارة ، وتشير الدراسة ان هذه التوعية يعتريها بعض الاحراج امام مايقوم به الاشقاء الهولنديون الذين توسعوا في اعمال التوعية هذه فوفروا صالات خاصة في المدارس لعرض وسائل ايضاح عملية وحية في الهواء الطلق مع شرح مفصل وعملي لفضل الواقي الذكري وكيفية استخدامه لمنع الحمل لجماع حي يجري امام الاشهاد وتشير الدراسة ان هذه التوعية ( اللاواعية ) حققت نجاحا في هولندا وخفضت من اعمال اجهاض ذوات الحمل في عموم اوروبا لكنها حولت المدارس الى وسائل ايضاح الجنس المبتذل ووسعت من استخدام الواقي الجنسي للجماع الوحشي وغير الشرعي كي يشبعوا رغبات المراهقات والمراهين من ابنائهم البررة نزولا عند الغاء الذات .

المحور الثاني : انعكاسات نظرية الغاء الذات في المشهد العربي والاسلامي وهذا المحور له شقان ، الشق الا ول يتعلق بتأثيرات ثقافة الجنس الغربي كظاهرة افرزتها هذه النظرية ، واشرنا ابتداء الى انتقال هذه الظاهرة من خلال ردود افعال سببها المتطرفون الذين شوهوا حقيقة الاسلام واساؤوا الى رفعته وسموه ومن خلال تأثر الجيل العربي والاسلامي بمظاهر الحضارة الغربية الزائفة والتقليد الاعمى وبرزت ظواهر محدودة ومؤذية في بعض الدول العربية من خلال كثرة اليتامى الذين تلدهم امهاتهم بالزنى وتتحمل الدولة تبعات تربيتهم كما برزت ظاهرة الزواج بالتسجيل الصوتي وبصمات الدم وتحريف بعض سنن الزواج التي اقرها الفقهاء للحفاظ على الحرث والنسل والغاء السفاح ، كما ظهرت في اجزاء من الوطن العربي مشكلة زواج المثيلين وشكل مشكلة حقيقية واجهت بعض المجتمعات العربية ، وهذا يتطلب وقفة مسؤولة من كل ذي صلة بالتربية والاخلاق والقيم والتصدي الى هذه الظواهر المؤذية من خلال الوعي الثقافي والديني وتحصين الجيل من الزلل والانخراط بالملذات واللهو . اما الشق الثاني فيتصل بانعكاسات الغاء الذات علة المشهد العربي والاسلامي : لقد وظفت الاستراتيجية الامريكية نظرية الغاء الذات وكونت منظريها لغرض ابعاد العرب والمسلمين من مشاكلهم الحقيقة واشغالهم بالترف والملذات من خلال السعي الحثيث لعزل الذات عن القيم والتاريخ والتحضر لتجعل من ذلك مسوغا للغزو والسطو المسلح والنهب والسلب والحاق الهزيمة بالعرب والمسلمين بحروب كانت وراء الفوضى والاضطراب والرعب والفزع والاحتدام والاحتقان ،  وحسنين هيكل يقول : ( لا تهزم امة الا اذا قرروا الغاء ذواتهم باختيارهم ) وقراءة سريعة للمشهد العربي تؤكد حقيقتين الاولى ان الامة العربية غير مهزومة ولو كانت مهزومة لما كانت هنالك روابط وصلات تاريخية تشد الامة العربية تحفظ تأريخها وحضارتها وقيمها ولو كانت الامة العربية مهزومة لما كانت هنالك مقاومة شجاعة وباسلة في العراق واجزاء اخرى من العالم العربي والاسلامي جعلت الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها يواجهون هزائم منكرة وخسائر فادحة بالمال والدم وهذا يؤكد ان العرب  لا يزالون متمسكين بذاتهم فهم منتصرون بقيمهم وثقافتهم وبأيمانهم وصدقهم وتفاعلهم مع روح الاسلام ، والذي يجري في المشهد العربي هو مجرد اخفاقات صارت من خلال ثغرات صنعها تأثير الغاء الذات بشكل حاصرته المقاومة واجهضته قيم وثقافة العروبة ولكل معركة في الدنيا اخفاقات ونجاحات والعبرة بالنتيجة وبالثبات على المبادىء ، فالاخفاق لا يتصل بالهزيمة والرئيس الراحل جمال عبدالناصر يقول : ( ان الحرب سجال ) كما يقول : ( ماأخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ) وعبدالناصر استطاع بقوة الجماهير ان يحول الهزائم التي كان وراءها التآمر الامبريالي الى انتصارات حقيقية والى ثوابت وطنية وقيم اخلاقية وتربوية  .

 

 

                                                                 دمشق

                                                             12/7/2008