تموز ... الانحراف و صوابية التصدي
حسين الربيعي
الحكومة البريطانية تقرر اعتبار الجهاز العسكري لحزب الله ، منظمة ارهابية بسبب دعم هذا الجهاز المقاومة العراقية و الفلسطينية ، مما أدى الى التعرض لما يسمى (قوات التحالف) في العراق ، و القوات الصهيونية في فلسطين .
و الخبر ... رغم عدم غرابته ، فالبريطانيون يملكون تاريخاً اسوداً يزداد كلاحة يوماً بعد يوم ، و هم حريصون على حماية اسرائيل و امنها التي زرعوها في قلب الامة العربية و حريصون على اللهاث لسرقة ثروات الشعوب و المشاركة في غزوات الاستعمار و النهب و السرقة ... في العراق و غير العراق من اقطار امتنا .
و لكن الذي يلفت انتباهي ... هو الشعور الذي ينتاب دول الاستعمار قديمها و حديثها من وحدة الامة ، فصاروا يرفعون اصابعهم القذرة بأستخدام الفيتو المستمر ضد هذه الوحدة ، ليس بأسلوبها الرسمي الذي تم خلال وحدة مصر وسوريا ... بل على مستواها الشعبي الذي تمثله اليوم ، المقاومة العربية الكبرى ... بل ان خوفهم من الوحدة جعلهم اكثر خبثاً في عملٍ جديد اتفق على تسميته تجزيئ المجزء و تفتيت المفتت ، فكانت عملية التأجيج الطائفي ... بين المسلمين و المسيحيين العرب ... او بين السنة و الشيعة ... او بأسماء اخرى في دارفور مثلاً ... حتى طالت تلك العمليات الطوائف ذاتها بين ما أسماه الغرب معتدلين و هم المتصاففون معهم و المتطرفون الذين يجدهم الغرب اعدائه! لذلك فقد استخدمت المؤسسة الغربية الاستعمارية سبل متعددة لتصفية الثوابت ، و البحث عن وسائل لأختراق الحاجز النفسي للمثقفين العرب ، بغية رسم حالة احباط كاملة من القيم ، والتخلي عن الاهداف الوطنية المترسخة في جذور العقل العربي .
و هذا سياق و نهج الدول الاستعمارية .... و من الادلة التاريخية ثورة 14 تموز 1958 ، فرغم ان ثورة تموز 958 ، لم تكن منعزلة عن الحدث القومي ، فهي جزء من النضال القوي و حلقة من حلقات انتصاره ضد الاستعمار و الاحلاف و الهيمنة ، و هي واحدة من ثمار نضال شعبنا العراقي و الالتزام الثوري بدعمه و تأييده من قبل ثورة يوليو 952 الناصرية . و لذلك فقد كانت ثورة تموز 958 ثورة تحررية قومية و وطنية ، و هي جزء لا يتجزء من حركة التحرر الوطني العربية ، و جزء من حركة التحرر العالمية ، و لكن التحالفات الجديدة التي ادت لتصافف بعض رموز ثورة تموز مع قوى الاستعمار و الامبريالية و الرجعية ، يجعلنا نبحث عن ماضي هذه الرموز و يقودنا لقراءة جديدة لتاريخ الثورة ، بتلك الرموز التي تدعي كونها واحدة من القوى التي فجرت ثورة تموز ، و واحدة من القوى المناهضة للامبريالية ، وانها امينة على ثورة تموز 958 و اهدافها ... و مع ذلك فأنها لا تستحي من العمل مع قوى الاستعمار و الامبريالية و الاحتلال !؟ حتى أصبحت واحدة من القوى الداعية لأنجاز انتداب امريكي على العراق . إن هذا السياق في الأختيارات (الجديدة) لهذه القوى يجعلنا نرفع صوتنا بالدعوة لقراءة جديدة لثورة تموز 958 . لعلنا نتمكن من فهم الاختراق الذي تعرضت له قيادة الثورة ، والذي قاد فيما بعد لأنحرافها عن اهدافها للدرجة التي حولتها لأعلان عدائها السافر لحركة التحرر الوطني العربية بقيادتها الناصرية .
وقد يكون هذا الاستنتاج قاصراً عند حدود الاختلاف في وجهات النظر بين اطراف الحركة الوطنية ، الا ان احداث السنين الخمسة الماضية اثبتت بما لا يقبل الشك ، وجود اختراق استراتيجي لقيادة الثورة ادى للعودة عن اهداف الثورة الاساسية ، و محاولة استخدام هذه الثورة العظمى في عرقلة حركة التحرر العربية بمختلف اسمائها بالتحالف مع قوى الاستعمار الخارجي .
و مع كل هذا و ذاك ، فالموقف الجماهيري الرافض للاتفاقية الامنية مع الولايات المتحدة ، يجدد الثقة بثورة تموز 958 التي كان اهم انجازاتها القضاء على حلف بغداد الاستعماري ، و قد يكون هذا الموقف سبباً في عودة (المتورطين و المورطين انفسهم) في التعامل مع الاحتلال ، بتغيرموقفهم السياسي في محاولة للتقرب من الموقف الوطني الرافض للأحتلال ، و تسجيل موقف مشرف من مؤامرة الاتفاقية ، مع الاخذ بألاعتبارات ان الصف الشعبي الوطني ، بما فيه التيار العربي رغم العديد من الخلافات و الاختلافات على تصرفات و مسارات بعض الاخوة و الرفاق من حلفاء الماضي ، و طريقة هذه القوى في ادارة عملها السياسي في الضرب بشدة على نواقيس الصراعات التي مضى عليها نصف قرن ، إلا ان التيار العربي في العراق يفتح ذراعيه للجميع على الثابت الوطني الذي لا يقبل التسويف ، انهاء الاحتلال ، و رفض صك الانتداب الامريكي الجديد على العراق .
ولكن ذلك لايمنع من أجراء هذه القرأة ، فمع الأخذ بمعطيات الحدث السياسي الحالي ونتائجه ، نستدرك دون شك حقانية وصوابية مشروع التصدي للأنحراف الذي أصاب فقرات قيادية من الثورة ، وأنسياق بعض الطراف (الوطنية) مع هذا الأنحراف ، ولازالت تمارسه كما تمارس عملية هدم أي بناء لتجاوز مرحلة الخلافات ، مما يؤكد تلبسها بهذا الأنحراف ... خصوصاً وأنها ماضية ًفي لهاثها وراء المحتلين الأجانب ، ولكأنما لاقدرة لهم (سابقاً وحاضراً) أن يملكوا قراراً وطنياً ، وأنهم تعودوا أستيراد قراراتهم من الخارج .
وقد يوجه لنا البعض الملاحظة لمحاولاتنا ربط الحدث الحاضر بالحدث التأريخي ، وذلك من وجهة نظري يعزز من قوة الفكر القومي ويجعله أكثر واقعية ً من غيره ... فالحاضر ليس إلا نتائج لمسيرة الماضي ، والعالم اليوم يعيش نتائج التجارب الماضية ، وأي كلام عكس هذا الأتجاه ، إنما يقود للغربة التامة وعدم الثبات على الأسس ، ما يؤدي إلى تعويم الفكر فيجعله سلعة أستهلاكية خاضعة للعرض والطلب والأذواق المتقلبة .
و مع محاولتنا او محاولاتنا المتعددة بالتركيز على المشتركات بين الاطراف الوطنية التي فجرت الثورة، واجهنا ايغال الطرف الاخر في اعادة تأجيج الاختلافات ، و ما رافق هذا التأجيج من حملات اعلام ، وقذف ، وتغيير اسماء الشوارع ،و المدارس، و الساحات ، و هدم تماثيل و بناء غيرها وفقاً لأرادة فرض الرأي ، و فرض سياسة الاستبداد ، و رفع الصوت عالياً بأتهام الاخرين بكل الكلمات التي لاتليق و لا تتفق مع الممارسة الديمقراطية .
وقد حدمنا انفسنا ، فالصوت يرتفع في جو الاحتلال و بمؤازرته و لمصلحته !!!
ان أي ادعاء بالتبعية لثورة 14 تموز ، مع الدعوة او حتى اللامبالاة ، من مسألة الاتفاق مع الاحتلال فيما يسير لهم مشاريعهم و سياساتهم لا ينتج إلا عَرة يأنفها الثوار ، و ان ذلك لن يحدث الا الهزج الذي يقود نحو المزيد من الفتن و يزيدوا الزلازل بأمن هذا الوطن ، و ضرب مفهوم المصالحة في الصميم .
ولعل ما تجول فيه امتنا و شعوبنا من الآلا م و ما تتعرض له بلادنا من هزائم يدعونا لأن نعود لمبادئ ثورة تموز التي تطل علينا ذكراها الخالدة الخمسون ، و استمرار عملية التصدي للانحراف و التمسك بأهداف الثورة في الوحدة و الاستقلال و التقدم.