مقتدى الصدر.. وطنية غائبة وطائفية حاضرة

 بقلم : أبو ذر

 

        ( 1 ) بعد خمس سنوات عجاف على الاحتلال الأمريكي الغاشم لوطننا العزيز ، ومع هول الملمات التي فتكت بشعبنا الصابر ، وكثرة وتشعب مجريات الإحداث المسببة لها ..، لم تعد ثمة صعوبة تذكر تواجه المؤمنين بالرؤية الوطنية المتمسكين بثوابتها في معرفة حقيقة القوى الناشطة على الساحة العراقية من حيث انتماءاتها وولاءها والغايات التي تستهدفها . فالحقيقة إن كثير من هذه القوى ـ وهي القوى التي نشأت ونمت ثم ترعرعت وتوالدت في ظل الدعم والتوجيه الكاملين لأجهزة مخابرات دول بعينها تعلن عدائها السافر للعراق العربي ـ قد تم تقييمها تقييما دقيقا منذ ما قبل انطلاقة الغزو العسكري الأمريكي في العشرين من آذار/ 2003 بسنين عديدة . وان نشاطات هذه القوى خلال ذلك الغزو الغاشم وما بعده ما هي إلا استمرار على ذات نهج توجهاتها التآمرية على حرية وطننا واستقلاله ، الخيانية  لوحدة شعبنا ووجوده ، الإجرامية بحق تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا ، وفي جميع مراحل العدوان السابقة عليه ..، وهو ما يعني عمليا استمرار بقاء تلك القوى العميلة للأجنبي ضمن ذات الخندق المعادي للعراق أرضا وشعبا وتاريخا ومصيرا ..، ذلك الخندق الذي يحتضن فيما يحتضن جوقة الأعداء التقليديين للعراق العربي ، الامبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية وإيران الفارسية الصفوية . وليس في نشاطات تلك القوى العميلة ، ولا في موقف الوطنيين العراقيين منها جديد يذكر . إنما ما كان يثير الجدل الدائم في الرأي بين الوطنيين العراقيين ، وخصوصا خلال السنة الأولى للاحتلال الأمريكي ، هو تباين تقييمهم ، ومن ثم اختلاف موقفهم من بعض القوى التي أعلنت عن وجودها وتشكيلها بعد استكمال الغزاة الأمريكان احتلالهم لوطننا. ويأتي من اصطلح على تسميتهم ((التيار الصدري)) في المقدمة من تلك القوى .

( 2 ) ودون الدخول في كثير من التفاصيل ، لمحدودية هذا الحديث ، نحسب إن شريحة واسعة من الوطنيين العراقيين قد حسموا رأيهم في حقيقة انتماء هذا التيار وولاء القائمين عليه وطبيعة نشاط الجماعات والمؤسسات المعلن تبعيتها له والغايات التي تستهدفها ، وذلك منذ استسلامه المهين للمحتلين الأمريكان وعملائهم في مدينة النجف الاشرف عقب مهزلة مواجهته المفبركة لقواتهما هناك صيف عام / 2004..، ذلك الاستسلام الذي سقطت به كل المزايدات الخطابية والشعارات الرنانة وحركات الاستعراض البهلوانية لذلك التيار . ثم جاء انخراط التيار العلني ومشاركته الفاعلة ضمن خطط المحتلين ومشاريعهم السياسية ليسقط ورقة التوت التي كانت تستر عورة خيانته للثوابت الوطنية ، وتخفي من ورائها حقيقة الدور المخرب والمنافق الذي كان يطلع به ، فكان في ذلك دليلا قاطعا يضاف إلى ما سبق حسمه من تقييم صائب لهذا التيار انتماءا وولاءً وأهداف ، وعامل حسم جمع قناعات غالبية الوطنيين العراقيين على موقف موحد منه . ثم جاء توالي الإحداث الجسام التي عصفت بشعبنا الصابر ووطننا السليب ، وخصوصا ما أختلق منها بتدبير فارسي صفوي محكم كانت بدايته مع الآلاف من جرائم الاختطاف والتهجير والتصفية الجسدية على الهوية التي طالت العراقيين في شتى مدن العراق وأحيائها وقصباتها ومنذ الشهور الأولى للاحتلال الأمريكي ..، ثم استعرت ناره مع أول تفجير طال قبة ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري رضي الله عنهما وأرضاهما بداية ربيع عام /2006 ، ثم ليزداد ضراوة عقب التفجير الثاني الذي هَدّم منارة ذات الضريح الطاهر صيف عام /2007 ..، جاء كل ذلك ليكشف بالمادي من الأدلة والملموس من القرائن الدور الخياني الذي اضطلع ، ولم يزل يضطلع ، به قادة هذا التيار ومرتزقته ضد العراق أرضا وشعبا وحضارة ومصيرا ومنذ الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي الغاشم ..، ومن ثم ليفضح بالجلي من البرهان تبعية هذا التيار وولاءه المبرم للفرس الصفويين ، وخضوعه الكامل قيادة ومرتزقة ومؤسسات لتوجيه مخابرات الدولة الإيرانية والأجهزة التابعة لها . وهكذا لم يعد أي وطني مؤمن بضرورة تحرير وطنه العراق من براثن محتليه ، وملتزم بحتمية وحدته أرضا وشعبا كمقدمة لازمة لبنائه دولة مستقلة ذات سيادة تفيض بخيراتها على جميع أبنائها بالعدل ، وتلتزم في جميع سياساتها وتعاملاتها أواصر انتمائها العربي ومعتقدات وأخلاق شعبها الإنسانية السمحاء ..، نقول : لم يعد عنده أدنى شك بتصنيف هذا التيار ضمن خانة ذات قوى العمالة اللائذة بخندق أعداء العراق التقليديين .

( 3 ) ومع ذلك ، وبرغم كل ما ارتكبه قادة هذا التيار ومرتزقته من جرائم مشينة واعتداءات وحشية وأفعال خسيسة يندى لها جبين أراذل البشر مما قد يحجمون عن إتيانها ولو كانوا من عتاة المجرمين ، في حين لم يرتد طرف أي من دهاقنة هذا التيار وغوغائه اشمئزازا لما يرتكبونه من وضيع الجرائم ودنيء الأفعال ..، وقف حشد من الوطنيين العراقيين موقفا متعاطفا ، بل مناصرا ، لهذا التيار في كل نازلة حلت على رؤوس قياداته ومرتزقته وخصوصا ما كان أتيا منها من جانب المحتلين و عملائهم . وليست مواقف الوطنيين العراقيين من مجريات الإحداث الأخيرة ، والتي لم تزل مشتعلة الفتيل حتى يومنا هذا ، في البصرة الفيحاء ومدينة الثورة وسواهما .. عنا ببعيد ..، تلك المواقف التي جسدتها تصريحات علنية صادرة عن بعض فصائل مقاومتنا الباسلة ، وعبرت عنها بكل الوضوح والإخلاص كلمات نطقت بها أو خطتها كثير من أقلامنا وعقولنا الوطنية ، ورددتها دعاءا وتوسلات لخالقها ألسنة حشود غفيرة من أبناء شعبنا الوفي التي كانت منذ عدة سنين ، ولم تزل ، مرمى يستهدفه قادة هذا التيار ومرتزقته بسهام حقدهم الصفوي وغدرهم الفارسي . بل إن طروحات بعض الوطنيين كانت أبعد كثيرا من مواقفهم المعلنة حين لم يخفوا أمانيهم بعودة هؤلاء الضالين المضلين إلى رشدهم والتحاقهم بالركب الوطني يدا تقاتل نصرة لتحرير العراق ووحدته وسيادته ..، تصوروا .. إلى هذه الدرجة من الرجاء لم ييأس الوطنيين العراقيين ممن امتهنوا الخيانة والعمالة مسلكا ومعتقدا . وبأي منطق أنساني ..، فان ما كان منتظرا من هذه الثلة الوطنية وهذا الحشد الشعبي غير التشفي من فيض غيضهم المشروع على هذه الفئة الضالة المضلة ، والصلاة شكرا لله تعالى إذ قيض سبل الانتقام من دهاقنتها وغوغائها بخناجر غدر إقرانهم من المجرمين وحلفائهم من المارقين وتحت مرأى ومسمع ومباركة سائسيهم الفرس الصفويين ..، غير إن أصالة القيم العربية ، ونبل الأخلاق الإسلامية اللتين يتوارثهما العراقيون جيلا بعد جيل تترفع بهم عن إن يكونوا بنوازل أعدائهم من الشامتين ، أو بمصائب ظالميهم من الفرحين ، وما هذا إلا بعض من صفاء سريرتهم وطيبة قلوبهم التي عرفوا بها ، وسمو نفوسهم ورفعة ذواتهم التي جبلوا عليها .

( 4 ) بعد ما قدمنا له من مواقف وطنية ليس لها إلا الشرفاء الاصلاء من العراقيين ..، جاء أخيرا رد كبيرهم عليها .. كبيرهم ((القائد)) الذي ما انفك يُنظر لغوغائه من ترهات أفكاره الصفوية السقيمة ، و ما فتئ يبرر لهم خسيس جرائمهم ودنيء أفعالهم من حضيض معتقداته الطائفية المنحطة .. ، جاء رده برسالته الموجهة إلى غوغائه بتاريخ 19/4/2008 حين استهلها متهجما على مقاومتنا الباسلة وحاضنتها التي أختار لها من جعبته الصفوية أسم ((النواصب)) . وبعيدا عن جميع الحقائق المعروفة عن هذا ((القائد)) الضال وعن تياره المضل ، فهل يصدق ادعاءه بمناهضته للمحتلين الأمريكان حين يتهجم على مقاومتنا الباسلة ويكيل التهم لعمقها الاستراتيجي ؟ .. قطعا لا . فالمقاومة والعمالة نقيضان لا يجتمعان ، ومن كان مُفرِطا في الاعتزاز بمقاومتنا الباسلة ومؤازرتها والإشادة بها وبمن يأويها ويظلها بظله ويمدها بأسباب المنعة والبقاء مؤثرا استمرارها على وجوده وأمنها على سلامته وفعلها البطولي على حياته ..، لا يستحق ، نكرر لا يستحق ، إن يفترش ارض العراق وطنا ، ولا إن ينتسب للعراقيين شعبا ، وأسياده أيا كان موطنهم هم أولى به .

فما قولكم في لئيم مصر على تمرده وضلالته حتى ونفح كرم الوطنيين عليه ، وعلى من يتبعونه ويناصرونه ، لما يزل رطبا لم يَتَسَنه  ؟ .. ما قولكم بأفاقٍ مضلٍ غابت عن بصره وتعامت بصيرته عن كل ما هو وطني ، ويأبى في كل حين إلا إن يتمسك بطائفتيه المقيتة ، وعمالته الرخيصة ؟ .. ما قولكم بمن امتدت له يد الوطن بحنوها المعهود لتنتشله من وحل هزيمته وضلالته وخيانته ، فيرتد ناكصا على عقبيه مؤثرا الضلالة على الهدى والخيانة على الإخلاص ، والعمالة على الوفاء ؟ .. أنه دون أدنى شك من أكابر الأشقياء في دنياه قبل آخرته .

 

العراق المحتل في 21/4/2008