مرحباً ياعراق

لعلهم يتفكرون !

 حسين الربيعي

 

أخشى أن يكون سياسيو اليوم قد غرقوا جداً في عظمة نفوسهم ، فاستغنوا عن أستيعاب دروس الماضي القريب والبعيد ، والسياسي مالم يكن قادراً على فهم دروس التأريخ والجغرافية .. والرياضيات أيضاً كي يدقق بحساب الخطوة القادمة قبل الأقدام عليها ، تستدرجه درجات السُلم نحو الهاوية  .

ودون شك ، فقد وضع هؤلاء السياسين أنفسهم في دائرة الشك من الأيمان ، وفقاً للحديث النبوي الشريف (لايلدغ المؤمن من جحر ٍ مرتين) .. فكيف وهم عرضوا العراق للدغ مرات ومرات بزعاف ٍ أقسى وأشد من سم الأفاعي والحيتان ، فكانت لسعاتهم تزهق الألوف من الشهداء والضحايا ، والأيتام والأرامل والجرحى ، وترهق الأحياء بالمزيد من العلقم وظمور البطون والأجساد ، والأحباط .. دون أن يكون هناك هدفٌ واضح لكل هذا وذاك !!

التيار الصدري في بداية الأزمة ، وهو يعلن عن أعتصامه أو عصيانه المدني (وهما حقٌان مشروعان وفقاً لوثائق حقوق الأنسان) ، طالب بشروط ٍ ثلاث ، من بينها بل وأهمها تحديد جدول لأجلاء قوات الأحتلال ، ولذلك فقد تعاطفت جماهير العراق والأمة قاطبة معه ، لأن هذا هو مربط الفرس ومصدر الفتنة والقلق ، وهي نقطة الأختلاف بين الأكثرية الجماهيرية العراقية ، والغالبية العربية والأسلامية من جهة ، وبين من هم على سدة السلطة . ولكننا في (قرار) الهدنة لم نرى أو نسمع أو نستشف أثراً لهذا المطلب مما جعلنا في موقف لانحسد عليه !

ورغم العديد من أيجابيات (الأنتفاضة) الأخيرة في توقيتها ،التي  تجلت بعضها (الأيجابيات) في دفع القادة العرب المجتمعين آنذاك في قمة دمشق ، ومكنتهم  من العبور فوق التكلف والمجاملة غير المبررة في المسألة العراقية ، خشية تخديش (مشاعر) البعض في مواضيع المصالحة وإنهاء الأحتلال ، وما يعد بين الحكومة العراقية والإدارة الأمريكية لعقد صفقة (أتفاق) لترتيب وضع الأحتلال في العراق ، فأصبح الصوت العربي في دمشق معبراً عن أستغاثات المواطنين العراقين ، ومتلائماً مع ما ينتظره المواطن العربي من قادته بالشأن العراقي .

ولكن ما نخشاه أن تؤدي (صولات) الصراع هذه بين حلفاء الأمس القريب ، مثل ما أدته في غابر التأريخ صراعات الفينيقين فيما بينهم الذين أضاعوا أستقلالهم ، ومكنوا أعدائهم من بلادهم بكثرة منازعاتهم التي دارت بين (مملكة) صور و(مملكة) صيدا ... بسبب شعر لحية !؟

إذ يحكى أن الإله (باعال) معبود شعب صور ، كان في جلسته يبسط ذراعيه ويفتح يديه لتحرق عليهما القرابين البشرية التي تقدم له .. مسترسل اللحية .. على عكس الإله (دربال) إله الصيداويين ، الذي كان يماثل في شكله ووضعه الإله (باعال) ، ولكن بأختلاف واحد .. ذلك بتجرده من اللحية ، فخابرت (حكومة) صيدا (حكومة) صور بوجوب صب تمثال آخر للإله (دربال) ، الذي هو صنو الإله(عابال) كما قلنا ، ولكن بدون لحية ، فرفضت حكومة (صيدا) وأهلها .. بينما أصرت صور وحكومتها على أهمية اللحية وطولها وكثافتها . فنشبت الحرب البحرية بين (الدولتين) الشقيقتين ودامت سنين عديدة .. تخبو نارها أحياناً ، وتتأجج تارة ً آخرى ، حتى دهمهما الفاتح المقدوني الأسكندر ذو القرنين ، فأستعان بمراكب صور على فتح صيدا .. ثم غدر بالأخيرة فلاشى أستقلال الأثنين وضمهما إلى ملكه؟!

كان ذلك في غابر الزمان ، ولم يكن الأسكندر ذو القرنين يحتل وطنهما .. فتغلغل بين الأشقاء لينقل ملكية الوطن الواحد إلى ملكٍ صرفٍ له .. فكيف هو الحال وبوش أبو (كرن) ، حول بلادنا إلى ساحة (للعب) مع ما يسميه الأرهاب ، فيحصد من رؤوس أهل (الساحة) ما يشاء قرابين كي تغفو عيون الألهة الملساء والملتحية في نيويورك وواشنطن ، وقبلهما تل أبيب بأمان وهدوء وتنعم بأغفائة عذبة ، على حساب العراقيين وهمهم  ؟

فهل يشك عاقلان ،أن بوش أبو كرن وقواويد حملته العسكرية ، وبغايا سياسته وأستراتيجياته ، ساعياً معهم لتدمير (الرفض) بثروة ودماء (الموالاة) ، ليعود لاحقاً لينقلب على البقية التي خدعها وأستثمرها لتحقيق أطماعه ؟ هل يشك العراقيين إننا أصبحنا في نظر الغزاة مثل (فئران المختبرات) التي تجرب عليها الخطط والسياسات الأمريكية ؟  أسيق هذا المثل ، فالحدث الذي نمر به أمتحان عسير لدعاة محبة العراق والحرص عليه ، عسى أن نتمكن من توحيد الجهد ضد الاعيب الغرباء ومؤامرات الغزاة . فهل تصحو ظمائر أصحاب القرار الأعلى ، وتتمكن من أجتياز الأمتحان الصعب ؟ أن هم أرادوا .. فعليهم أولاٍ أن يهبطوا من بروجهم العاجية ليسمعوا ألآم المواطن وأستغاثة الوطن ، فلا سبيل للوطنية عن طريق طمأنة الغرباء .

ونحن ، إنما نريد أن نهتدي ونهدي إلى روح الأية الكريمة ( تلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) . فإن لم نستطع فعذرنا أننا حاولنا .. ومن الله التوفيق.

 تنشر جريدة العربية التي تصدر في بغداد بتاريخ 5/4/2008