مراجعات في ذكرى العدوان الأمريكي / 2
بقلم : أبو ذر
( 2 ) ومن أجل إسرائيل ..
منذ قرن من الزمان تقريبا تقوم في فلسطين العربية عملية منظمة للاستيلاء على أرضها خالية من أهلها ..، عملية بدأت ترغيبا فمكرا ، وتوالت ترهيبا فحربا ، ولم تزل مستمرة بأبشع صور القهر واعتى أساليب العدوان حتى يومنا هذا . هدف هذه العملية هو((أنشاء)) وطن للصهاينة على أرضنا العربية .
والصهيونية كفكرة تقوم على زعم أسطوري مفاده إن الله تعالى قد وعد نبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام بأن يعطي لنسله من بعده الأرض الممتدة من مصر وحتى العراق ، وان بني إسرائيل قد توارثوا هذا الوعد الإلهي حتى استقر لليهود منهم جيلا بعد جيل ..، مع أن بني إسرائيل حين أقاموا في مصر لبضعة قرون من الزمان لم يكونوا أسيادا على أرضها ، بل على العكس تماما من ذلك ، فلقد أذاقهم فرعون وملئه شتى صنوف العذاب والذل والمهانة ..، هذا ما اخبرنا به رب العزة في محكم التنزيل فقال :((وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ))(الأعراف/141) ..، كما أنهم حين دخلوا ارض العراق لم يدخلوها فاتحين ، وإنما دخلوها أسرى أذلاء عبر ثلاث موجات متعاقبة ، كانت أولاها عام 721 ق. م. على يد الملك الآشوري سرجون الثاني ، ثم جاءت الأخريين عامي 597 ق. م. و 586 ق. م. على يد الملك البابلي نبوخذ نصر ، الذي دمر في أخر معاركه ضدهم جميع مدن مملكتهم القائمة حينها على ارض أورشليم ، وحطم هيكلهم ، وقتل ملكهم يهودياكيم ، وبطش بمحاربيهم ، ثم ساق من بقي منهم (تقدرهم بعض المصادر التاريخية بأربعين إلفا) مكبلين بالأصفاد إلى بابل عاصمة ملكه ..، فمكثوا فيها مستعبدين لنصف قرن من الزمان تقريبا حتى فك أسرهم ، وأعادهم إلى ديارهم ، ملك الفرس قورش الثاني عقب احتلاله لمملكة بابل عام 539 ق. م. .
استنادا لهذه الفكرة الأسطورية صاغ الصهاينة نظريتهم في القومية ، والتي انفردت دون سائر النظريات الأخرى في القومية باعتماد الانتماء الديني كمميز للأمة . فالأمة كتكوين اجتماعي لا تقوم عند الصهاينة على وحدة اللغة والجنس كما قال الفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيخته (1762-1814) ، ولا على وحدة الشعور والعادات والأصل كما قال الزعيم الايطالي جيوسيبي مازيني (1805-1872) ، ولا على وحدة الإرادة والحياة المشتركة كما قال المفكر الفرنسي أرنست رينان (1823-1892) ، ولا على الاختصاص بالأرض والتفاعل الحضاري معها كما قال أستاذنا الجليل فيلسوف القومية العربية الدكتور عصمت سيف الدولة رحمه الله تعالى (1923-1996) ..، وإنما تقوم عندهم على ما توفره وحدة الانتماء إلى الدين من روابط الانسجام الروحي فيما بين المتدينين به . وترتيبا على ذلك فاليهود عندهم أمة واحدة ، وان تباينت اللغات التي يتحدثون بها أو الأجناس التي ينتمون إليها ، وان اختلفت عاداتهم التي تطبعوا عليها أو الأصول التي ينحدرون منها ، وان تقاطعت أراداتهم أو رؤاهم لغدهم ، وان تشتت مجاميعهم بين أصقاع المعمورة أو انعدمت فرص تفاعلهم الخلاق مع ما يدعون من ((وطن)) .
ولكي يقيم الصهاينة دولتهم على ((أرضهم الموعودة)) كان لابد لأداتهم الناشطة (المنظمة الصهيونية العالمية) من حشد كافة إمكانياتها وحث خطاها عبر ثلاثة مسالك متوازية . المسلك الأول هو انتزاع التزام دائم من إحدى الدول العظمى المهيمنة على العالم مضمونه تبني تلك الدولة لما يستهدفه الصهاينة من إنشاء وطن لهم ولو على جزء من ((أرضهم الموعودة)) ، ومساندتها لهم بما يحتاجون إليه من الوسائل والإمكانيات لتمكينهم من تحقيق هدفهم هذا ، وتعهدها بضمان أمنهم وحماية وجودهم عليه . وضمن هذا المسلك تحرك رواد الصهيونية الأوائل على عدة محاور حتى تحقق لهم مطلبهم عبر وعد بلفور سيء الصيت عام 1917 ، الذي ادخل المستعمرين الانكليز طرفا أصيلا راعيا لإقامة ((وطن قومي)) للصهاينة على ارض فلسطين العربية ، وهو ما سيشكل فيما بعد اللبنة الأساسية للتوسع الصهيوني على أرضنا العربية . والمسلك الثاني هو التحرك داخل الأرض العربية في فلسطين لتأمين مواطئ إقدام لهم تشكل بؤرا لاستيطانهم ، ومنطلقا لتوسعهم الاستيطاني على ارض فلسطين العربية . وقد مكنهم المستعمرون الانكليز وعبر العديد من صفقات المكر من الاستيلاء على مساحات من أرضنا ، لتتوالى بعدها عمليات استيلائهم على أراضٍ أخرى عبر حملات العدوان المسلح والمنظم وخصوصا بعد الإعلان عن دولتهم منتصف أيار من عام 1948. إما المسلك الثالث فكان التحرك عالميا لدفع اليهود ومن شتى بقاع الأرض على ترك مواطنهم والهجرة إلى فلسطين العربية ، مستخدمين في ذلك كل فنون الإغراء والإغواء لحملهم حملا على هجر أوطانهم ، وموظفين كل ما أتيح لهم من وسائل الضغط والترغيب على حكومات العديد من الدول لفتح مغاليق أبواب الهجرة الموصدة بوجه رعاياها .
وإذا كانت ظروف الحرب العالمية الثانية ونتائجها قد فرضت على قوى الاستعمار التقليدي وفي المقدمة منها بريطانيا المنهكة التراجع خطوة إلى الوراء لتترك للولايات المتحدة الأمريكية التربع على عرش الهيمنة الاستعمارية في عالم ما بعد تلك الحرب ..، فان حظوة الصهاينة بتبني الولايات المتحدة الأمريكية ودعمها لمشروعهم العدواني ضد امتنا العربية ، قد تأكدت أكثر عبر مطامع الأمريكان ومصالحهم في المنطقة العربية . فقيام دولة للصهاينة على ارض فلسطين إذ يمنحها موقعا حيويا للسيطرة على عموم المنطقة العربية ، فانه سيجعل منها قوة متحكمة على أهم طرق المواصلات البحرية التي تربط غرب العالم بشرقه ، كما انه سيحول دون قيام أية دولة وحدوية عربية تجسد العروبة وجودا متحررا وإرادة مستقلة ومصيرا قوميا ، وان في هذا ما يعزز من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على تأمين تدفق النفط العربي إليها ، ويقوي من فرص تدخلها لدعم الأنظمة السياسية الموالية لها في المنطقة . وهكذا نشأت علاقة تحالف ممتازة بين ((دولة)) إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية . نقول علاقة تحالف لننفي بذلك ما يتوهمه البعض عن تبعية أيا من تلك القوتين للأخرى ، فلا إسرائيل ((الدولة)) تابعة للولايات المتحدة الأمريكية ، ولا الولايات المتحدة الأمريكية تابعة للصهيونية العالمية ، فالصهيونية منظمة عالمية تنشط في شتى إرجاء المعمورة بأجهزة ومؤسسات مختلفة المسميات والمهام تحقيقا لهدفها المتمثل بإقامة دولتها من الفرات إلى النيل ، فهدفها أذن هو الاستيلاء على الأرض العربية خالية من البشر ولو اضطروا في ذلك إلى إبادتهم إن عز عليهم طردهم منها ..، وما إسرائيل إلا واحدة من المؤسسات التابعة لتلك المنظمة ، المؤتمرة بأمرها المحدودة بمهمتها المتمثلة بتجسيد الوجود الصهيوني في ((دولة)) معترف بها في عالم الدول ولو انحصر وجودها على جزء محدودة من حلم الصهاينة بإسرائيل الكبرى . بينما يتمثل هدف الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على الثروة النفطية المختزنة في باطن الأرض العربية وما يقتضيه هذا الهدف من هيمنة سياسية واقتصادية وأمنية على المنطقة..، فليس من أهداف الأمريكان إبادة العرب إلا حين يقاومون مسعاهم ، ولا من أهدافهم الاستيلاء على الأرض العربية إلا بالقدر الذي يكفيهم لتامين حماية مطامعهم من نفطها . ونقول علاقة ممتازة ، ولم نكتفي بوصفها علاقة مميزة ، لنؤكد أنها كعلاقة تحالف تفوق في أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على السواء أهمية أية علاقة تحالف أخرى لأي منهما مع أي من دول المنطقة ، بل وأيا من دول العالم الأخرى ، لان هذه العلاقة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تكتسب أهميتها من أهمية النفط بالنسبة لها ، والنفط بالنسبة لأمريكا هو شريان حياتها الذي بدونه تتوقف أو تضمحل سائر أنشطها وفعالياتها كقوة عظمى وكدولة وكمجتمع ..، ولان هذه العلاقة بالنسبة إلى إسرائيل هي الضامن لوجودها وأمنها واستمرارها . لهذا رأينا ، ويرون هم أيضا ، أنها علاقة تفوق في أهميتها وأسبقيتها وأولويتها بالنسبة لكليهما أي علاقة تحالف أخرى . ألم تلزم هذه العلاقة الممتازة الولايات المتحدة الأمريكية بنصرة الجيش الإسرائيلي الذي باغتته الهزيمة المرة مع انطلاقة حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 ، لتفتح له أبواب مخازن سلاحها وتشحن له من أكداسها بلا حساب ، ثم لترسله جهارا نهارا عبر جسر جوي مفتوح حطت اغلب طائراته في مطارات ميدانية هي الأقرب إلى ساحات الاشتباك ، لتؤمن بأقصى ما تستطيعه من سرعة احتياجات ذلك الجيش المهزوم من السلاح والعتاد ؟ .. بلى .. فالولايات المتحدة الأمريكية لم تنقطع لحظة واحدة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه حليفتها إسرائيل وفي شتى المجالات . وهي لن تنقطع عن ذلك إلا مكرهة مرغمة . وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية توظف علاقتها الممتازة مع إسرائيل لابتزاز الأنظمة العربية المتهالكة وحملها حملا على الاستجابة لما تريد ..، فان إسرائيل أيضا لم تنفك عن استثمار هذه العلاقة بكل ما من شأنه تدعيم وجودها وحماية أمنها .. ، فقد جاء في وثيقة بعنوان ((إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات)) نشرتها عام 1982 مجلة ((كيفونيم)) الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية :((إن تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سوريا وذلك لأن العراق أقوى من سوريا . إن في قوة العراق خطورة على دولة (إسرائيل) في المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى ... وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية كما حدث في سوريا في العهد العثماني . وبذلك يمكن إقامة ثلاث دويلات (أو أكثر) حول المدن العراقية ))* ... هكذا أعتمد الصهاينة ضرورة تدمير بنية الدولة العراقية ، وتفتيتها اجزاءا متصارعة ، كضمانة تمنع عن إسرائيل ما يمثله العراق العربي من خطورة قائمة ومستمرة على وجودها .. وكان فيما اعتمدوه نقطة التقاء جديدة لهم مع حلفائهم الأمريكان اللاهثين برعونة محمومة للسيطرة على ثروة العراق النفطية ..، لتدخل إسرائيل سببا مضافا يدفع الأمريكان لغزو العراق العربي واحتلاله كمقدمة لازمة لتحقيق ما التقوا عليه من خطة لتدمير العراق وتقسيمه ، وبما يضمن لإسرائيل ((الدولة)) سلامة وجودها وديمومة أمنها ، وبما يحقق للمحتلين الأمريكان سيطرتهم على المنطقة برمتها ...
العراق المحتل في 1/4/2008
* الوثيقة بنصيها العبري والعربي ملحقة بدفاع الدكتور عصمت سيف الدولة عن ثورة مصر العربية ص 289 وما بعدها
دار المستقبل العربي الطبعة الأولى 1990 .