الضمير العالمي وقضايانا القومية

حسين الربيعي

 

غزة عنوان المرحلة الراهنة ، هذا ما قلناه وما أعتقدناه من تحليلنا لزيارة بوش الخيرة للمنطقة العربية ولقائه بمجرمي الحرب الصهاينة ، وبالمتواطئين معهم من الحكام المفروضين العرب . ولم يكن أستنتاجنا يروق (للمؤتفكة) قلوبهم ، ولكن الحداث الخيرة أثبتت صحة توقعاتنا .

ومع ذلك فإن القادم أسوء وأكبر في درجة قسوته ، ذلك إن خارطة الطريق الصهيونية الأمبريالية لاتستهدف (الغزاوين) أو حماس .. ولاينحصر الأمر بالفلسطينين ، فالمرحلة الراهنة تستهدف منطقة واسعة تمتد من غزة وتمر ببيروت ودمشق وتستقر في بغداد .

وبدون ادنى شك فإن محور المرحلة ، لاينقطع عند هذه الحدود في الأتجاه الأوسع نحو السودان والصومال .. بل يشمل العمق الأستراتيجي العربي في أفريقيا والشرق الأسلامي . ولكن مع ذلك تبقى الأهمية الأكبر لمحور العواصم العربية في الجناح الشرقي للوطن العربي ، والأكثر سخونة في نفس الوقت لأسباب .. أهمها :

1 ـ وجود الكيان الصهيوني وسط تلك العواصم .

2 ـ وجود قوات الأحتلال الأمريكي في أحد أقطار المنطقة .

3 ـ وجود عاصمة يمكن اعتبارها مركزاً رئيسياً للرفض العربي .

4 ـ الأهمية التأريخية لأقطار هذه المنطقة في حركة القومية العربية ، خصوصاً بعد التمكن من عزل مصر (كدولة) عن تلك الحركة .

إن تزامن أحداث غزة مع تواجد البارجة الأمريكية (كول) ، وزيادة سخونة الأزمة اللبنانية ، وتوافق التصعيد الصهيوني مع أزدياد التحركات الغربية مع الحكومة اللبنانية وحكومات عربية محلية أخرى لتفعيل مسألة المحكمة الدولية (بشأن أغتيال الشهيد رفيق الحريري) ، والأخطر من كل هذا وذاك محاولة نسف مؤتمر القمة العربية في دمشق .

وكل ما تقدم يرتبط بصورة أو أخرى مع ما يجري في العراق أو يحضر له من مسارات واتفاقات لرهن إرادته بيد الولايات المتحدة الأمريكية ، وإرجاء تحريره من قبضة قواته الغازية إلى أمدٍ ليس بالقريب ، في ظل عجز ٍ وتخبط .. وربما برضى بعض الأحزاب والشخصيات القابضة على العملية السياسية ، ودوران بعضها الأخر في حلقات مفرغة وضعوا أنفسهم فيها ، أو وضعتهم فيها إدارة دولة الأحتلال فيها .

والمضحك حقاً أن نجد من يعلق رجائه بالخلاص على الضمير العالمي ... هؤلاء دون شك يقامرون على شيء ليس له وجود في الوقت الحاضر ، بعد أن أصبح سلعة ً من سلع الماضي ، فالعولمة التي جعلت الولايات المتحدة وحليفتها الصهيونية القوة المهيمنة على العالم ، وهذه الهيمنة تقود حملات الحقد والكراهية بين أبناء الأمم والشعوب ضد بعضها ، وتثير الأدران القديمة ضد العرب والمسلمين .. وتسهل كل الوسائل والسبل في الأسأة للأسلام ولرسول المسلمين الذي جعله رسالته رحمة ً للعالمين ، وتشفت بحروب المسلمين الطائفية والحزبية فيما بينهم ، كل ذلك أفضى لموت الضمير العالمي .. أو سباته حتى حين مع القضايا العربية والأسلامية .

أما الحكام العرب ، فهم بين أغلبية متواطئة لاتملك ضميراً على الأطلاق .. ناهيك عن الكرامة والشرف الذي لايسنهض إلا في (النازعات) الداخلية التي تخص سلامة الأنظمة والحكومات . وبين من تمنعه (بلاويه) من المساهمة الجادة في درء وردع الخطر ، أو على الأقل التلويح أو التهديد بأتخاذ (تدابير) معينة أقلها الدعم الأنساني ( وليس الأخوي ) وتقديم الأموال والمعونات للمواطنين ولحركات المقاومة الشعبية .

إذاً فقد ضاقت مجالات الأختيار ، فأما القبول بشهادة اللجوء لهذه ، ليس كأمة وإنما كأفراد عبد في خدمة (السادة) المحتلين في ديارهم إن رغبوا إو في أماكن (يستأثرونها) لنا ، وربما ذلك ليس في المستطاع فمشروع الإبادة هوالأفضل لأمة ً لاتدافع عن وجودها .... وأما تحمل المسؤولية بالأمكانيات الذاتية في معركة مصير يقودها الشعب ، مبنية ً على الأيمان والتفاني والتضحية والشهادة ، من أجل إحداث ثغرة تأريخية كالثغرة التي أحدثتها المقاومة أثناء العدوان الثلاثي على مصر ، وعلى شاكلة معركة الكرامة التي قادتها المقاومة الفلسطينية بداية السبعينات ، وبمستوى حرب تحرير جنوب لبنان في عام 2000 وحرب لبنان عام 2006 ، وبالصورة التي يقاوم فيها الشعب الفلسطيني والعراقي .

وإذا كان الزعيم الخالد جمال عبد الناصر قد قال : (أن المترددين لايصنعون الحرية)  ، فسوف اسمح لنفسي أن أضيف : أن المترددين وحدهم يراهنون على الضمير العالمي الذي فقد حياته .