مرحباً يا عراق 

حسين الربيعي 

بينما كنت جالساً في بيتي البسيط المتواضع في ساعة صباحية شتوية باردة ، مطلاً على شارع الحي الذي أسكن فيه من خلال النافذة المشرعة أمامي و كانت عيناي ساهمتين بشئ ما بينما عقلي يدور في عالم آخر .. و للسياسي عالمه الخاص الممزوج بالفكر .. و الفكرة ؟!

كنت أبحث بيني و بين نفسي عن عنوان لعمود صحفي (تخيلته) ، وبينما أبحث بين الاسماء و العناوين والمصطلحات فيما يتفق مع ما كنت أهم به . فالغاية خدمة العراق . والافصاح عن هويته الحقيقية الغالية والثمينة التي يحاول غبار لا ثمن له ولا فائدة ان يطمرها (ان استطاع) شيئ يعبر عن العراق بهيبته و عزه في ماضيه القريب .. تعزيزاً لمستقبله الذي يجب ان ينتمي اليه . و يكشف سر الآمه و فواجعه التي تتكاثر عليه منذ قديم الزمان الى حاضره . ووسط تلك الزحمة من الذكريات و المقولات و العناوين . أنتصبت امامي فجأة قصيدة الشاعر العربي نزار قباني ، لتحسم الامر في العنوان الذي أخترته لعمودي الذي تخيلته . وقصيدة القباني هذه القاها نهاية الستينات في مؤتمر للشعراء العرب عقد في بغداد آنذاك . يوم لم يكن يجري على بغداد ما جرى خلال السنين الماضيات من نكسات وفواجع و أضطهاد ، ولكن الشاعر وهو العراقي الاصل السوري الولادة و النشأة . اللبناني الاقامة و الجنسية . كان قد أحس بضميره الشاعري وأحساسه القومي العربي . بما يدبر للعراق . سيما وان العراق في تأريخه الطويل الساتر الاول في الدفاع عن العروبة و الانسانية بقيمها الصادقة .. لذلك فانه قد قال .. و حرقه قلبه المحب للعراق و الخائف عليه .. مثل كل أخ عربي غيور .. وبعمق صوت قباني .. وحزنه .. وسيطرته على المشاعر .. والانتظار جعل الافواه فاغرة .. متهيئة لتلقف ما يجود به (كرمه) الشاعري الاصيل : مرحباً ياعراق

مرحبا يا عراق جئت أغنيك                           وبعض من الغناء بكاء

سقطت كلمات الشاعر مدوية ، وأسرت نحوها كل المشاعر .. والافئدة والعقول . ولم يكن حينذاك المٌ كالألم الذي يدور بنا اليوم ، ولم يكن هناك داع للدموع التي أصبحت في زماننا هذا تتساقط بديلاً عن الامطار ، ويوم ذاك لم يتجسد الخوف العربي على العراق واقعياً .. فكيف هو اليوم ؟

فهل تتقطع عرى بأهله وامته . وهي قديمة في عمق الزمن مع العراق و حضارته التي تجاوز عمرها السبعة الآف من الاعوام توارثناها منذ بدء البشرية تعددت أسماؤها .. ارامية .. بابلية كلدانية .. آشورية اسلامية .. عراقية .. جنوبية وسطية شمالية ..؟؟؟

وهل تستطيع تهديدات بوش و أصحابه ان تبني بين العراق و العرب سوراً يقطع بينهم صلة الرحم .. والثقافة .. بالالم و الامل المشترك ؟؟ وهل يستطيع هذا (المغرور) ان ينجح فيما فشل فيه الآخرون قبل مئات السنين . فالعراق اليوم جرح العرب و نزيفهم المستمر .

ولعل بيتا آخر من قصيدة (قباني) تعوض عن الكلام :

فجراح الحسين بعض جراحي                       ومن الاسى في قلبي كربلاء

فالعراقيون الموا بالفواجع  ، لكنهم بحزنهم وكربهم الذي المو به لم يهنوا لحظة في الدفاع عن قيمهم .. ولم يتبدلوا .. فأقرب صبرهم وأمساكهم بعقيدتهم أيام الخلاص   

جريدة العربية