مرحباً ياعراق
كوسوفو ... كردستان
حسين الربيعي
يحاول البعض من سياسي العملية السياسية الوحي للأخرين وخصوصاً للقوى الوطنية خارج العملية السياسية ، أنهم صاروا قاب قوسين أو أدنى من المطالب الوطنية ، حتى أن البعض منهم تقمص لغة وطريقة التيار القومي (لكسبه) . ولكن سرعان ما تنقشع الغشاوة ليتأكد الجميع أن الذين أوصلوا شعبنا إلى هذه المئآزق غير قادرين .. أو بالتحديد غير راغبين بالعودة عن خطيئتهم .
والخلاصة الكيدة ، أن هناك بين هؤلاء السياسين ، رغم تعالي الصراخ فيما بينهم عبر وسائل الأعلام أو داخل قبة البرلمان ، توزيع للأدوار ، لخداع الناس وأغواء البقية الباقية من (المؤمنين) ، وفق خارطة طريق معدة بدقة ومكر شديدين .
ولقد علمتنا السياسة ، أن العلاقات الدولية ، إحدى أهم القنوات التي تعبر عن سياسة الدول والحكومات ، ولقد ظننا من خلال ما أوحت به الحكومة العراقية ، أنها تتخذ في مجال العلاقات الدولية طريقاً مستقلاً يضع المسؤولية الوطنية في الدرجة الأولى . ولكن ... الموقف من مسألة أستقلال كوسوفو دليل على عدم الدقة في هذا الأستنتاج . كيف ؟
أن سياسة تمزيق العالم إحدى أهم بروتوكولات (حكماء بني صهيون) ، وهذه (النظرية) دون شك أسلوب الأستعمار في كل زمان (فرق تسد) ، وهي واحدة من أهم آليات الهيمنة الأمبريالية العالمية الجديدة ، وواضحاً وجلياً إنها لاتخص شعباً أو قومية ، إنما هي معدة لكل أبناء البشرية . فالمسار الذي بدأ الأن في يوغسلافيا السابقة (صربيا) ، لن يتوقف عند حدودها . وهذا يعني تجيير مظلومية الأقليات (القومية والدينية والطائفية) في بعض البلدان لمصلحة المشروع الهيمني والأستبدادي العولمي .
فلهاث البعض من أبناء هذه (المكونات) لبناء كيانات منعزلة أو (مستقلة) عن كياناتها السياسية الأصيلة ، سوف يحول العالم دون شك لساحات من الصراعات المتعددة ، وترتفع بنادق (الأخوة) في المواطنة (السابقة) بوجه بعضها ، مما يوجه مجهوداتها بعيداً عن التنمية ،ويذهب بأمكانية أستثمار الثروات والطاقات البشرية في مهب الريح .
آنذاك تتحول الدول القديمة والجديدة إلى سوق لأسلحة ومنتجات الدول (الكبرى) ، وتتحول مجتمعات تلك الدول إلى الأملشة (من الميليشيا ـ القوات العسكرية غير الرسمية وفي أكثر الأحيان غير المنضبطة) ، بديلاً عن العسكرة التي كانت تنتهجها ما تسمى بالأنظمة الشمولية ( خوجة علي ، ملا علي) ، ولن تنتهي هذه الصراعات والحروب (الضيقة) على المستوى العالمي إلا بنظام عالمي جديد يطيح بالعولمة الأمريكية الأمبريالية الصهيونية ؟ !
والسؤال هنا : هل انتهت الدول القومية إلى غير رجعة ؟
أم العكس هو الصحيح ؟ للدرجة التي تعددت فيه الدول القومية ، بدليل إلباس الدول التي قامت على أسس دينية لبوس القومية (الدولة القومية اليهوديةمثلاً) وكوسوفو المسلمة تأكيد لهذا المعنى . وجوابنا واضح لايحتاج للمزيد .
وفي أعتقادي ، فإن الخطوة اللآحقة (لكوسوفو) ، هي كردستان العراق ، حيث إن الحراك في هذا الأتجاه أشد سخونة ، وأدوات هذه الخطوة مُعدة ومهيأة منذ فترة زمنية ، ولكنها تحتاج لبعض (التطمينات) للدول الأقليمية . وبناءً على ما يترائى لنا فإن ما أعلنه الناطق بأسم الحكومة العراقية يضع الحكومة في موقع الشك بالمشاركة لإنجاز الخطوة (الكوسوفية) في العراق ... وإلا أخبرونا بالله عليكم ياأولي العقول والضمائر ما الذي يستفاد منه العراق لترحيبه بأنفصال كوسوفو إلا تهيئة الرأي العام العراقي للقبول بنفس الوضع في العراق ، وتهيئة مبررات التقسيم !!
وحيث أني لاأريد أن أتسائل أو أستوضح عن الموقف الغربي بشأن القضية ، لأكشف كذب إدعاءات تلك الدول حول مظلومية المسلمين في أقليم كوسوفو ، فاني مضطر للمرور على مواقف هذه الدول الغربية التي سعت لفصل كوسوفو عن صربيا ومبرراتها حول هذه المظلومية ، وعدم الأهتمام بمظلومية شعوب عديدة أخرى من المسلمين وغير المسلمين (فلسطين والعراق مثلاً) ومظلومية المسلمين من أبناء ومواطني هذه الدول نفسها جراء المضايقات والأرهاب ، وجراء القوانين الجائرة التي أستهدفت كل ما يمس بالمسلم في الغرب حتى حريته الشخصية . فإن الأنسياق مع هذه الأتجاهات ، دون الأنتباه للأزدواجية المقصودة في معاملة الأمور وفق معايير متعددة غير أخلاقية وغير أنسانية ، أشبه ما يكون بالأعمى الذي فقد بصيرته قبل نظره .
إذاً .. أيحق لنا أن نطالب بالرجوع إلى الشعب لسؤاله عن رأيه بشأن كركوك ، والفدرالية ، والأقاليم وغيرها من الأمور التي تخص مستقبلهم ومصيرهم كلهم دون استثناء ؟ أم أن مطالبنا هذه لاتتفق مع النمط الديمقراطي الجديد ومع الديمقراطية الجديدة التي تغير معناها من سلطة الشعب إلى سلطة النخبة أو الصفوة (حسبما يرى الأستاذ الدكتور سعد الهاشمي خلال أحد الندوات التي أتهم فيها الشعب العراقي بعدم النضج !) ، وعلى العموم فإنها ليست أي صفوة .. أنها الصفوة التي تعمل لأسترضاء المحتل حصراً دون غيره .
ويبقى الفارق بين العراق ويوغسلافيا مؤلماً ، فاليوغسلاف (الصرب) متفقين على رفض الأنفصال ، في حين أن بعض العراقيين من حملة الأيدلوجيات الغريبة ، عرابين لتمزيق شعبهم وتقسيم وطنهم ، والكثير منهم تشغلهم أمور أخرى ، ناهيك عن (حبائل) الفرقة بين عرب العراق التي عقدت الأمور على الوطنيين الحقيقين في مسيرتهم التي تتشابك فيها الأهداف والغايات والمهمات ، لذلك فإن حماية وحدة العراق مسؤولية صعبة جداً ، تحتاج أول ماتحتاج للأيمان بالله وحب العراق شعبه وارضه وقيمه ، والأيمان بالعمل على أخراجه من قيود الأحتلال والنفوذ الأجنبي .. والله ناصر المؤمنين .
جريدة العربية البغدادية