خارطة طريق للوحدة العربية / 4

 الأمن القومي العربي ( وقائع وملاحظات )

                                                  ( رؤيا في الحلول  )                                                  

حسين الربيعي

 

        في الذكرى الخمسين للوحدة الرائدة ارتأيت أن أواصل البحث عن خارطة طريق للوحدة العربية

 

 

     مررت على العروبة وهي تبكي                        فقلت : علام تنتحبُ الفتـاة ُ

     فقالت :  وكيف لا ابكـي وأهلـي                        جميعاً دون خلق الله ماتوا

                                       

لقد أتحدت المنطقة بحكم السلاح يوم كان السلاح هو وسيلة التعبير في الطفولة الأولى للبشرية ، وأتحدت المنطقة بيقين النبوات حين بدأت رسالات السماء تنزل إلى الأرض لتهدي الناس .

واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين أندفعت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عباده إلى الحق .

واتحدت المنطقة بتفاعل عناصر مختلفة في أمة عربية واحدة .

واتحدت المنطقة باللغة يوم جرت العربية وحدها على كل لسان .

واتحدت المنطقة تحت دافع السلامة المشتركة يوم واجهت أستعماراً أوربياً يتقدم منها محاولاً أن يرفع الصليب ليستر مطامعه وراء قناع المسيحية . وكان معنى الوحدة قاطعاً في دلالته حين اشتركت المسيحية في الشرق العربي في مقاومة الصليبيين جنباً إلى جنب مع جحافل الإسلام حتى النصر .

واتحدت بالمشاركة في العذاب ، يوم حلت عليها غارات الغزو العثماني ، وأسدلت من حولها أستار الجهل ، تعوق تقدمها ، وتمنعها من الوصول إلى عصر النهضة في نفس الوفت الذي بدأت فيه أوربا عصر النهضة .

بل إن المنطقة أتحدت فيما تعرضت له في كل نواحيها ، من سيطرة الأستعمار عليها ، ثم كان أتحادها في الثورة على هذا الأستعمار بكل أشكاله ، ومقاومته في تعدد صوره .

                                                                                     جمال عبد الناصر   

لايختلف عاقلان منصفان على أن أوضاع الأمة العربية الآن ، بأردء ما مرت به في تأريخها الحديث ، وأن أهم ما يميز هذه الفترة الزمنية ... شيوع فكر الرِدِة والأقليمية ، والطائفية . وأن أكثر القوى الوحدوية القومية في الأمة العربية من أحزابها وحركاتها السياسية ، بقادتها وزعمائها ومناضليها ، باتوا اليوم منشغلين بالحفاظ على (الجزء) ، دون الأهتمام لأسس وثوابت حركة التحرر العربية لبناء دولة الوحدة الشاملة . وقد أفلح هذا (الإشغال) أو الأنشغال الداخلي بصناعة حركة قومية جديدة (تتماشى) مع متطلبات (المرحلة الجديدة) ، هذه المرحلة التي صاغتها تحالفات غير مقدسة بين مزيج من القوى السياسية الفاشلة واُلمُهلكة وطنياً والمُحبطة جماهيرياً ، والشخصيات الهزيلة والمهزومة التي أصبحت تتمحور حول نفوس مريضة لاتشعر بإنتماءٍ ما إلا بمصالحها ... والتي وجدتها بالتحالف مع أعداء الأمة من صهاينة وآمبرياليين وأعداء تأريخين أخرين .

ولاشك إطلاقاً أن السبب وراء هذه الحال تمكن عدونا منا بعد تشتتنا وتفرق كلمتنا ، وذهاب وحدتنا ، وتمزق تظامننا ، وأصبحنا نفكر بقطرية مفرطة ، أو أقسى من هذا فقد أصبحنا نغش أنفسنا بالأنتماءات والهويات الفرعية ، وتقاتل بعضنا مع بعضِنا ، واصبحت مرجعيتنا الولايات المتحدة وأسرائيل ، حتى ونحن بأمر حال ٍ من منهما ومن سياساتهما أتجاهنا . حتى أن الكلام عن الوحدة أصبح كالكفر ، في حين أن حالنا لاتختلف عن الشعوب التي أدركت نفسها ، وأنتصرت على أستعبادها وحققت أستقلالها . والعبرة الصينية أبلغ من أي مثل آخر :

(( كتب ماوتوسي تونغ (زعيم الصين) في كتابه (مختارات ماوتوسي تونغ) عن الحرب طويلة الأمد ، يتسأل عن الشروط التي تستطيع الصين أن تغلب في ظلها القوات اليابانية وتدمرها ؟

هناك ثلاث شروط ضرورية :

1 ـ خلق جبهة موحدة ضد اليابان في الصين .

2 ـ تشكيل جبهة موحدة ضد اليابان في العالم .

3 ـ الأخذ بيد الحركات الثورية الشعبية في اليابان .

وأهم هذه الشروط بالنسبة للشعب الصيني ، هو تحقيق وحدته الكبرى . ))

ولكن الحديث عن الوحدة العربية بعد خمسين عاماًً على قيام أول تجربة حقيقية لها في الوطن العربي ، صعب.. من الصعوبة الآنية ؟ ، في الواقع الذي تركته كل العمليات السياسية العربية. هذه الصعوبة التي تخلقها الأوضاع التي تحتاج للوحدة ، كونها المخرج الوحيد من الأزمة العربية المستحكمة . فجمهورياتنا ومملكاتنا ودولنا .. بنيت بشكل ٍ يتنافر مع هذه الوحدة ، خصوصاً بعد التحسينات (الديمقراطية) الجديدة التي فرضتها العولمة الأمريكية وفرسانها المحليين ممن جيروا لمصلحة الأعداء ، ويحاولون أن يجيروا طوائف وأقليات وفئات لتحويل أفرادها أدوات لمفخخات ومفككات أو مجزئات جديدة ، لغرض تأمين حالة ألا عودة للوضع الطبيعي والصحيح .

والكلام عن الوحدة العربية ، لن ينحصر فيها وحدها ، لأنها جزءٍ من كل ... ولأنها كذلك لاتهم جزء وتهم الكل ، فهي مشاريع الأستقلال ، وخطط التنمية ، وقوانين العدالة الأشتراكية ، والكلام في الوحدة العربية ، كلام عن عبد الناصر دون شك ، بما تمثله هذه الشخصية من تعبير عن مفاهيم وأهداف سامية جمعية لمسيرة الأمة العربية ، حملتها أجيال تلو أجيال ، في مقاومتها للجهل والظلام ، والكفر والشرك ، وصدت فيها الغزاة ، وأسقطت الطغاة ... تحمل الناس فيها الجور والظلم ، والعبودية والأستغلال ... كما شهدت فيه الحكمة والأيمان ، والعلم والبناء ، وحققت فيه أنتصارات ، وأقامت العدل والمساواة ... فشائت بكل هذا أن تتجسد في الثورة الناصرية وقائدها .

والحديث عن الوحدة ، حديث عن كل شيء في حياة العرب ... من الخصوصيات إلى العموميات، فهدف الوحدة يترأى في الخسائر والأنتصارات ، وفي السلم والحرب . وعلى العموم فوحدة العرب وقاية نهائية لكل ما يعانيه الوطن والمواطن بسبب التجزئة التي تخلق الضعف والحاجة للأخرين ، لأن الأمم الكبيرة الموحدة تصنع وتحصل على حاجاتها ، فلا تسمح لأن يتحكم في تلك الحاجات من خارج حدودها . فالحاجة تؤدي إلى أستغلال الأنسان للأنسان ، وأستعباد الأمم القوية للأمم الصغيرة والممزقة الضعيفة .

وليس هناك شك فيما قاله عبد الناصر لكاسترو عن أهمية الوحدة العربية ، كفكر وأستراتيجية أدبية وسياسية . ووفقاً لما ورد في كتاب محمد حسنين هيكل (عبد الناصر والعالم) فقد شرح عبد الناصر لكاسترو " أهمية وجود قاعدة للثورة . كالوحدة العربية مثلاً بالنسبة للثورة المصرية ، وأوضح الرئيس (عبد الناصر) لكاسترو كيف أن فكرة الوحدة العربية قد أعطت النضال المصري عمقاً وأمدت الثورة بالعمق الأستراتيجي والأدبي والسياسي ".

والأمن القومي العربي الذي يمتد ليستفاد من الأمن الأقليمي (بأي أسم .. أفريقي ، أسيوي ، أسلامي ) الذي يتبلور بين الحين والآخر في برامج وخطوط متعددة ، فإن أمتداد الأمن القومي العربي في الشمال الأفريقي نحو العمق الأفريقي وتأطيره لمصلحة العرب والأفارقة بشكلٍ عام ، لن يكون مُعترضاً عليه ، بل هو يحظى بالتأييد والمباركة . فما أقدمت عليه ليبيا في (الأتحاد الأفريقي) أو الولايات المتحدة الأفريقية ، من وجهة نظرنا رؤيا ليبية موفقة بتصعيد النضال العربي في مجال تحقيق الأمن القومي الذي سلكه عبد الناصر من خلال (الدائرة الأفريقية) في منظمة الوحدة الأفريقية ، والمؤتمر الأفروأسيوي وغيره ، ولكن الشرط الوحيد لهذا التواصل والأمتداد هو ربطه بالمحيط العربي الأفريقي الواحد .

ووفقاً لما قاله الأستاذ محمد حسنين هيكل في حوار له مع جريدة العربي الناصرية القاهرية في عددها 927 في 19 سبتمبر 2004 " أن الدول والقوى لاتعمل على محور واحد .. لافي تنافسها ولافي أتفاقها . وبأستمرار هناك علاقات جدلية بين الأشياء .. وأن هناك محاور وجبهات كثيرة مفتوحة لأي سياسة "

 فالأعتراض على هذا الجهد لن يكون بغير أغراض تصب بالفائدة للجانب الأخر الذي (يتربص) للأمن القومي العربي بشكل عام ، فقد كان من جملة البراهين أن هذا التحرك الليبي يصب في خانة المصلحة العربية ، إقدام ليبيا على تخصيص مبالغ باهظة لتعليم اللغة العربية ، وفتح أقسام لذلك في الجامعات الأفريقية ، وكذلك دعمها الدعوة للأسلام في أفريقيا لمواجهة ما يسمى بالتبشير بالمسيحية هناك ، حتى إن هذا الأسلوب تمكن من أفشال محاولات الأرتداد عن الأسلام والتي تجري من قبل منظمات مرتبطة بدول ومنظمات معادية للعرب والمسلمين ، على كل حال فإن ذلك على الأقل يمكن أن يؤمن طريقاً لخلق ثقافة أفريقية متقاربة أو موحدة مع ثقافة العرب .

ولعل المثل السوري ينطبق أيضاً مع نفس التوجه الليبي في علاقات سوريا الأقليمية والدولية ،وظهر تأثير التحرك السوري الغضب الأسرائيلي من تركيا التي كسبتها سوريا لصفها في المواجهة ، أن ذلك يمكن أن يقود لفكرة الأمتداد الطبيعي للأمن القومي العربي على الجناح الأسيوي ، ولكن بالطبع ليس على شاكلة حلف بغداد ، ولذلك فالعرب الأسيويين يجب أن يكونوا أدرى بمهمتهم ومصالح أوطانهم  ، والأستفادة من الشعور المتولد بالأرتباط بالأمن العربي من خلال الإطار الأسلامي ، ومن الأكيد أن يؤثر ذلك أيجابياً على العرب .والواضح جداً أن الغرب ، والولايات المتحدة الأمريكية بشكل ٍ خاص يحس بخطورة الأمتداد الأمني العربي نحو الجانب الأسلامي ، فأستعد لخرق (النطاق) الأمني الأقليمي من خلال مساعدة الأكراد على تكوين (كيانه) على أستراتيجية أمنية تختلف في أبعادها مع الأمن القومي العربي ، الذي يجب أن يخضع له الأكراد في العراق على أساس أنه كيانهم الكردي كيان عراقي ،  والعراق جزءً من الأمة العربية ، ولكن هذا الكيان الكردي لم يختلف مع أحتياجات الأمن القومي العراقي والعربي فقط ، ولكنه أختلف مع الأمن الأسلامي (الأقليمي) ، ناهيك عن كون هذا الكيان لايملك أستراتيجية أو صيغة لأمن كردي (مستقل) ، فانساق (قادته)  لربطه بأستراتيحية الأمن (الغربي) . حتى أن القادة الأكراد عرضوا بشكل علني أقليمهم (لإستضافة) القواعد الأمريكية ... وبدون قيد أو شرط . والتبرير الوحيد لهذا السلوك الغريب هو الشعور بالغربة والعداوة التي خلقها التعامل الكردي مع شعوب المنطقة عموماً والعرب خصوصاُ ، لاسيما في العراق .

ولعل الجملة التالية التي وردت في حديث لفهمي هويدي مع مجموعة من السياسيين والمثقفين العرب من بينهم الأستاذ محمد حسنين هيكل نشرته جريدة العربي الناصري (نفس المصدر السابق)، هذه الجملة التي كان زمانها قبل أكثر من ثلاث سنوات ونيف ، حول  دور الأكراد في خرق الأمن القومي العربي والأقليمي :

" أسرائيل مراهنة كثيرا على الأكراد ، والأكراد قنبلة متفجرة . تركيا مستعدة لأن تحارب وإلى أبعد مدى فيها . وقد قرأت مفاضلة بين العلاقة الكردية الأسرائيلية ، والعلاقة الأسرائيلية التركية .. كيف ..؟ أن أسرائيل مستعدة للمراهنة على الأكراد أكثر من مراهنتها على الأتراك . لأن علاقتهم التأريخية وثيقة جداً والأستخدام متبادل . وكذلك الأكراد يمكنون أسرائيل من أن تنشط على الحدود الأيرانية أو السورية ـ جريدة العربي المصرية العدد 927 الصادر في 19 سبتمبر أيلول 2004 " .

الوضع العربي تتزايد فيه المخاطر على الأمن القومي بشكل ً ملحوظ ، فبالإضافة لأتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وأسرائيل ، وأتفاقية وادي عربة بين الأردن وأسرائيل ، و(أتفاقيات) السلطة الوطنية الفلسطينية مع أسرائيل (أوسلو وغيرها) ...  ، هناك أتفاقيات عديدة تخترق الأمن القومي العربي ، خصوصاً في الخليج العربي ... بل إن هناك آليات لهذه الأتفاقيات (قواعد عسكرية وأشراف على القوات الوطنية وتدريبها ومصادر أسلحتها) ، وكان أخر عقد لصناعة آلية جديدة منح فرنسا قاعدة في دولة خليجية . ولابأس بأن نُذكر بالعلاقات الموريتانية الأسرائيلية ، وبالتواجد الصهيوني في المغرب .

وليس بعيداً قوى الموالاة (جماعة 14 شباط) في لبنان ، التي تظم بين (قيادتها) سمير جعجع قائد ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي الذي أنشئه ودربه وموله الكيان الصهيوني ، وأشرف عليه كذلك . وإذا كان أحتلال العراق الأمر الكبير الذي قلب الأمور في مسألة الأمن القومي رأساً على عقب ، فإن مشاريع هذا الأحتلال .. رغم أنها تراجعت في ظاهرها .. لكنها ستكون المسمار الأخير في نعش الأمن القومي العربي في حال تمريرها ؟!

ولعل ما يدفعني للتراجع قليلاً عن الآمال ، أصرار القوى المحلية في العراق على تنفيذ أدوارها التجزيئية ، فقد أحسست برائحة الحرب الباردة بين أطراف العملية السياسية ، وبالصفقات التي تتم على حساب المواطن العراقي والأمن القومي العربي ، فالقوى الفدرالية خرجت عن (أستكانتها) ، بل وحتى على تحالفاتها ، وأستخدمت قوتها لأيقاف التصويت على قانون المحافظات ، حيث وجدت فيه ما يتنافى مع هدف تقسيم العراق  .

أنني أكاد أستغرب كما أستغرب الزعيم الخالد جمال عبد الناصر من دالاس لدى طلبه أنظمام مصر لحلف ضد الأتحاد السوفييتي ، وأستغرابي هنا من التهويل من التدخلات الأقليمية (وهي موجودة دون شك ومن الجميع ، ولكن لم يحاول طرف وطني توجيهها للمصلحة الوطنية)  ونتناسى الواقع السياسي الذي توجهه (وجهات) نظر تقسيمية .. تجزيئية ، ولاتنحصر هذه الحيرة في هذا الأمر ، إنما تطال آولئك الذين يتصرفون بخلافها ، وهم من أطراف العملية السياسية نفسها في تعاملهم مع الشيطان الكبر الذي يقف خلف تلك المشاريع ، وأقصد به الأحتلال  كما أقصد به حزب الدعوة الذي يترأس الحكومة والذي يحاول أن يبني جسور مع الأطراف الوطنية خارج العملية السياسية .

ولكي لانقع في خرقٍ تأريخي كبير ، فنقع في شرك منح الشرعية للأحتلال من خلال أتفاقيات معهم ، أروي الحادثة التأريخية التالية ، وهي نموذج للعلاقات العربية الأمريكية : في أحد لقاءات عبد الناصر مع دالاس ، طرح الأخير فكرة قيام حلف ضد الأتحاد السوفييتي وأكد على أهمية أشتراك مصر في هذا الحلف ، قال عبد الناصر :

(( ولماذا ؟ أن الأتحاد السوفييتي يبعد عنا 5 ألاف ميل ، ولم نقم قط مشاكل معه كما أنه لم يهاجمنا أبداً . ولم يحتل أرضنا أطلاقاً . ولم يكن له قط قاعدة في مصر بينما لاتزال بريطانيا في مصر أحتلالاً أستعمارياً منذ سبعين عاماً .

فقال دالاس :

لابأس .. لكن الأنجليز الذين سيبقون هنا في ظل هذا الحلف ، سيبقون في القاعدة تابعين للحلف ولن يسمح لهم برفع العلم البريطاني ، إنما سيكونون في ظل علم الحلف .

رد عليه عبد الناصر :

إنني إذا أخبرت شعبي أن وضع البريطانين هنا سيتبدل ، وأنهم سيتحولون من محتلين إلى شركاء بمجرد تغيير العلم ، فإنهم سيضحكون عليَ . أنهم سيفقدون إيمانهم بيً وسوف يقوم أناس آخرون يبدأون نشاطهم سراً تحت الأرض ويربحون ثقة الشعب . وإذا توقفت عن قيادة شعبي كزعيم قومي ، فإن قادة وطنيين آخرين سوف يقومون ، ويجب أن يقوموا وسوف يقودون المصريين وسيستثمرون مشاركتي وعضويتي في الأحلاف المعقودة معكم ليقولوا إنني عميل لكم وصنيعتكم .))

ولكننا نصبر أنفسنا على ما نتلقاه من رغبات في تخليص الوطن من الأحتلال .

وعلى كل حال فالوحدة التي نحتفل بذكراها الطيبة ، تحطمت بفعل عوامل عديدة أهمها تأمر خارجي وداخلي عليها ، وأسباب أخرى ، لكنها في تحطمها لم تقضي على الوحدة العربية الجماهيرية ، ولم تقضي على الوحدة العربية كفكرة ثابتة في الوجدان العربي السليم ، بل ربما كان الأنفصال قد زاد الوحدة الجاهيرية قوة ً وتماسكاً ، فظلت القيادة الناصرية تستخدمها لتطرق بها رؤوس الأحتكارات والأحتلالات ، والحكومات العميلة ... فتحررت أقطار من ربق الأستعمار ، وأستعادت غيرها القواعد العسكرية من القوات الأجنبية التي كانت تحتلها ، واُستبُدلت حكومات عميلة بأخرى وطنية .

ولأن التأريخ أنساني بالدرجة الأولى وفقاً لما قاله محمد حسنين هيكل في برنامجه من قناة الجزيرة الفضائية في 7 /2 / 2008 ، فإن ما يهمنا اليوم هو الوحدة الجماهيرية العربية ، فهي التي تستطيع أن تستعيد مستويات المجابهة العربية بشكلها القوي لإعادة أحترام فكرة بناء الكيان القومي العربي الواحد من جديد ، والعامل الأنساني هو الأهم لأنه أداة التحكم بالجغرافية العربية ، ومقرر الفوز والنصر بين القوى المتصارعة .. قوى التجزئة الخارجية والداخلية ، والقوى الجماهيرية التي تتعلق حياتها بالوحدة .

وإذا كان من مثل قريب يثبت ذلك ، فإن سقوط جدار غزة لايحتاج لتفسير أو تأويل لأنه عبر عن أداة التحكم بالجغرافية ، التي تعود تلقائياً لشكلها الطبيعي الواحد ، وأيضاً من قبلها وبعدها ، الأتهامات عن الأرهاب القادم من سوريا في مواجهة الأحتلال الأمريكي للعراق ، وشكوى قوى 14 شباط اللبنانية وأسرائيل ومن خلفهما الولايات المتحدة وفرنسا من (التدخل) السوري في الشؤون اللبنانية الداخلية .

ولانريد أن نتدخل في طريقة تقييم هذه (التدخلات) ... بالتورط والأرهاب ، أو المقاومة والنضال القومي . فبين هذا وذاك هناك واقعاً شعبياً عربياً وحدوياً يرفض فكرة التسليم بالتجزئة .. وسموهُ ما شئتم فالتسمية لن تمنع خضوع الأمر بشكل تام لأستراتيجية الأمن القومي .

لقد بسطت الولايات المتحدة مفهومها لألمن القومي الأمريكي تحت تغطية العولمة ، ويستطيع العرب بسط مفهومهم للأمن القومي العربي تحت عناوين الأمن الأقليمي ، وألأمن الأسلامي .

 

رؤيا في الحلول

الأمن القومي العربي لن يكون في قبضة الحكام والأنظمة ، فتلك مقولات دحضها التأريخ ، والغتها التجارب . ومع ذلك يجب البحث عن كل ما لايصطدم بوضع الحكومات والأنظمة إذا اُريد حلول مشتركة بين القطاعات الشعبية والأنظمة . والحكم الفدرالي العربي أحد أهم النماذج التي يمكن أن توصلنا إلى الوحدة الشاملة . هذا ما سنتحاور فيه في القسم الأخر من هذا الجزء.

( ملاحظة : بيت الشعر الذي تقدم هذا الجزء من الدراسة ، لايعبر عن إحباط لقائله ، ولكنه تحفيز لقارئه )

                                                       بغداد العروبة 10 شباط فبراير 2008