تسعة مليارات دولار وسبعة ملايين جواز سفر مسروقة!
هارون
محمد
في الوقت الذي كانت
وكالات دولية تابعة للامم المتحدة عديدة، ومعها منظمات انسانية غير رسمية كثيرة
تطلق نداء عالميا موحدا هو أشبه بدعوة استجداء لجمع مئتين وخمسة وستين مليون دولار،
وصف بانه اغاثة طارئة للعراقيين المحتاجين الي الغذاء والصحة والتعليم والماء
والكهرباء والمأوي والخدمات العاجلة،
ريثما تتمكن الحكومة العراقية من حشد قدراتها ومواردها وتصبح في وضع يساعدها علي
تقديم مساعداتها لشعبها ـ كما جاء في مقدمة النداء ـ كان مجلس النواب في المنطقة
الخضراء يوافق علي منح حزبين كرديين يقودهما مسعود بارزاني وجلال طالباني ويسيطران
علي ثلاث محافظات (اربيل والسليمانية ودهوك) والاخيرة اداريا هي قضاء سكانا ومساحة
حولها النظام السابق في واحدة من أخطائه التي لا تغتفر الي محافظة سالخا اياها من
محافظة نينوي (الموصل) قرابة تسعة مليارات دولار أي ما يعادل سبعة عشر بالمائة من
موازنة العراق لعام 2008 البالغة ثمانية واربعون مليار دولار، في عملية اختلاس في
وضح النهار من قوت الشعب العراقي وثرواته الوطنية، لان الجميع يعرف جيدا أن هذه
المليارات المسروقة ستذهب الي جيوب وأرصدة الكبار في الحزبين الانفصاليين ولن ينتفع
منها الاكراد الذين يعانون الفاقة والحرمان والكوليرا المزمنة.
ولان حكومة نوري المالكي ليست عراقية الا بالاسم، ولا تتمتع بمواصفات او ارادة
وطنية، والامر نفسه ينطبق علي برلمان المنطقة الخضراء الذي يديره ثلاثة، رئيسهم
درويش من العصر الحجري يصلح معلما في الكتاتيب، والاثنان الاخران ملا (محسّن) يلبس
عمامة بيضاء لزوم الشغل وطائفي حد النخاع، والثالث (بيش ميركة) ببدلة ورباط ، ولعل
هذا البرلمان هو أغرب برلمان في العالم، لانه يضم أعضاء زوروا اسماءهم وألقابهم
واصولهم وشهاداتهم الدراسية وفيه اكثر من عشرين عضوا من غير العراقيين بعضهم ما زال
موظفا في دول اجنبية يقبض راتبه الشهري منها بانتظام، وفي هذا المجلس قتلة زهقوا
أرواح الالاف من الجنود والضباط والمواطنين العراقيين الذين كانوا يؤدون واجباتهم
الوطنية والوظيفية في شمال العراق وخلال الحرب الايرانية العدوانية علي العراق،
وفيه معممون تظهر علي وجوههم علامات الدجل والنفاق وفي أصابع ايديهم خواتم الذل
والعمالة، وأحد هؤلاء أمضي ستة أعوام يتولي منصب رئيس أركان فيلق بدر في ايران،
وعلي يديه تخرج مئات من المجرمين كان يرسلهم دوريا الي العراق لاغتيال الابرياء
والامنين وتخريب الطرق والجسور، وكان يساعده في مؤامراته ومخططاته الدنيئة رئيس
لجنة في البرلمان حاليا، وفي المجلس اعضاء عليهم مذكرات القاء قبض قانونية عراقية
صدرت عليهم لارتكابهم جرائم وانتهاكات ضد مواطنين اكراد وعرب، وهناك ملاحقات قضائية
دولية امريكية وفرنسية وكويتية ما تزال سارية ضد اثنين من أعضاء البرلمان، يداومان
في مقر فيلق القدس في طهران، ويتسلم رفاقهما رواتبهما ومكافآتهما وكالة عنهما في
بغداد.
وعندما يخصص مبلغ تسعة مليارات دولار لثلاث محافظات كردية ـ كما قيل ـ فهذا يعني ان
المبلغ المتبقي من أصل الموازنة السنوية وقدره تسعة وثلاثون مليار دولار سيوزع علي
خمس عشرة محافظة عربية من ضمنها العاصمة بغداد، التي ستكون حصتها من الموازنة في
عملية حسابية بسيطة ملياري ونصف مليار دولار أي أقل من تخصيصات محافظة دهوك التي لو
جمعت سكانها في البلدات والقري والقصبات التابعة لها، لما تجاوزوا سكان الاعظمية أو
الكرادة الشرقية، هذه هي العدالة والا فلا..!
وللعلم ايضا فان حكومة المالكي التي جادلت لاسابيع مضت في النسبة التي طالب بها
الحزبان الكرديان من الموازنة، لم تستطع الثبات علي موقفها في رفض المطالبة الكردية
رغم ان الحكومة كانت علي الصح خصوصا وان وزارة التخطيط قدرت النسبة المستحقة
للمحافظات الكردية الثلاث باقل من 13 بالمائة، ولكن هذه الحكومة بسبب هزالها وهشاشة
رئيسها ووزرائها ضعفت امام ضغوط من داخلها وخارجها وخصوصا المجلس الاعلي بقيادة عبد
العزيز الحكيم الذي استمات نوابه في الدفاع عن النسبة الكردية لاعتبارات تحالفية
وكذلك جماعة طارق الهاشمي ومجموعة اياد علاوي لاسباب انتهازية، والمثير في الامر ان
الحكومة توقفت في المطالبة بايرادات المنافذ الحدودية مع تركيا وايران من زاخو
شمالا الي المنذرية وخانقين شرقا التي يستحوذ عليها الحزبان الكرديان وقدرت في عام
2007 باكثر من اربعة مليارات دولار، يفترض ان تدخل في خزانة الحكومة المركزية كما
يصفونها، في حين ستقوم الحكومة بصرف ملياري دولار خارج التسعة مليارات، من تخصيصات
المحافطات العربية الي قوات البيش ميركة كرواتب ومكافآت واسلحة ومعدات وتجهيزات علي
أساس انها قوات حدود عراقية، مع ان مسعود بارزاني يرفض نقل وحدات منها الي مناطق
الحدود الاخري في الغرب والجنوب لانها في رأيه وحدات كردية خالصة ليس مهمتها حماية
حدود العراق البلد والسيادة، فهذه قضية لا يؤمن بها، وهو ايضا لا يسمح بتنقلات
الجيش والشرطة العراقية الحكومية فيما يسمي بكردستان، وعندما حدثت الازمة بين تركيا
وسلطات اقليمه بسبب ايوائها مسلحي حزب العمال الكردي التركي قبل شهرين، راح يستنجد
ببغداد التي يكرهها من اعماقه كما ورد في كتاب بول بريمر (عامي في العراق) ويعلن ان
المنطقة الكردية جزء من العراق وعلي العراق ان يدافع عنها، اقترح وزير الدفاع
المدعو عبد القادر جاسم في حينه ارسال وحدات رمزية عسكرية تابعة لوزارته الي المدن
الكردية لغرض الاستعراض، غير ان رئيس اركان الجيش العراقي الحالي وهو ضابط كردي
برتبة ملازم اول من اقارب مسعود وهارب من الجيش العراقي السابق عام 1974 ومطلوب
للعدالة، رفض الاقتراح وطالب ان تذهب قوات الحكومة الي خطوط الحدود مع تركيا مباشرة
دون المرور بالمدن الكردية لان مرورها بهذا المدن استفزاز لمشاعر الاكراد حسب رأيه
السقيم.
لقد تحول قادة الاحزاب الكردية في زمن الاحتلال البغيض الي اشبه بـ(منشار) يأكل
صعودا ويأكل نزولا، فهم يتحكمون بموارد وكمارك شمال العراق ويستولون علي ثروات
المنطقة ولهم حصص يومية ثابتة من نفط كركوك، ولا يصرفون دولارا واحدا علي شؤون
واحتياجات المواطنين الاكراد التي تشير التقارير الدولية والامريكية تحديدا الي
صعوبات لا حصر لها تواجه الانسان الكردي العادي علي صعيد العيش والصحة والتعليم
والحرية ايضا، وآخر هذه التقارير صدرت عن مركز امريكي يوصف بانه صديق للاكراد
ومتعاطف معهم هو امريكان انتر برايز الذي كشف عن فساد هائل واختلاسات لا حدود لها،
ونقل صورا رهيبة عن معاناة الاكراد من تسلط حزبي مسعود وجلال، والاخير يعترف بان
عدد اصحاب الملايين في السليمانية كان ستة حتي الاحتلال عام 2003، قفز في العامين
الماضيين الي ثلاثمئة مليونير معتبرا ذلك نهضة تنموية دون ان يذكر الالاف من
المواطنين الاكراد الذين باتوا تحت خط الفقر، والالاف الذين لا يجدون لقمة عيش
شريفة، والالاف من العاطلين الذين يبحثون عن فرصة عمل فلا يجدون، ومؤخرا قرأنا
تصريحا أدلي به الشيخ علي بابير أحد قادة الحركة الاسلامية الكردية لوكالة انباء
امريكية استعرض فيه حجم الفساد والسرقات في المنطقة الكردية وجاء فيه: (لم يبق لنا
نحن الاكراد غير الله تعالي، لانهم لا يقدرون علي سرقته سبحانه منا)، ولم يكتف قادة
النهب بما فعلوه في شمال العراق من تخريب ودمار وسرقات، وانما امتدت اياديهم الي
بغداد يلهفون من تخصيصاتها المالية ويستولون علي المناصب الرئاسية والوزارية
والعسكرية والامنية والحكومية وكل واحد من هؤلاء استحوذ علي عشرات القصور الرسمية
والاهلية بالقوة وآخر ضحاياهم الكاتب والصحافي المعروف حسن العلوي الذي تمكن مسؤول
كردي يعمل في مكتب نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي المنتفجي من الاستيلاء علي
دار اسرته في حي الزوية بمنطقة الكرادة الشرقية بطريقة مافياوية، وعندما اتصل
العلوي وهو في الشام بمكتب نائب الرئيس يشكو له ما حدث لدار العائلة، رد عليه مدير
المكتب وهو من آل الخليلي ويعرفه العلوي جيدا أن السيد النائب المحترم يقول لك:
اذهب الي القانون ليحل لك مشكلتك، وهنا رد العلوي علي مدير المكتب ساخرا: واين كان
القانون الذي يتحدث عنه عادل ابن سيد عبد المهدي عندما سلب احد مسؤولي مكتبه وهو
غريب ليس عن حي الزوية وانما عن بغداد كلها، بيت عائلة عراقية بغدادية ورثته أبا عن
جد؟
ان انتهاكات الحزبين الكرديين ولصوصية قادتهما في سنوات الاحتلال فاقت حدود التصور،
وآخر صور هذه الانتهاكات ان وفدا كرديا سافر الي المانيا واتفق مع المطابع فيها
لطبع سبعة ملايين جواز سفر عراقي جديد استحدثت فيه حسب تصريحات العقيد صالح عثمان
مدير جوازات السليمانية لصحيفة كوردستاني نوي خانة باللغة الكردية يكتب بها اسم
الشخص وعنوانه وومهنته والمعلومات الخاصة الاخري الي جانب اللغتين الانكليزية
والعربية. وبالتأكيد سيتم توزيع هذه الجوازات علي اكراد تركيا وايران وسورية
واذربيجان الذين خدعتهم القيادات الحزبية الكردية واستقدمتهم الي شمال العراق، لان
عدد جوازات السفر الجديدة هو اكثر من ضعف سكان الاكراد من الطفل في يومه الاول حتي
الشيخ الواصل الي القبر.
انها محنة أنزلها الغزاة الامريكان علي رؤوس العراقيين عندما غلبّوا العملاء
والخونة والسراق والعصابات الطائفية والعنصرية علي هذا البلد العربي صاحب الحضارات
والمفاخر والامجاد، وسلموه الي أسوأ النماذج المحسوبة علي البشر، خلقا واخلاقا
وطبيعة وسلوكا، دون ان يدركوا ان الاحتلال سيزول حتما في يوم قادم لا شك فيه،
وعندها سينكشف اللصوص ولم تعد لهم ركيزة او سند، وتطلع الشمس علي الحراميه، للعلم
فان جرائم الغدر والاغتيال والاجتثاث وسرقات المال العام والخاص لا تسقط بتقادم
الزمن، هذا حق انساني وحقيقة قانونية.