زوايا حرجة
البطالة وقول الراوي
جليل نعمة العبادي
حينما يكثر الفساد المالي والاداري ويكثر اللعب بالمال العام ويتجبر السحت ويغيب التخطيط والتدبير وتتسلط ادارات فاشلة ليس لها نصيب من الخبرة والكفاءة والتحصيل الدراسي يختلط الحابل بالنابل وتهتز قياسات الربح والخسارة وتضيع فرص تمتين الاقتصاد وتتوسع دائرة البطالة ويستعلي شأن الجوع والعوز والمختصون يقولون ان من دوافع انحراف الانسان عن جادة الصواب هو الشعور بالجوع والعوز ويعزون ذلك الى تمادي السطوة على حرمات الناس وعلى بيوتهم وعلى سياراتهم ولأن الفاعل يريد أن يتستر على جرمه يتطاول على حياةالابرياء ولكنني اختلف مع اصحاب هذه البديهيات لأن اجدادنا عاشوا ضنك العيش وتحملوا الجوع والعوز غير ان اعصابهم كانت من القوة بحيث منعت الاختراقات الشيطانية فالتربية والخلق الرفيع والتمسك بحبل الله المتين تحصن الانسان وتعطيه المناعة ضد الانزلاقات لكي يعيش بصبر وجرأة وهو يتحدى ذلة الانحراف وسطوة الفساد وازهاق الارواح , وفي العراق بطالة متفشيةٌ وقاهرة وسلب ونهب وجوع وعوز امام الغنى والجاه والبطالةالمقنعة التي أمسكت بزمام دوائر ومؤسسات الدولة وتحكمت بمقاديرها , ولقد برزت بعد الاحتلال ظاهرة تخدش الحياء الانساني وانسانية الانسان وتجرح العدالة والمساواة من خلال تعيين ذوي القربى واقصاء المساكين فكل وزير ومسؤول ومدير في الدولة ممن جاءت بهم المحاصصة في الدولة العراقية يميل اكثر من ميلة واحدة الى تعيين اهله واقربائه وصحبه من رهطه ومن فئته وحزبه دون الاكتراث بالاخرين مضحياً بسمعته والديمقراطية والحرية والمساواةاللواتي سمعها الاخرون يتشدق بها ويفتي بها في مجالسه وحواراته وعلى شاشات التلفاز ويتحدث عنها لوسائل الاعلام بشراهة وشراسة وكأنه اول مخترع في الدنيا لهذه المفدات السائغة , ويقول الراوي: كان ما كان في قديم الزمان ان مهندساً كان يعمل مديراً لدائرة في احدى المحافظات الجنوبية وقد تولع بتعيين الاهل والاقارب والاصدقاء وبصرف النظر عن غيرهم وعندما طلب احد اقربائه مساعدته بالحصول على فرصة عمل استدعى مدير ادارة دائرته فنصحه بتعيين هذا الرجل حارساً على قنطرةٍ على نهرٍ فرعي وحين مباشرة هذا الحارس الجديد وجد قبله زميلاً يحرس القنطرة ومن اقربائه وقد تعين بنفس طريقته ولكن قبل اكثر من خمس سنوات على هذه القنطرة العتيدة وبعد شهر قال لهما رئيس الجمعية الفلاحية ان قانون العمل والضمان الاجتماعي يمنع اشتغال العامل اكثر من ثمان ساعات وعلى عجل ذهب الاثنان الى مديرهم الفطحل وطرحوا عليه مشكلتهم الذي استدرك فعين ثالثاً ومن اقرباء زوجته على وفق مبدأ صلة الرحم ولكي يثبت التزامه بالقانون والنظام والعرف والاعراف , ويقول الراوي: ان محاسب المديرية طلب من مديره تعيين شقيقه وان كان دون السن القانوني محاسباً لصرف رواتب حراس القنطرة فعينه على عجالة ثم يأتي دور مدير الادارة ليعين ابن عمه مسؤولاً عن شؤون ادارة القنطرة , ولا اطيل عليكم فقد استحدث مدير الري شعبة حملت اسم شعبة القنطرة ووضعها في اولويات هيكليته الادارية وبعد ثلاث سنوات من عمر المدير هذا في دائرته نُقل الى موقع عمل آخر ليخلفه مدير جديد سرعان ما اصطحب مدير ادارة الدائرة ليتفقد مشاريعه وشعب واقسام دائرته , وعندما اطلع على هيكلية المديرية الادارية وجد على رأسها شعبة القنطرة فأوعز اليه لتفقد موقع شعبة القنطرة سوية على غرار جولاته التفقدية وعندما وصلا الى مكان معين على ضفة احد الانهر وجدا رجلاً له شاربان يصلان الى أذنيه طويل القامة وعريض المنكبين وله كرش متهدل واقفاً يتفحص مجرى النهر فسألاه عن موقع شعبة القنطرة فأجابهما: لقد وصلتما ,هذا هو موقع عمل شعبة القنطرة, غير ان المدير الجديد سأله عن احوال القنطرة فأجابه الحارس الامين , هي بخير لكن جرفها الماء وغابت عن الانظار غيبة طويلة امتدت لأكثر من سنتين , أما مدير الادارة فسأل هذا الرجل عن الحارس فرد عليه:- نعم انا الحارس ثم اردف مدير الري الجديد وماذا تحرس الان؟ فأجابه الحارس احرس مكان القنطرة , هذا والعهد على الراوي وانا لله وانا اليه راجعون.