الإطماع الفارسية .. حقيقة غائبة

 بقلم : أبو ذر

 

        على هامش مشاركته في معرض لندن للكتاب (14-16 نيسان 2008) ، وردا منه على سؤال لأحد الصحفيين العرب حول أسباب وتداعيات امتناع الدول العربية عن تفعيل نشاط سفاراتها في بغداد ، أستذكر الأمين العام لجامعة الدول العربية وقائع القتل والاختطاف التي تعرض لها دبلوماسيي بعض الدول العربية ما بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد العروبة ، وقال :((أن تجربة الدول العربية في إرسال دبلوماسييها إلى العراق كانت مأساوية)) ..، مشيرا إلى انعدام الأمن والاستقرار ، ومؤكدا على أنه :((حتى المنطقة الخضراء تقصف بشكل يومي)) ..، ثم أضاف بأن الدول العربية ((غير مستعدة للدخول في الحرب هناك ولن تدخل الصراع الطائفي أو أي صراع قائم في العراق)) . ثم أختتم رده بالدعوة لفتح صفحة للحوار مع إيران والابتعاد عن كل ما من شأنه إن يثير صراعا عربيا – إيرانيا ، مشددا في ذات الوقت على :((إن الدول العربية تحترم المصالح الإيرانية في العراق وكذلك على الإيرانيين أن يتجاوبوا في هذا السياق)) .

أبتداءا ، وقبل أي تعقيب ، لا بد إن نسجل رفضنا وإدانتنا لجميع الإعمال الإجرامية التي طالت حياة أو حرية أو راحة أو أموال الدبلوماسيين العرب الذين حملتهم حكوماتهم الإقليمية للعمل مكرهين في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي . إذ تؤكد المعلومات المتواترة من مصادرها الموثوقة بأن غالبية هؤلاء الدبلوماسيين لم يكن لهم خيارا يذكر في رفض المهام المناطة بهم من حكوماتهم إلا بتركهم لوظائفهم . ونحن لا نسجل هذا التزاما منا بمواثيق ومعاهدات تلزم الدول ، ومن ثم رعاياها ، باحترام الأصول والقواعد الدبلوماسية المرعية فيما بينها ..، فالحقيقة إننا نؤمن بان العرب امة واحدة ، وان التجسيد الموضوعي لوجودهم التاريخي هو إن يكونوا ضمن إطار دولة قومية واحدة ، وان تجزئتهم على دول شتى علاوة على كونه نقيض لحتمية صيرورتهم التاريخية فانه واقع اختلقه التقليديون من المستعمرين ويديمه الإقليميون العرب بمباركة الامبرياليين من الرأسماليين ، وبالتالي فنحن إذ نرفض تجزئة امتنا العربية ، فإننا نرفض ما ترتب عليها من نتائج وتعاملات تمس وحدة وجودنا ومصيرنا القومي ..، ومع هذا فإن كل دولة ترتضي لنفسها إقامة علاقة دبلوماسية مع حكومة نصبتها دولة غاصبة لدولة أخرى أو مستعمِرة (بكسر الميم) لشعبها أو محتلة لأرضها أو مهيمنة على سيادتها ، إنما تنتهك بالسافر من الفعل المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه القواعد والأصول الدبلوماسية السوية ما بين الدول ، حيث تسلم كافة الأعراف والمواثيق الدبلوماسية بان تكون العلاقات الدبلوماسية القائمة بين الدول مستندة في وجودها إلى التعامل مع حكومات حرة وشرعية ممثلة لشعوبها ومعبرة عن إرادتها الوطنية ..، وهذا يعني تماما إن أية علاقة دبلوماسية قائمة بين دولة ما وحكومة غير شرعية منصبة من قبل دولة أخرى ، بالقوة أو بالإكراه أو بالخديعة ، على شعب سلبت حريته ، أو ارتهنت إرادته ، أو انتزعت أرضه ..، تشكل عدوانا صريحا على ذلك الشعب ، بما تمثله من نتيجة متحصله عن العدوان القائم أبتداءا على إرادة ذلك الشعب ووجوده .

نقول : نحن لا نسجل رفضنا وإدانتنا للإعمال الإجرامية التي طالت بعض الدبلوماسيين العرب من الذين أجبرتهم حكوماتهم على العمل في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي بدافع من التزامنا بما استقرت عليه الأعراف الدبلوماسية ونصت عليه المواثيق المقننة لأصولها وقواعدها ..، أنما لنحدد بصريح العبارة موقفنا المبدئي من تلك الإعمال الإجرامية ، ولنؤكد إن هذه الإعمال الدنيئة إنما هي بعض من زرع المحتلين الأمريكان وعملائهم الذين قد لا يستهدفون منها إلحاق الأذى أو الضرر بضحاياها قدر استهدافهم الإساءة إلى مقاومتنا العراقية الباسلة ، وذلك من خلال الإيحاء والترويج بنسبة هذه الإعمال الإجرامية إلى بعض فصائلها البطلة . ومع إننا لا نشك في قدرة شعبنا العربي وجميع المنصفين في هذا العالم بالتعرف على الجهة التي تقف وراء الجرائم الشنيعة التي ترتكب على ارض الرافدين الطاهرة ، ومنها الجرائم التي حلت بالدبلوماسيين العرب ، بناءا على ما كشفته السنين الخمس العجاف الماضية من وحشية للمحتلين وصنائعهم ، ودناءة لأفعالهم ، وانحطاط لتدبيرهم ، وخسة لدسائسهم ، والتي تنهض جميعا شاهدا عدلا ودليلا قاطعا على مسؤولية المحتلين وعملائهم عن تلك الجرائم الخسيسة ..، فان في التصفية التي تشهدها الكفاءات والخبرات العراقية على أيدي عصابات المحتلين وعملائهم دليل أكثر قطعية على تعلق مثل هذه الجرائم بذمتهم القذرة .

إن ما قدمنا له ، إذ يسمي المجرمين بأسمائهم ، فانه من جانب آخر ، لا يعفي الأنظمة العربية من مسؤولية الاشتراك في تلك الجرائم بسبب انسياقها وراء سياسات المحتلين الأمريكان وضغوطهم لإضفاء الشرعية على حكومة نصبوها من العملاء والخونة . وبناء عليه نرى إن من تافه القول ما تردده بعض الأنظمة العربية تبريرا لتعاملها الدبلوماسي والسياسي مع حكومة المحتلين بضرورة عدم ترك الساحة العراقية لينفرد بها ذوي الإطماع التاريخية أو الإستراتيجية في المنطقة ..، إذ إن تبريرا مثل هذا يتبنى منطق المشاركة في أوحال الآثام والخطايا كسبيل وحيد لانهاءها ، لهو شكل من إشكال الفوضوية الفكرية التي ينأى العقل الإنساني السليم عن الوقوع في شراكها ، وانحطاط في الرأي ، وضحالة في الرؤية ، ومنكر من المواقف التي يترفع عنها جميعا الأسوياء من الناس .

ثم ..، وتوكيدا لصحة ما قدمنا ، ها هم يعترفون ضمنا وعلى لسان الأمين العام لمنظمتهم الجامعة بخطأ تدخلهم مناصرين أو مساندين أو متعاملين مع من نصبهم المحتلين حكومة على عرش وطننا المسلوب ، ويعلنون بكل صراحة ، عن عدم استعدادهم للدخول في الصراع الدائر على أرضنا الطاهرة ..، فهل طلب منهم أحدا التدخل فيما يتجاوز حدود مقدرتهم المحصورة ضمن حدود دولهم المصطنعة ، غير أولئك الذين يسومونهم ذل الوصاية وهوان التبعية ؟ .. أم تراهم يبحثون لبعض أنظمتهم الخائبة عن صك براءة كاذبة عما اقترفوه من جرائم مشينة بحق عراق العروبة ؟.. تلك الأنظمة الخائبة التي بلغت قمة إجرامها بحق العراق وأهله عندما استقتلت ليحشد الأمريكان جيوشهم على أراضيها وضمن مياهها الإقليمية ، ثم استقتلت لتكون أراضيها ومياهها وأجوائها مثابة للعدوان على ارض الفراتين ، ثم استقتلت لتثير موجة عارمة من التصفيات الجسدية بين العراقيين وعاصفة مدمرة من النهب والسلب والإتلاف لماضي العراق العربي وحاضره ومستقبله .

ومع كثرة الدعوات التي اعتاد الأمين العام لجامعة الدول العربية إن يطلقها في كل محفل ..، إلا إننا لم نجد من بين المبررات المحتملة المقبولة مبررا واحدا يمكن إن يقف وراء دعوته للحوار مع إيران . فإيران ، ومنذ بضعة عقود من الزمان تغتصب أراضٍ وجزر عربية ، فهل ينفع الحوار مع الغاصبين ؟ .. إن لكم في ((إسرائيل)) اللقيطة لعبرة . وما ((إسرائيل)) وإيران إلا وجهين لعدوان قائم على وجودنا القومي . وإيران ومنذ بضع سنين تدنس بمرتزقتها وعصاباتها ارض الرافدين الطاهرة وتطلق لهم العنان ليعيثوا قتلا وفسادا بين أهليها وهيمنة وتخريبا في ربوعها . فهل يجدي الحوار مع القتلة والمفسدين الفاسدين ؟ .. وإن لكم في أمريكا المجرمة لعبرة . وما أمريكا وإيران إلا وجهين لعدوان مستمر على أرضنا العربية . وإيران في كل حين لا تنفك عن التدخل في شأن الدول العربية ، ولا تتوقف عن إثارة النعرات الطائفية المقيتة فيما بين الشعب العربي الواحد ، أذكاءً لنار الفتنة والصراع فيما بين شرائحه ، وما العراق ولبنان وإمارات من الخليج العربي عنكم ببعيد .

ثم ما هي تلك ((المصالح الإيرانية في العراق)) التي تحرص الدول العربية – كما يقول معاليه – على احترامها ؟ ولماذا يحرصون مجتمعين على احترام هذه ((المصالح)) المزعومة ، في حين تحتل إيران بعضا من أراضيهم ولا تحترم ، بل لا تعترف ، بأية سيادة لهم عليها  ؟ ..أم هو نهج الاستسلام ومنهج الذل والهوان الذي اعتادوا عليه ، وما فتئوا يحرصون دائما على الوفاء له ؟  

إن ثمة حقيقة لم تزل غائبة عن إدراك الأمين العام لجامعة الدول العربية ، وجميع الدول العربية من بعده ، وهي إن الإطماع الفارسية في المشرق العربي لم تزل ومنذ آلاف السنين هي المحرك الدائم لعدوانيتهم المستمرة علينا ..، وعليه فإذا كان هدف عدوانهم في هذه المرحلة التاريخية هو السعي لبسط هيمنتهم على العراق العربي ومسخ هويته الإسلامية وطمس انتماءه العربي تمهيدا لإلحاقه ولاية تابعة لإيران الصفوية الفارسية ، فان هزيمة العراق العربي – لا سامح الله تعالى- لن تكون إلا بوابة عبورهم لتحقيق كامل مطامعهم من وطننا العربي . فهل يدرك التائهون في غفلتهم ما هم عليه مقدمون ؟

 

العراق المحتل 16/4/2008