عصر الخيبة

د.عبدالكريم هاني

 

كنت في لبنان في تشرين الثاني في العام 2006 حين ارتكبت الأيدي الخبيثة عملية اغتيال المرحوم بيير الجميل كجزء جديد من الخطة التي استمرت في إثارة المشاكل و إدامة الفتنة و منع كل احتمال للحديث المخلص بين ابناء لبنان  في وقت كان لبنان احوج ما يكون فيه للتهدئة و رأب الصدع . و في الساعات الأولى التي أعقبت الحادث الأليم توجهت الفضائيات العاملة في الساحة اللبنانية الى الأب المفجوع بابنه تحاول ان تسمع منه, و كان اغلبها مواسيا , و سمعت أمين الجميل يغالب آلامه بتلك الفاجعة و يتحدث بكبرياء و بحكمة رجل الدولة الذي تصغر مصيبته الشخصية مهما كبرت امام مسؤوليته الوطنية في ظرف يكاد يعصف بأمن الوطن و حياة المواطنين, و استطاع بحكمة ان يتفادى المزالق التي حاولت بعض اجهزة الإعلام ان تسوقه اليها , ربما استكمالا للحريق الذي افترضوا ان يكون الاغتيال شرارته الموقدة. و باءت كل محاولة للحصول منه على اتهام لأي جهة او شخص ممن كانت بعض الأطراف متلهفة لتوجيه سهام الاتهام اليها فقد كان اكبرمن الفجيعة, و لقد شعرت بارتياح كبير فقلت احدث نفسي ان بلادنا ما زالت بخير فما زال فيها رجال يتمتعون بالحكمة و الشجاعة في الوقوف امام الخطوب, و كم تمنيت ساعتها ان اكتب لهذا الرجل كلمة مواساة و فخر بموقفه ذاك..

كنت , و ما زلت بالرغم من كل اشكال المعاناة و المنغصات , اعتقد شخصيا ان لبنان فيها احسن ممارسة ديموقراطية بالمقارنة بما يسمى ديموقراطية في جميع البلاد العربية على الرغم من البناء الطائفي لبعض الأحزاب هناك و بالرغم من كل ما يشوب تجربتها من تقسيم و محاصصة طائفية و تأثير رؤوس تحكم و تتحكم بعيدا عن القنوات الدستورية علنا او من وراء الستار, لكن تلك التجربة تبقى الأقرب. و كان من الطبيعي ان نفترض ان الأحزاب التي يبلغ عمر بعضها عمر الاستقلال قد انجبت قيادات قادرة على قيادة العملية السياسية و السير بها بين كل تلك العقبات و المنغصات.

في قصص الحكمة التي قراناها جيلا بعد جيل تبرز حكمة سليمان (ع) في حكمه عندما اختصمت امرأتان على طفل تدعي كل منهما انه ابنها فاقترح قسمة الطفل بينهما لكل واحدة منهما النصف فصرخت احداهما تعلن تنازلها لغريمتها كي يبقى الطفل حيا , فعرف الأم الحقيقية بذلك الحرص الذي ظهر منها على حياة الطفل و حكم لها به. لسنا ندري كيف كان سيكون حكمه لو ان الامراتين وافقتا على قسمة الطفل نصفين , لكن لنا ان نفترض اله كان سيطردهما شر طردة جزاء ادعائهما الباطل بذلك الطفل.

تذكرت هذا السؤال و نحن نراقب كما يراقب العالم استمرار توافد ادعياء حكمة سيدنا سليمان على لبنان و كل منهم يظن انه جاء بما لم يأت به سليمان إذ نرى هذه النخبة من (قادة) لبنان يستمر صراعهم و يعجزون عن التوصل الى حل يحفظ للبنان امنه و يحفظ لهم قيمتهم و احترام الللبنانيين و العالم لهم بينما لبنان يحترق و النار توشك ان تبتلع الجميع, سواء منهم اللاعبين و المتفرجين لا تفرق بين ( النخبة ) و العامة فيعود لبنان عقودا الى الوراء او يتحول الى صومال آخر ليضيف الى هموم هذه الأمة هما جديدا بينما كانت تعول عليه ان يكون مثالا يحتذى.

نقطة اسجلها لأشقائنا البنانيين : يبدو ان الله سبحانه قد حباهم بنعمة الصبر و طول البال بما يفوق حصة البشر فاستطاعوا تحمل المحنة و الصبر على مسبباتها و مسببيها طيلة هذه الشهور و تقبلوا و ما زال اصحاب الشأن الحقيقيون يتفرجون و يتقبلون الجر و العر اللذين اثبتت النخبة انها بارعة فيهما غاية البراعة فما زال كل فريق يعود الى نقطة الصفر كلما اوشكت العقدة ان تقترب من الحل بينما تمضي الشهور و السفينة تدفعها الرياح و الناس تتساءل " أليس فيكم رجل رشيد." و يبدو ان طرفي المعادلة  يراهنان على هذا الصبر و طول البال و هم يقنعون انفسهم ان  ( المتفرجين )ما زال في قوس صبرهم منزع , بينما يخشى الآخرون ان ينقطع هذا القوس فيسمع العالم للوتر المنقطع دويا يصرخ عاليا " كششش" فيزيل عن طريق الوطن هذه المجموعة العاجزة!!!

هل هنالك خيبة أشد من خيبة الأمة بأبنائها إذ تراهم يتفرجون على اغتيال آمالها؟؟؟

عمان في 24/1/2008

البريد الالكتروني:   abdulkarimhani@yahoo.com