في ذكرى عاشوراء
دائماً مع الحسين
حسين الربيعي
إن أعظـم الخيانة خيـانة الأمة ، وأفـظع الغـش غـش الأئمـة
الأمام علي بن آبي طالب ع
تسقط الكلمات على الأسماع بأشكال مختلفة ، كما تؤثر المشاهد بالناضرين بأشكال متعددة . فهناك من تمر عليه هذه الأمور بشكلٍ معتاد وطبيعي ، وتترك في آخرين آثاراً عميقة .. نفسية وفكرية .
أقولُ هذا وأنا أحاول تفسير وقع الكلمات التي تنطلق من حناجر محبي أهل البيت ، بما تحمله من الحب والرثاء والتمسك بالثورة الحسينية ، من (فعاليات) شعبية غير موجهة وغير مبرمجة ! فالكلمات رائعة وصادقة ، وعميقة ومتواصلة مع دعوة الثورة ، أو ربما دعوة لإعادة الثورة ، أو لنقل لأستمرارها . خصوصاً وأن هذه الثورة تعود للأعماق .. تكشف الأسرار وتحدد الخيار والمسار .
أنها ثورة الحق ضد الباطل ، وثورة المظلومين ضد الأستبداد ، فأي ظلم هذا وذاك ؟ ذلك مايجب أن نفهمه قبل أن نتلبس الثورة بأشكالها ومظاهرها ، ونستوعب مبادئها وثوابتها ، لكي ندعي فيما بعد بالأنتماء اليها فالألتزام بالأهداف يتطلب التضحية والعطاء ، لأنه غير التشبه بالواجهة والغلاف . فالثورة .. أية ثورة حسب تعريفها المعاصر المأخوذ عن المصطلح اللاتيني ((Revolution ومعناه الحركة الدائرة المنتظمة والمشروعة للنجوم حول الشمس والتي لاتخضع لسيطرة الأنسان ، فكان معنى الثورة (الحتمية) أو وجوبية الفعل على التغييرات المفاجئة في النظم السياسية والأقتصادية . وهي أيضاً في تعريفاتنا العربية المعاصرة (عمل أيجابي جذري لتغيير الأوضاع السياسية والأقتصادية والأجنماعية في وطن من الأوطان من الحال الذي هي عليه فعلاً إلى الحال الذي يجب أن تكون عليه أصلاً )* .
فما بالكم إذا كانت هذه ثورة الحسين ، التي هي بعضٌ من جذوة الأسلام وجذوره ، أو أنها على الأصح جذوته وجذوره الأساسية والأصيلة ، وجوهره في أنسانية الأنسان وكرامته ، وهي أساسه في العدالة والمساواة وتقليص الفوارق بين الناس وتوفير حاجاتهم ، لأن الأسلام نفسه ثورة ( وظهور الأديان لم يكن إلا شكلاً من أشكال الثورة المنظمة)**
هذه الثورة لم تسقط نتيجة ما يسمى اليوم (الهزيمة العسكري) لأنها أصيلة وتنتمي للعقيدة والفكر ، وهي الحق ضد قوة الظالم ، ويحضرني هنا قول نابليون القائد الفرنسي الذي يتطابق مع مانريد أن نوضحه ( تسألني عن أعظم ما في الدنيا .. أنه أنتصار القلم على السيف ، وعجز القوة عن أن تنظم شيئاً . وإن حدث أن أنتصر السيف على القلم فلا يلبث القلم أن يهزم السيف) ، ورغم قوة الظالم وأمكانياته فقد تهاوت أمام الدم الموهوب كرماً للعقيدة والناس ، لذلك تهاوى خوف البسطاء من مستبديهم وتحول إلى حب واعتناق لشهادة الحسين .
أن أعتناق الثورة الحسينية أمانة ، وهي الأمانة التي تقع في رقاب المقتدرين والمتصدرين للزعامة والمتسلطين على الحكم ، وهي لمن لايفعل (لايصون الأمانة) كما يقول أبا الحسنين علي : وأن لم تفعل فإنك من أكثر الناس خصوماً يوم القيامة ، وبؤساً لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين والسائلون والمدفوعون والغارمُ وأبن السبيل ، ومن أستهان بالأمانة ووقع في الخيانة ولم ينزه نفسه ودينه فقد أحل بنفسه في الدنيا الخزي ، وهو في الأخرة أذلُ وأخزى.
وأعداء الحسين وثورته ، هم الكارهون للحق ، وسارقي أموال الناس ، والفاسدون ، والممتنعون عن الأنفاق والمانعين له ، والقابعون في قصورهم وجحورهم أو حصونهم ، الغافلون أو المتلذذون بأحزان الناس ..الأموات في الحياة أو الأحياء في القبور . هؤلاء هم أعداء الحسين حقاً وإن تزينوا بجلبابه أو أدعوا به ، فإنما دعاويهم (كلمة حق يراد بها باطل)***
وكيف نميز خيانة الأمة عن صيانتها ؟ فهل هناك خيانة أشد من التصافف مع الأعداء الغرباء والغزاة !!... وكيف نكشف غش الأئمة؟ إذاً هل هناك غشٌ أعظم من رهن حقوق الأمة وحريتها بيد الغزاة والمحتلين تحت أدعاء التحرير والديمقراطية !! ... (فمن أظلم ممن أفترى على اللهِ كذباً ليضل الناس بغير علم ـ الأنعام 144) .. فما بالكم بمن يحاول أن يظل الناس في أمريكا صاحبة الجيوش والعتاد والأسلحة والسجون وعصابات القتل المعدة لنا ولأبنائنا وتدمير أخلاقنا وديننا !!!
والحسين عربي أصيل ، لم ينكر عروبته أو يتبرأ منها ، وهو الذي أطلق مقولته لأعدائه يسترشد لهم طريق العودة عن الخطيئة والنجاة وسبيل الشرف حين قال لهم : عودوا لعروبتكم. فهل العداء للعروبة إلا مسلكاً لعداوة الأسلام ، وعداوة الرسول وأهل بيته ، وعداوة الحسين وثورته ؟
الذي يحب الحسين وينتمي له ، ويتمنى أن يقف يوم القيامة بين إمامته ، يكون دائماً مع الحسين ، في سره وعلانيته يلتزم بالنهي عن المنكر المتلازم مع الأمر بالمعروف بالمشروع الأصلاحي الوطني لمنع الوقوع في صخب (الفوضى) التي يترصدها لنا العدو وهمجيتها أو الرضوخ للهيمنة والأستكبار .
الذين يريدون أن يكونوا مع الحسين دائماً ، يضحون بمصالحهم ودمائهم وأرواحهم في سبيل مصالح الأوطان والأديان ، ولايضعون أياديهم بيد (الشيطان الأكبر)**** . وحتى لانقع في الخطيئة يجب أن أن نحفظ عن ظهر قلب مقولة الأمام الحسين ونتمسك بها :
الموت أولى من ركوب العار ، والعار أولى من دخول النار .
بغداد العروبة
4 محرم الحرام 1430
* جمال عبد الناصر
** محمد علي السهاري ـ تقدمية الدعوة الأسلامية
*** الإمام علي بن آبي طالب ع
**** حسب مقولة الإمام الخميني