وهل تصلح كوندوليزا رايس ما أفسده بوش؟
هارون
محمد
رغم ان زيارة وزيرة
الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس الاخيرة الي بغداد لم تستغرق غير تسع ساعات
بالحساب والتمام، الا انها كانت مشحونة باللقاءات والاجتماعات مع من يوصفون امريكيا
بالاصدقاء (العراقيين) الذين يحتلون المواقع والمناصب العليا في السلطة الحكومية
التي تتقاذفها الآن الاصطفافات الحزبية والكتلوية التي طفحت علي السطح مؤخرا، مع
استمرار المنازعات الطائفية والعرقية وآخرها تهديدات فتي بيت الحكيم الصاعد عمار
عبد العزيز الذي طالب بفدرلة تسع محافظات عراقية عربية قبل فوات الاوان وفي غضون
الشهرين المقبلين والا ضاعت علينا، كما جاء في كلمته او خطابه في مدينة الناصرية
الجنوبية قبل يومين.
ولانه من المبكر معرفة التفاصيل الكاملة لمباحثات الدكتورة كوندي مع أصدقائها في
بغداد، خصوصا مع مسعود بارزاني الذي هرع لا يلوي علي شيء لملاقاتها وهو من روج انه
رفض مقابلتها خلال زيارتها لكركوك والعاصمة العراقية قبل اسابيع قليلة في نهاية
العام الماضي، احتجاجا علي الضوء الامريكي لتركيا بقصف مواقع مقاتلي حزب العمال
الكردي التركي في شمال العراق، مع ان خصومه وبعضهم شريك معه في العملية السياسية
والحكومة الحالية، سارعوا في تسريب أنباء ومعلومات تفيد بانه تلقي لوما دبلوماسيا
من الوزيرة الامريكية علي تصرفات بدرت منه في الفترة الاخيرة، وتحديدا (زعله) علي
ارجاء تنفيذ المادة 140 من الدستور المتعلقة بمدينة كركوك، وتوجيهات ارشادية بضرورة
التقيد بالمسارات الراهنة التي تحكم المشهد السياسي في العراق، والكف عن رفع سقف
مطالباته الشخصية والحزبية خلال العام الحالي ليمر هادئا بلا مشكلات تحرج الرئيس
بوش امام الحزب الديمقراطي وهو في ولايته الاخيرة، وسواء صحت هذه التسريبات ام انها
مجرد استنتاجات، الا ان الناطق الاعلامي في السفارة الامريكية ببغداد عزز هذه
المعلومات عندما صرح صباح الاربعاء الماضي ان مباحثات رايس وبارزاني تركزت علي حل
الخلافات القائمة بين الحكومة المحلية الكردية في اربيل والحكومة المركزية فيما يخص
تطبيع الاوضاع في كركوك والتفاهم بشأن العقود النفطية في المنطقة الكردية.
اما بالنسبة الي اجتماع الوزيرة رايس مع عبد العزيز الحكيم، فثمة صمت غريب من جانب
الاخير عما دار خلال الاجتماع، لا تصريحات ولا بيانات، والصمت انسحب علي جماعته
وصحفه وفضائياته ايضا، علي عكس اجتماعات حصلت في مناسبات سابقة، حيث كانت تطبل
وتهلل، وتتحدث طويلا عن (السيد) ومباحثاته الناجحة مع المسؤولة الامريكية، وبعض
المراقبين السياسيين ربطوا بين مطالبة ابنه عمار بعد ساعات من الاجتماع، بضرورة
الاعلان عن الاقليم الشيعي في جنوب ووسط العراق خلال شهرين من الان، بما جري في
اجتماع الوالد مع كوندوليزا، وربما جاءت الدعوة العمارية الجديدة ردا علي تقارير
امريكية اشارت الي ان السفير كروكر والجنرال بتراويس وهما ارفع موظفين امريكيين
دبلوماسي وعسكري في العراق ابلغا اوساطا مقربة من المجلس الاعلي وخصوصا عادل عبد
المهدي المنتفجي القيادي في المجلس، ان الادارة الامريكية تري انه من المفيد
والمناسب تأجيل الحديث عن فيدالية الجنوب الي ما بعد العام 2008 ، لما تسببه اثارة
هذه القضية في هذا الوقت من خلافات سياسية وحساسيات مناطقية وعائلية تشغل ادارة بوش
وتزيد الانتقادات ضدها.
ومن الملاحظات التي صاحبت زيارة رايس الاخيرة الي بغداد، تلك المبالغة المفرطة
بقانون (المساءلة والعدالة) الذي اقره مجلس النواب مؤخرا، بديلا لقانون اجتثاث
البعث، فقد لوحظ ان الوزيرة الامريكية اشادت بالقانون الجديد بشكل استثنائي وكأنه
انجاز امريكي خارق، رغم انه قانون باهت في نصوصه ومواده المعلنة، التي تتعارض مع
مباديء حقوق الانسان وتصطدم مع الدعاوي الامريكية الديمقراطية التي خربت العراق
وحولته الي ملل وطوائف ومحاصصات، والاشادة نفسها جاءت علي لسان الرئيس بوش في جولته
الخليجية وبطريقة مضخمة، الامر الذي يؤكد ان القانون صنع في واشنطن وفرض من قبلها،
ومما يرسخ هذا الرأي، ان ثمة كلاما يتداوله مقربون من السفارة الامريكية في بغداد،
يشير الي ان مستشار وزيرة الخارجية الامريكية للشؤون العراقية السفير سارتر فيلد
لمح في آخر زيارة للعراق قبل أعياد الميلاد، بان فريقا يضم حقوقيين امريكيين وجنوب
افريقيين واوروبيين علي وشك الانتهاء من قانون (المصالحة العراقية) سيقدم الي حكومة
نوري المالكي لرفعه الي البرلمان للمصادقة عليه، وهو ما يفسر الالحاح الامريكي علي
جميع المستويات باهمية التسريع في اقرار قوانين وتشريعات جديدة وضرورية كما تصفها
واشنطن لتفعيل المصالحة التي اخفقت الحكومة في تحقيقها لاعتبارات تتعلق بمنهجها
الطائفي وسياساتها الاقصائية.
وبالتأكيد هناك قضايا عديدة بحثتها كوندوليزا في زيارتها المفاجئة الي بغداد، ومنها
ان العملية السياسية القائمة في العراق منذ الاحتلال انحدرت الي الحضيض في الفترة
الاخيرة، بعد ان بدأ المشاركون الاساسيون فيها، من القياديين الاكراد والشيعة
يعرضون عضلاتهم ويلوحون بقرب النزال فيما بينهم ، وكل واحد منهم يتآمر علي الثاني
ويسعي الي ازالته من مواقعه، واوضح المؤشرات علي ذلك، الاصطفافات التي برزت وفي
مقدمتها تهديدات التحالف الكردي باسقاط المالكي من رئاسة الحكومة عبر مذكرة شديدة
المضمون قدمت اليه في نهاية العام الماضي حسب تصريحات محمود عثمان، ولقاء عبد
العزيز الحكيم وطارق الهاشمي بعد قطيعة طويلة، واعلان التكتل الجديد الذي جمع خلف
العليان واياد علاوي وصالح المطلك والصدريين وحزب الدعوة باجنحته الثلاثة مع نواب
الاقليات، وهذه الفعاليات رغم ظاهرها السياسي التنافسي، الا انها تعطي دلالات لا
تقبل الجدل بان العملية السياسية تترنح بعد ان فقدت مقومات استمرارها بعد خمس سنوات
من الفشل المتواصل، وانها وصلت الي طريق مسـدود ولا تنــفعها المنشطات الامريكية
للخروج من مآزقها الكثيرة وآخرها افتضاح اكذوبة الأمن والاستقرار، التي تهاوت امس
(الخميس) عندما أعلنت السلطات الحكومية حظر تجوال للسيارات والعجلات وحتي الدرجات
الهوائية وسد منافذ ومخارج مدينة الكاظمية ببغداد وعشر محافظات حتي صبـــاح يوم غد
(السبت) لمناسبة العاشر من محرم، وبـــذلك تكـون حكومة المالكي قد أثبتت بنفسها ان
ما ادعته من استتباب الامن وانخفاض اعمال العنف هما أوهام ومزاعم لا تنطليان علي
أحد.
ان سياسة (التسكين) التي تمارسها الوزيرة الامريكية علي المشاركين في العملية
السياسية في كل زيارة تقوم بها الي بغداد، وحثهم علي الهدوء وتجنب الخلافات وتفادي
الصراعات خلال عام 2008 ، قضايا من الصعب ان يلتزم بها المتعاونون مع حكومتها
لاختلاف المصالح بين الطرفين في المرحلة الراهنة، فالانسة رايس تريد تسويق انتصارات
امريكية صورية في العراق في مجال الديمقراطية وتوظيفها لصالح حزب الرئيس الجمهوري
الذي يواجه مرشحوه للرئاسة والتجديد النصفي للكونغرس في نهاية العام الحالي مشكلات
انتجها احتلال العراق وما ترتب عليه من آثار وانعكاسات خطيرة علي امريكا نفسها،
ويحتاج المرشحون الجمهوريون لمنافسة نظرائهم الديمقراطيين الي دفع وزخم تتجسد فيهما
ولو شكليا مسحة نجاح، لخداع الجمهور الامريكي بتحقيق جزء من استراتيجية النصر التي
بشر بها بوش شعبه والعراقيين، ووعدهم بتحويل العراق الي واحة ديمقراطية في المنطقة،
وجاء الاحتلال لينقل العراق من بلد حر ومستقل وآمن ومستقر رغم الحصار الجائر، الي
مستنقع تخوض فيه قوات المارينز ووحدات المرتزقة في شركات الامن المزعومة وفرق الموت
وتنتشر فيه المليشيات الطائفية والعنصرية وعصابات الجريمة المنظمة والعشوائية، وهي
ملفات تجد اصداء واسعة لدي الرأي العام الامريكي الذي لم يعد يصدق كلام ووعود
المرشحين الجمهورين كما تفيد الاستطلاعات التي اجرتها الصحافة والتلفزة في كثير من
الولايات الامريكية، لذلك فان كوندوليزا تطلب المستحيل من (أصدقائها) في العراق
لتقديم خدمات سياسية وانتخابية الي الرئيس وحزب الرئيس، لانهم غير مؤهلين أصلا علي
تقديم هكذا مهمات، اضافة الي ادراكهم وهم علي تماس يومي واطلاع مباشر علي ما يحدث
في الساحة العراقية رغم عزلتهم في المنطقة الخضراء والجادرية الملحقة بها، من هزائم
واخفاقات امريكية، بان عمر الاحتلال يقترب من نهايته، وهذا الشعور جعلهم يستبقون
الزمن ويحرقون المراحل للحصول علي الامتيازات المالية وعقد الصفقات قبل ان تداهمهم
ظروف جديدة وأجواء غير مريحة تمنع عليهم متع التسهيلات والغنائم.
وعندما يطالب بارزاني وطالباني بنسبة تصل الي عشرين بالمئة من موازنة العام 2008
البالغة 48 مليار دولار الي ثلاث محافظات كردية اي بحدود عشرة مليارات، زائدا رواتب
وتجهيزات ومخصصات مئة وخمسين الف بيش ميركة مجموعها مليارا دولار، مع الاحتفاط
بواردات المنافذ الحدودية مع ايران وتركيا وتقدر باربعة مليارات سنويا، فانهما
يعرفان جيدا ان مثل هذه الفرصة لن تتكرر في المستقبل لا القريب ولا البعيد، وعليهما
استغلالها بسرعة قبل ان تروح منهما، والامر نفسه ينطبق علي نوري المالكي ووزراء
الائتلاف الشيعي الذين يتطلعون الي أكل الدسم (ما دام المال سايب وماكو مراقب) كما
يقول المثل الشعبي العراقي ، واستباق ايام القحط الآتية لا ريب فيها، والوقائع في
هذا الميــدان كثيرة ابسطها ان تخصيـــصات البطاقة التموينية وقدرت بثمانية
مليـــارات دولار للعام الماضي (خلصت) ولا احد يدري اين ذهبـــت وفي اي جيب او
رصيــد نـــزلت، مع ان المصروف منها هو ربعـــها كما مثبت رسميا، ورئيس لجنة
النزاهة في مجلس النواب يطالب بحـــجز جواز سفر احد الوزراء لمنعه من الهرب الي
خارج العراق.
ان الحلول الترقيعية التي تحملها كوندوليزا وصحبها الامريكان في زياراتها المتعددة
الي العراق لن تصلح الخراب الذي عم والفساد الذي انتشر والموت الجماعي الذي حصد
مليون وثلاثمئة الف عراقي بريء وتدمير آلاف المؤسسات والمشاريع العراقية، وهي
(انجازات) مسجلة باسم رئيسها المستر بوش واركان ادارته، فما بني علي باطل وعدوان،
نتيجته الهزيمة والخسران، هذا منطق التاريخ لمن يفهم.