الأزمة العراقية بين التدويل والتقسيم
حسين الربيعي
"آلم ـ1ـ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لايفتنون ـ2ـ ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ـ3ـ سورة العنكبوت "
من غير المعقول أن نسلم أن الصراع الدائر فوق أرض العراق ، صراعاً آنياً وظرفياً ، وان ذلك مرده فقط لسياسة الأنظمة المتعاقية ، فقد كانت بالأضافة لهذه السياسات عجز (الأدوات) الجاهيرية ، وتأثيرات التدخلات الخارجية ومقدرة تلك التدخلات على أستقطاب اطراف سياسية ودينية وطائفية وعنصرية للعمل مع أطراف الخارج لغرض الأيحاء لها بقدرٍ من الجاهة والنفوذ السياسي ، كما لايمكن لأي باحث جاد أن يعزل تأثير العامل التأريخي بكل أبعاده القريبة والبعيدة ، بما فيها الجزء المتعلق بالحلم الصهيوني والصليبي الذي واجهه أبناء الرافدين منذ الاف السنين في السبيين الأول والثاني على يد نبوخذ نصر ، والمواجهة العربية للغزو الصليبي على يد صلاح الدين الأيوبي .
وكل هذا حُسب بشكل (شرير) في مؤتمر لندن ، ولذلك فأنه بعد أكثر من عشر سنين على هذا المؤتمر ، فأن مقرراته بدأ تنفيذها أعتباراً من 9 / 4 / 2003 بما اصبح يملكه هذا المشروع من مقدرة مالية وعسكرية ، دون آليات مواجهة (منظمة) بشكل جاد ومتكافىء ومهيئة مسبقاً لخوض صراع حاسم وطويل وتأريخي ، بدلالات عديدة من بينها أصرار النظام السابق على الأنفراد في المواجهة باسلوب عزل القوى الوطنية ، بل جعل موضوعة القضاء على المعارضة الوطنية في المرتبة الأولى وتصفية قياداتها في الأهمية قبل أي مشروع أخر، ولذلك سرعان ماأختفت بعض اوجه المقاومة المرتبطة بالنظام السابق ، وتنامت المقاومة الشعبية الأخرى .
وأهم ما شهدته الفترة القريبة الماضية ، صدور قرار مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن تقسيم العراق ، الذي واجه (رفضاً) شعبياً ( عارم وعفوي غير منظم ) سبب طأطأت بعض الأتجاهات الضالعة في هذا المشروع (رؤوس) (قيادييها) مؤقتاً لمواجهة عاصفة (الرفض) الشعبي ، أن الأساليب الرهيبة في السياسة الأمريكية والقوى المحلية الدائرة في فلكها ، تمكنها من التلون بطبيعة الأحداث وتبادل في توزيع الأدوار ، لسحب البساط من تحت أقدام المناهضين للأحتلال وزعزعة ثقة المواطن بها من خلال تعليق (التمنيات) على مواقف الأحزاب الرسمية (الأنتهازية) ، ولابأس أن نتذكر أن الدولة العراقية الجديدة طراز من أنتاج (القطبية الوحيدة) ، وأنه يجب التعامل بحذر مع القوى المحلية من خلال (مصالح) هذه القوى أو بعضها بمصدر وطراز إنتاج الدولة المشاركين في بنائها والقائمين عليها .
أن الظهور بمظهر (التوافق) مع المطالب الجماهيرية ، وسيلة (لأمتصاص) الهيجان الشعبي العراقي والقومي العربي ، ولملمته فيما بعد لإعادة العمل بموجب ووفق مقتضيات المصالح التي حددتها آنفاً مقررات مؤتمر لندن سيء الصيت بدليلين : 1ـ الأكتفاء برفض القرار الأمريكي ببيان فقط دون قرار من قبل (الحكومة والبرلمان) . 2ـ الدعوة الجديدة ( بالأسراع في إقامة الأقاليم ) ، خوفاً مما يجره (التباطوء) من إقصاء كامل للمشروع فيما لو جرت الأمور بالشكل المتوقع لهامن خلال الأحباط الذي تواجهه القوة والمقدرة التي تنفذه ( القوات الأمريكية المحتلة ) ، بعد تخلي عدد من حلفائها ( أخرهم بريطانيا ) عن مواصلة تحالفها العسكري والسياسي مع الأحتلال ، والشعور المتفاقم بثقل (الكابوس) العراقي على عقول وصدور قادة و جنود الأحتلال التي أصبحت بعض تشكيلاته تطالب بالأنسحاب (المارينز) .
هذا (الكابوس) المعلن عنه من قبل أعلى درجات (القيادة) الأمريكية في العراق ، ورغم التعتيم الأعلامي على سير العمليات الحقيقية ، يحمل معاني كثيرة ومتعددة ، قد يكون من بعضها الخوف من مخاطر قيام رأي عام أمريكي واسع ، بعد أن تم تحييد أو تقليل تأثيره من خلال المناقشات التي دارت داخل الكونغرس والشيوخ الأمريكيين .
وإذا ما أخذ في الأعتبار الحراك العراقي والعربي والأقليمي ، يكون مفيداً أن نعيد بعض ما قاله ( قادة) عسكريون أمريكيون ( وتحاشت) عن ذكره أكثر وسائل الأعلام والذي جاء فيه : إن 80% من خسائر القوات المحتلة تقع في (المناطق الشيعية) ، وعلى نفس المستوى ، فإن الرفض الجماهيري للأقاليم ينهض به في المقام الأول الرجال العرب المؤمنين من أبناء الفرات الأوسط والجنوب العراقي ، لأنهم أحفاد حملة لواء الرسالة المحمدية التي بددت ظلام المجوسية الكسروية ، وأبناء آولئك الذين قاوموا الأحتلال البريطاني ، وقاوموا الشعوبية والأستبداد ، وتراكم الرفض الشعبي بسبب النفور من السلطة وتشكيلاتها السياسية ، بعد أن قصدت قراراتها وقوانينها وآجراءاتها حياة الفرد المواطن العادي وأسرته بالسوء والتجاهل ، ومقدرته المعاشية ، ومكاسبه الأقتصادية ، ومنها مشروع التقاعد (السيء) ، حيث عكست تلك القوانين كذب تلك القوى في إدعأتها السابقة في حياة كريمة للمواطنين ، ومزايداتها على ما كانت تقدمه (الحكومات الشمولية) من خدمات جمة سرقت بعد الأحتلال . ورغم كل ماعانته حماهير هذه المناطق فإنها لم تنل من الأحزاب التي تتستر بثياب الأنتماء (الطائفي) لأهل الفرات الأوسط والجنوب إلا المزيد البطالة والحرمان .
الأسراع في إقامة الأقاليم يأتي متوافقاً مع الطرح الأمريكي ، وموازياً ومتسارعاً بالضد من (الرفض الشعبي) ، بعد أن كاد المشروع الطائفي (الذي أصطنعته أمريكا بهدف تطبيق مشروعها الشرق أوسطي) يسقط أرضاً ويطوح به نهائياً ، وتتنامى المواجهة الأقليمية له التي ترأت لحكوماتها نيرانه تمتد لأراضي بلدانهم ، فبعد أيران وسوريا ، تتوضح بصورة أكثر ملامح (الأنزعاج) التركي .. فتركيا حالها حال الدول الأقليمية الكبرى تنساق لأمنها القومي ، وهي تعلم أن نجاح المشروع الأمريكي في العراق سوف يغير التوزيع الجغرافي والسكاني والسياسي ، ويؤدي لتشظى القوى المركزية الأساسية وتحولها لأقاليم (طفيلية) تدور في فلك الدولة الصهيونية (أسرائيل) التي يفترض أن تكون المنطقة تحت قيادتها وسيطرتها في الشرق الأوسط الجديد .
والتلويح الروسي بالتململ ، ثم إعلان (شيء) من التمرد على الأتفاقيات والمعاهدات التي سبق أن وقعتها روسيا مع الولايات المتحدة أبان أنهيار الأتحاد السوفييتي حيث شعرت روسيا أن هذه المعاهدات أحالتها إلى دولة تستمع (لنصائح) المسؤولين ألأمريكين حتى بمستويات متواضعة بعد أن كانت القطب (الند) للقطب الأمريكي . فانحسار روسيا إلى داخلها لمعاجة دعاوي الأنفصال لبعض الجمهوريات ذات الحكم الذاتي ، ومواجهة أتهامات (تعسف الدولة الروسية) وفقاً لأخر تصريحات (رايز) ، فتح المجال لتسيد الولايات المتحدة .. ليس على بلدان العالم الثالث والدول الأوربية ( وبالأخص الدول الجديدة ) ، بل أصبح النطاق يزداد ضيقاً على روسيا نفسها لأنهاء دورها الدولي والعمل على تفتيتها على شاكلة ما جرى مع الأتحاد السوفييتي .
وتتشايه المخططات والفعاليات الأمريكية في أقطار الوطن العربي ، وبأشكال متفاوتة مع تلك المخططات والفعاليات الجارية في العراق ، فوسط الضجيج السياسي والتدخل الأمريكي لصالح قوى (المهادنة) المتأمرة على المقاومة العربية ، يبرز الدور الأمريكي في الشأن اللبناني الداخلي ، وعملت الألة العسكرية الصهيونية لأنجاز مبررات المؤتمر الدولي التي تديره وتوجهه (المرجعية) الأمريكية .. ومثلما توافقت أطراف (لمصالحها) الضيقة في العراق ولبنان ، فقد برزت هذه الأطراف فلسطينياً ، حتى إن هذه الأطراف أصبحت شريكة كاملة العضوية في مؤامرة أغتيال المقاومة الفلسطينية وعزل سوريا ، بعد أن تحولت لساتر متقدم في مواجهة البندقية الفلسطينية المقاومة ! ومثلما ذهبت أدراج الريح أمنيات بعض العرب المعلقة على (الشماعة) الأمريكية فسوف يكون مصير (الأماني) الفلسطينية ، الطيبة حد السذاجة ، أو المتواطئة حد الخبث.. لنفس المصير والقرار.
ويأتي قرار الجبهة الشعبية (لتحرير) السودان تجميد عضويتها في الحكومة السودانية قبيل أنعقاد مؤتمر طرابلس لأقرار السلام في دارفور ، خطوة ناسفة للمسعى الليبي الذي تمكن من حشد دعم عالمي ودعم جماهيري سوداني وعربي وأفريقي ، وللعلاقة القديمة والمتواصلة (للجبهة) مع الولايات المتحدة ، التي تنظر لمؤتمر طرابلس بعين الريبة في حالة نجاحه ، إذ أن ذلك يعني الألتفاف على مخططات تقسيم السودان ، في خطوة أمريكية أخرى لتفتيت المفتت من الوطن العربي قطعاً لأي محاولة جديدة لبناء دولة الوحدةالعربية . ومن أهداف الخطوة الأخيرة للجبهة (أمريكياً) ، إعادة عزل ليبيا داخل حدودها القطرية ، بعد أن صار لها أظافر يمكنها أن (تخربش) المشروعات الأمريكية للتدخل في بلدان أفريقيا ، والخوف من أمتداد (السطوة) الليبية في أفريقيا للمحيط العربي في الجناح الشرقي للوطن العربي الذي يشهد المقاومة الأكثر غلياناً ضد الهيمنة الأمريكية .
على العموم فإن الحدث السياسي (وهذا جزءً منه) يفرض البحث عن معالجة موضوعية على مختلف الأصعدة ، العراقية والعربية ، والأقليمية وكذلك الدولية .. فالأزمة العراقية تتعدى حدود العراق ، لأنها جزء غير مستقل من مشروع عام وشامل لهيمنة جديدة على العالم . أما الأصوات الرافضة لما سمي بتدويل الأزمة العراقية ، فإنها أشبه ما تكون بمحاولة القفز على الحقيقة الثابتة ومحاولة لتزييفها لغرض يخدم مبررات معينة ، فالأزمة العراقية دولت منذ أحتلال صدام للكويت ، وما نجم عن هذا الأحتلال من قرارات جائرة وضعت الثروة العراقية والأمن الوطني العراقي ومستقبل العراق بيد لجان أنبثقت عن مجلس الأمن . وأظاف الأحتلال الأمريكي بعداً تدويلياً جديداً وخطيراً .. وما صدر عن مجلس الأمن بعد الأحتلال آفلت الأزمة العراقية من الحلول الوطنية والعربية والأقليمية .
أن الشعور (بالغيرة) من التدويل يجب أن يشمل كل (الغرباء) ، فالتدويل والتدخل والأحتلال شبيه بالعهر ، والعهر (الموصوم) لجهة دون أخرى .. عهراً مهما كان ولأي ٍ كان ، فالرذيلة واحدة بكل أشكالها ، والخيانة كذلك . ولم يكن في مقدورنا أن نقول أقل من هذا الكلام ، بعد ان تعاملنا بديمقراطية في توضيح المخاطر مما يجري تطبيقه تحت مسميات (فدرالية) التي تأكدسبيلها نحوالتقسيم بقرار مجلس الشيوخ .
وحل الأزمة العراقية أصبح بعيداً عن متناول جهة أو جهات معينة ، وهي تحتاج لتحالف وطني يعززه تحالف قومي ، مؤازر بتحالف عالمي . ولذلك فقد طرح التيار العربي في العراق ورقة عمل علمية وعملية لحل المشكلة العراقية ، أعتمدت آلية المؤتمر الوطني بمراحل تصاعدية متعددة تبدأ من صياغة الأهداف الوطنية للمعارضين للعملية السياسية ، أنتقالاً لتضييق الخلافات مع الأطراف التي لها موقف من الأحتلال ومواقف من المحاصصة الطائفية ومن مشروع الأقاليم من المشاركين في العملية السياسية ، والعمل على خلق ساحة خلفية قومية وأقليمية مساندة ، والعمل على مشاركة القوى الدولية المعارضة للأحتلال والهيمنة الأمريكية في الظغط على الولايات المتحدة للأقرار بسيادة العراق والتخلي عن برنامجها فيه .
وعلى العموم فإن الأختلاف على وضع العراق السياسي والجغرافي مختلف عليه حتى داخل الولايات المتحدة ، فهناك مشاريع تدعوا للدولة المركزية ووحدة العراق ( تقرير بيكر ) و( تقرير كروكرز ـ بترياوس ) . وهذا حيز ممكن للأختراق الوطني للجانب الآمريكي الرسمي .
وليكن واضحاً إن الخطوة التي تظمن نجاح مواجهة المشروع التقسيمي ، هي سيادة روح التسامح الوطني ، ووفقاً لمفاهيم التيار العربي الواردة في ورقة العمل لحل الأزمة العراقية فإن : التسامح والمصالحة ... أوالمسائلة والعدالة لزمن قدره خمسون عاماً منذ 1958 وحتى الأن.
الغيرة على وحدة العراق أصبحت شعاراً يجمع أتجاهات وحركات سياسية (مختافة) سياسياً فيما بينها ، ولك ماتحتاجه هذه الأتجاهات والحركات الأتيان بإطار جامع لعملها في التصدي لمشوع ذبح العراق .