أمريكا "تركياً" .. بين الأرمن والكرد
حسين الربيعي
مقارنة بين الدور الكردي في مجزرة الأرمن والدور الكردي في مجزرة تقسيم العراق والمنطقة
"إنك أيها الكردي لم تكدر أحداً . ولكن المسؤولين هم الذين خدعوك فلطخوا أسمك وأسماء أجدادك بالسواد ـ جريدة كردستان آبان المذابح الأرمنية "
حينما كنت أطالع كتاباً أو مقالاً (كردياً) ، كان يأخذني نوع من الأعجاب والعتزاز به وبكاتبه (مثلي مثل غالبية القوميين العرب) ، لاسيما إنك تجد هناك أمكانية حقيقية لأستيعاب الدروس التاريخية من سير الحدث التأريخي ( أن الدول الكبرى الطامعة في الممتلكات العثمانية عرفت كيف تستغل بدهاء مآسي الأرمن للتدخل من خلالها في شؤون الدولة العثمانية أكثر فأكثر ـ د . كمال مظهر ـ كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى ) .
ولكن ما يُذهب سريعاً هذا الأعجاب ، إقدام الأكراد تقديم قضيتهم لأستخدامها ( بدهاء ) من قبل الدول الكبرى ، أي دول كبرى ؟ للتدخل من خلالها في شؤون المنطقة . أنها الدول التي أصبحت صديقة وحليفة للساسة الكرد ، بعد أن كانت دول (آمبريالية) ( أ. جلال الطاباني خة بات 26 تموز 1960 ) . والسؤال لماذا هذا التغيير ؟ فهل اصاب الكرد خيبة أمل وشكوك في إرادتهم وقضيتهم التي توصلت لكسب تأييد شعوب المنطقة قبل أن يعقدوا الرجاء على التدخل الخارجي ؟
والسؤال طرأ امامي من خلال الحدث السياسي الشديد الذي بدأ يوضح معالم التغيير في توجهات دول المنطقة ، وخصوصاً تركيا ، فقد شهد الموقف السياسي رد فعل غاضب للكونغرس الأمريكي على نوع التوجه التركي من السياسة الجاري تنفيذها في المنطقة أمريكياً، وبوادر تقارب رسمي بين دول الجوار العراقي في المواقف من المشاريع المطروحة لتقسيم العراق ، وما سيجره هذا التقسيم من ويلات وتقسيمات آخرى لاتشتثني أحداً من دول المنطقة ، بما فيها الدول الصامتة ( المعولة على فشل المشروع من خلال الدعاء وحده ) .
فقد لجأ الكونغرس في خطوة للضغط على تركيا لقرار يحمل تركيا مسؤولية المجازر التي تعرض لها الأرمن خلال سنوات الحكم العثماني ، مع تشديد ضغط عسكري وسياسي آخر من خلال العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني ، الذي ظهر بعد الأحتلال يمارس نشاطاته بحرية تامة تجلب الشك في قبول هذا النشاط والموافقة عليه من الأحتلال والأطراف السياسية المتنفذة . وترابط هذا الضغط بمشروع مجلس الشيوخ الأمريكي لتقسيم العراق ، وتوافق (صيحات) محلية معه ، ناهيك عن الترحيب الكردي الرسمي بهذا القرار .
ونحن لانريد الدفاع عن تركيا ، ولاأظن أنها تحتاج لهذا الدفاع ، وفي فترة زمنية ساحقة في التأريخ ، آخذين بنظر الأعتبار أن محاكمة أي حدث تأريخي يجب أن يتم ظمن أبابها وواقعها التأريخي أثناء حدوثها ، منوهين لسيادة تلك الممارسات أثناء تلك الفترة الزمنة والحربيين العالميتين التين تلتهما .
ومع أن سيادة روح التسامح يجب أن تطفو فوق نفوس الشعوب ، فإن للكونغرس الأمريكي مسببات (ليست أنسانية) لهذا القرار ، فإمريكا تبحث عن (محفزات) لتأجيج صراعات بين شعوب المنطقة من خلال تفعيل الأحقاد القديمة ، ولكننا نسأل .. هل أن إدانة تركيا وتحميلها نتائج المذبحة ستتحمله تركيا دون شركائها في المجزرة ؟ وهم الكرد (أن حقيقة هذه المشاركة لاينكرها حتى الكرد أنفسهم) ، ( ومما يؤسف له أشد الأسف ، أن الكرد أسهموا قليلاً أو كثيراً ، عن وعي أو دونه ، بتحريض من الأخرين أو عن عمد ، في مذابح الأرمن هذه ـ نفس المصدر).
سيما وأن مدى المشاركة الكردية لم يكن بمستوى متدني يمكن تدبير مبررات معينة لقبوله ، ونحن نقول هذا فأننا ننبه إلى أن هذا المدى من المشاركة لن يكون بعيداً عن نظر الولايات المتحدة وساستها ، وعلى العموم ، فالكونغرس أو مجلس الشيوخ أو الإدارات الأمريكية الحالية وغيرها ، يمكنها أن تستخدم موضوع ما يسمى بالإبادة التركية للأرمن متى شائت وفي الوقت الذي ترتأيه ، فإنه لايتمكن أحد تقديم برآة مطلقة للكرد ! وعلى أرض الواقع فإن المسؤولية تتحملها مصادر القرار وليس الشعوب ، ونحن نقرر حقيقة مفادها أن الساسة الكرد لم يفهما هذه الحقيقة ، فاقتصوا من عمليات الأنفال من الشعب العراقي ، فراحوا يستقدمون من يحتله ، ويقسمه ، ويتأمر عليه .
وإذ نحن في نطاق المجزرة ، فأننا نستوحي مدى مشاركة الكرد من خلال كتاب د . كمال مظهر ذاته بأعتباره مصدراً كردياً ، والغاية كما أسلفنا لن تكون لدينا نبش الماضي ، وإنما لتأكيد حقيقة واحدة مهمة ، وهي عدم تمكن الساسة الكرد من دروس الماضي والوقوع مجدداً في نفس مطباته . وللتأكيد على العتراف بهذه المشاركة نستخدم (فقرات) من كتاب الدكتور كمال مظهر ، بأعتبلره كردياً :
( خلال الملأولى أفتتح أحد مشايخ الطرق وأسمه الملا سعيد أحمد العملية بنفسه في مدينة آورفة في الثامن والعشرين من كانون الأول من العام 1895 حيث آمر بأحضار أرمني بريء أمامه فبطحوه على الأرض وفصل رأسه عن جسده بيده على مرآى الجمهور )
( وفي المذبحة الأولى أيضاً قتل شقيقان "كرديان" سوية في منطقة وآن كانا يسميان عبد الحميد وعبد الغفور 200 أرمن ، وكان هناك كثيرون من أمثال هذين الأخوين في خربوط . فهناك أيضاً قتل شقيقان سوية أكثر من 300 شخص ، وقتل شخص كان يسمى حاجي بكو وحده مئة شخص . وكان أحد الخبازين يباهى بأنه قتل بنفسه 97 شخصاً )
( كان هناك آغوات أكراد يشترون قوافل الأرمن من الجندرمة ، وبعد أن يسلبوا منهم كل مامعهم كانوا يقتلونهم ) ، ومن نفس صفحات الكتاب يقول الباحث كردليفسكي : رآيت بآم عيني في صيف 1916 كيف كان الأكراد يسوقون الأرمن جماعات إلى بدليس ... يبدوا أنهم كانوا متشوقين للمنح النقدية التي كانت تمنحها لهم لجنة اللاجئين .
( وفي حالات معينة كان الرؤساء الكراد يتممون ما بدآه غيرهم . فإن زعيم الشكاك سمكو ، مثلاً وضع كميناً في مضيق "قوتور" لجماعات من الرمن الذين نجوا من الموت ، فباغتهم رجاله وآقاموا لهم مذبحة جديدة )
هذه الأدلة كما ذكرنا من كتاب د . كمال مظهر ، في محاولته للدفاع عن مشاركة الكرد في المذبحة ، والسؤال الذي يتوارد بسرعة ، ماذا يستطيع أن يقدم الأخرين " من عير الكرد " من أدلة آخرى على المشاركة الكردية وحجمها ، إذا كان الكاتب يقصد التقليل من المشاركة الكردية ؟ ؟
وما أردنا قوله ليس الدفاع عن أحد أو إدانة ىخر ، ولكن نريد أن نعالج أمراالإدانة الأمريكية للأتراك ، ونتائجه المقبلة ، ومحاولة لكشف التلابس الذي من خلاله تنفذ الولايات المتحدة للضغط من جهة وإحداث ثغرات في امن المنطقة للهيمنة الكاملة عليها وتفتيتها ، وتحويلها لكيانات متصارعة .. تتمسك بوجود "آمني وعسكري" أمريكي .. كحاكمية لتوزيع مصالح المنطقة وفقاً لإرادتها ورؤيتها .
أن هكذا فهم يمنع أستفحال الأزمات الأقليمية من خلال الحوار وحده بين قوى المنطقة دون تدخل أطراف دولية طامعة كما حدث آبان الدولة العثمانية ، ومنع المواجهات بين أبناء شعوب المنطقة . أن الولايات المتحدة لاتريد أن تحد من المذابح البشرية ، أو معاقبة الفاعلين ، وإلا كان أمامها مجرمي الحرب الصهيونية ضد المدنين الفلسطينين العزل ، وكان أمامها رئيس الوزراء أو وزير الحرب الصهيوني المسؤلين عن حرب لبنان تموز 2006 ، والمؤلين عن الغارة الأسرائيلية على سورية ، وغيرهم من الذين يقتلون المدنيين العراقيين من العسكريين في الجيش الأمريكي أو في سجون الأحتلال أو في الشركات الأمنية ( المرتزقة ) .
أن ما قصده الكونغرس الأمريكي ، التشهير بتركيا بسبب موقفها مما تنفذه الولايات المتحدة في المنطقة أنطلاقاً من العراق ، وأحساسها بالخطر الداهم على أمنها من مشروع تقسيم العراق ، وإذا فهم الجميع أن المشروع الأمريكي يهدف أولاً حماية أمن أسرائيل ، فهل يظن الكرد أنهم مستثنون من "الحسبة الأمريكية" في حماية أسرائيل ؟ مع الأخذ في الأعتبار أن الشعب الكردي يعتنق العقيدة الأسلامية , وسيظل مسلماً لاتنفع باستلاب ايمانه وسائل الكذب والدعاية المحلية المتصهينة .
ومادمنا في مجال العقيدة الدينية ، فإن ما يراه الكاتب وبعض من الساسة الكرد بأشتراك البسطاء من الكرد في مذبحة الأرمن كونهم ( ينظرون إلى قتل الأرمن وكأنه "جهاد" في سبيل الله ) ، وهو مايعني أتهام العقلية الأسلامية بالجريمة ، فإن العقلية التي تدير حكم كردستان الأن ليست عقلية أسلامية ، لأنها تمنح أبواق معادية للأسلام مجالات العمل بحرية تامة ( وكالة أنباء كرد برس ) مثلاً ، وينظر بعض من الساسة مقاسات ( أستبدادية وقومية ) لاتلائم أبناء القومية الكردية للأسلام . فلماذا تقود هذه العقلية في دفع " البسطاء الأكراد " للمزيد من المشاركات في الحروب ضد أبناء وشعوب المنطقة ؟
ونحن نحاول أن نستعيد الماضي لنستخلص العبر ، فيما يتطابق مع مسارات حالية ، وفي شؤون مرتبطة بشكلٍ أو بآخر بسياقات التأريخ ، ومما تقوم عليه صراعات الكرد مع أشقائهم في المنطقة ، ومسألة التحديد الجغرافي لكردستان ، الذي أصبح في موضع الشك ، لاسيما وأن (الحلم) الكردي واسع جداً ، ولابد من الأقرار بأن ليست كل الأرض التي يمر عليها قوم ما ، هي ملك لهم .. كيف إذاً يتم تصفية هذه المسائل التي مر على ظروف أوضاعها الأجتماعية مئات .. بل الاف السنوات ؟ بالتأكيد أن الأمر ليس بالبساطة التي يتصورها الساسة الكرد .
أن الأخطاء و(بعض الأسباب الأخرى وقصر نظر رجال السياسة ) التي أدت لبذر الشقاق القومي بين الكرد والأرمن آنذاك كما جاء في الكتاب المذكور والتي أتت آكلها ( ليجنيها أعداء الشعبين والأيدي الأجنبية) ، لاتزال هي السمة الظاهرة في تصرفات الساسة الكرد فيما يفعل شقاقاً قومياً بين الكرد واخوانهم وجيرانهم من العرب والأتراك والفرس ! يقابل هذا التصرف ، الأصرار على إدامة التحالف مع "الأيادي الأجنبية" الملطخة بدماء شعوبنا وشعوب العالم ، يقول عبد الخالق زنكنة ، عضو التحالف الكردستاني : أن مهمة الدفاع عن كردستان على عاتق قوات "التحالف الدولي" ، ويقصد بها قوات الأحتلال الأمريكي .
ولابد أن نقول أن المسؤولية التأريخية في كلا الجريمتين يتحملها السياسيون القابضون على
السلطة) في كردستان من آغوات وروؤساء عشائر وروؤساء أحزاب ، لأن سلبيات نتائج هذه المشاركة يتحملها الكرد كشعب ( حتى في حال حدوث مواقف من بعض البسطاء الكرد لاتتوائم مع أخلاق الشعب الكردي ) ، كما أن أطرافاً كردية وطنية ( حزب العدالة والحرية الكردستاني ) لها مواقف معارضة للموقف (الرسمي) الكردي .
نقول هذا لنؤكد عدم وجود مشاركة شعبية عربية في جرائم أرتكبت بحق الكرد ، ومع ذلك فإن (المظلومية) تدفع لبناء جدران (نفسية) عازلة بين العرب والكرد ، في حين أن الأستبداد الذي كان يقع على كاهل الكرد ، يقع مثيله ضد أخوانهم من العرب أو غير العرب من العراقيين ، والظلم والأستبداد ، لم يكن سببه دافع قومي أو طائفي .. أنه فقط دافع شخصي لرجل أو حفنة من الرجال للمحافظة على مصالحهم و(قيادتهم) للبلاد ، وعليه مثلاً فإن العلم العراقي الذي أصبح رمزاً للعراق منذ ما يقرب أكثر من 20 عاماً قبل عمليات الأنفال ، لايستحق هذا التعامل
( 60 مواطناً كردياً يعتقلون عند الأحتفال بفوز المنتخب العراقي الذي يظم لاعبين كرد ) . ولا أظن أن المواطن العراقي مشارك للسلطات الدكتاتورية في ظلمها للاكراد ، بل أنه وقواه (الطليعية) لم يقف مكتوف اليدين ضد ذاك الظلم ، وإذاً هي تحتاج لمواقف تقرب من العرب، وهذا يعني عدم التصافف مع الأحتلال ومشاريعه الشيطانية ، بل أخذ هذا الجزء من الشعب بالأحضان ، سيما وهو مستهدف ومظلوم ومستبد به .
ولقد سعت الولايات المتحدة لتوتير العلاقات العربية التركية ، والسورية التركية بشكل ٍ خاص ، بينما جاء التفاهم السوري ـ التركي .. صفعة حاسمة وشديدة لوجه الولايات المتحدة ، خصوصاً إذا طالعنا (مقررات) لقاء الرئيس الأسد مع نظيره التركي ، وأهم تلك المقررات التي قطعت الطريق على المتصيدين في الماء العكر لتشويه (السياسة التركية ) من خلال التذكير بأطماع تركية في العراق ، فقد جاء الأتفاق واضحاً على أحترام وحدة العراق وأستقلاله ، ورفض مشاريع تقسيمه تحت أية مبررات . ولذلك فإن نتيجة كل خطوة أمريكية لعزل سوريا مصيرها الفشل ، وتعزيز موقف سوريا ، وعليه فقد وجدت الولايات المتحدة أن التقارب التركي السوري يفتح عليها أبواب الهزيمة واسعة فأضطرت لطلب موافقة حكومة أصدقائها في لبنان لبناء قواعد عسكرية شمال لبنان ، لتبقي عيونها مفتوحة على سوريا ومستعدة لمواجهة (المتغيرات) المفاجئة .
نتمنى ، للسياسة الكردية أن لاتكون (معجبة) بالنموذج الصهيوني (الأسرائيلي) ، في بناء علاقات عداء وحروب ، وأن تتمثل بالعلاقات الجديدة السورية التركية ، وأن تستعيد الحركة القومية الكردية وجودها في صف الحركة القومية العربية وتعلن أنتصارها لها ، خصوصاً وهي تدرك حجم التآمر على القومية العربية ، وفي الختام فأن القوميين العرب لايضنون بالشعب الكردي الا الأخوة ، ولعلنا ندرك مقدمة المقال المأخوذ عن جريدة كردستان آبان مذبحة الأرمن ، وندرك يقيناً أن الأساءة لن تتمكن من العلاقة الأخوية العربية الكردية الخالدة