مؤتمر القاهرة العراقي مات قبل أن يولد
هارون محمد
حسناً فعل الأمين
العام العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي، عندما أبلغ هوشيار زيباري خال مسعود
بارزاني ووزير خارجية نوري المالكي، إعتذار الجامعة عن مواصلة جهودها في إطار
مايسمي بـ(المصالحة العراقية) وأنه لا ينوي ارسال مساعده احمد بن حلي الي بغداد
للمساهمة والتحضير لمؤتمر القاهرة الذي كان مقرراً عقده في غضون الشهرين المقبلين،
بناء علي مناشدة من وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس لعدد من الدول العربية
مصر والسعودية والاردن تحديداً لرعاية المؤتمر وضمان نتائجه، إضافة الي رجاء سابق
تقدم به جلال طالباني الي الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي الملك عبدالله
بن عبدالعزيز عندما التقاهما خلال زيارته للعاصمة المصرية في تشرين الاول (أكتوبر)
الماضي.
ووفق مصادر الجامعة العربية فأن أمينها العام تحدث بصراحة مع زيباري واسمعه سلسلة
من الحالات والاحداث التي اتخذتها السلطات الحكومية في العراق تندرج ضمن سياسات
وإجراءات طائفية وعرقية مؤكداً ان المصالحة لا يمكن أن تتم في ظل سيادة المحاصصات
الفئوية والطائفية والعنصرية وتهميش قطاعات واسعة من الشعب العراقي وإقصاء قوي
واطراف وهيئات عراقية لها تأريخها وحضورها ونفوذها، وإتهامها بالإرهاب والتكفير الي
اخر التهم التلفيقية. ومما عزز موت مؤتمر القاهرة قبل ان ينعقد، تصريحات وزير
الخارجية المصري أحمد ابو الغيط ـ وبلاده كانت معنية بالمؤتمر ـ التي نفي فيها نية
حكومته بارسال سفير لها الي بغداد لاستمرار الاوضاع الامنية المتردية هناك، ووجه
لوماً شديدا الي زيباري والحكومة التي ينتسب اليها، لانهما لم يشكلا لجنة للتحقيق
في ملابسات قتل السفير المصري السابق ايهاب الشريف الذي اختطف وقتل في تموز (يوليو)
2005 خلافاً للاعراف والتقاليد الدبلوماسية المعمول بها بين دول العالم.
وقد لا نكشف سراً إذا قلنا أن الشهر الأخير من العام الماضي قد شهد تحركات وفعاليات
سياسية قادتها أطراف وهيئات وشخصيات عراقية مقاومة ومعارضة للاحتلال وتشكيلاته
الحكومية بعيداً عن الأضواء، ساحاتها توزعت بين مصر والسعودية والاردن، قدمت وثائق
وعرضت وقائع تؤكد ان حكومة نوري المالكي والاحزاب المنضوية فيها، تعملان ضد كل شي
يمت الي المصالحة الحقيقية بمفاهيمها ومعاييرها المعروفة، وفندت الإدعاءات
الامريكية التي يسوقها الرئيس بوش وكوندوليزا رايس والسفير رايان كروكر والجنرال
بتراويس بان واشنطن تدعم جهود المصالحة.
وقد أتضح للدول العربية التي كانت تشجع عقد مؤتمر القاهرة، بقصد تحقيق مصالحة حقيقة
بين الاحزاب والقوي العراقية، أن نوري المالكي يتصرف إزاء المصالحة كرئيس حكومة
وليس ممثلاً لحزب الدعوة والامر نفسه ينطبق علي جلال طالباني ومسعود بارزاني
وعبدالعزيز طباطبائي الذين يريدون فرض مشاريعهم وآرائهم علي الآخرين باعتبارهم
اصحاب سلطة واهل حكم، وليس ممثلين لاحزاب يقولون انهم قادتها. وكانت آراء القوي
والهيئات والشخصيات الوطنية والقومية والديمقراطية والاسلامية التي فوتحت للاشتراك
في مؤتمر القاهرة، متفقة وموافقة ومستعدة لحضور المؤتمر شرط الاعتراف بالمقاومة
كطرف عراقي اساسي، وان يساهم الآخرون فيها كسياسيين وممثلي أحزاب وليس كرؤساء
ووزراء ومسؤولين حكوميين، وان تشكل حكومة عراقية غير سياسية من المستقلين
والتكنوقراط قبل عقد المؤتمر، تتكفل بتنفيذ قراراته وتوصياته مع اعطاء دور مفصلي
للجامعة العربية والأمم المتحدة في هذا الصدد.
ورغم ان مصادر عربية لها علاقات طيبة مع الادارة الامريكية ابلغت اطرافاً عراقية
بان واشنطن تتفق مع هذه التوجهات باستثناء بند المقاومة، وتدرك أن قادة أحزاب
السلطة في العراق يسعون الي تجيير المصالحة لصالحهم واستغلالها لحسابهم، وهي مستعدة
لتغيير نوري المالكي بآخر معتدل يتفهم مستلزمات المصالحة مع الآخرين، ولكن إدارة
الرئيس بوش تريد مسبقاً من هذه القوي والشخصيات ان تبدي مرونة في مواقفها المعادية
لأمريكا، وان تتخلي عن دعمها لفصائل المقاومة. وينقل عن دبلوماسي مصري بارز كان في
زيارة للعاصمة الامريكية مطلع الشهر الماضي، التقي مع كوندوليزا رايس بدعوة منها،
انه سأل الوزيرة الامريكية في معرض الحوار معها، نحن لا نصدق تصريحاتكم بانكم ضد
ايران وتدخلها في العراق لسبب بسيط جداً هو أنكم تثبتون أتباع ايران في المواقع
الرئاسية والوزارية والحكومية والعسكرية والامنية في العراق، وهذا يدلل علي
إزدواجية في التعامل الامريكي مع ايران، فكان رد الوزيرة رايس هذا صحيح في الظاهر..
لأننا لم نجد غير هؤلاء يتعاونون معنا ويستجيبون لسياساتنا، أقنعوا جماعتكم
بالتعاطي معنا جدياً، عندها ستجدون أننا سنكنس أتباع ايران من العراق، لأننا نعرف
تماماً إن اخراجهم من المواقع والمناصب التي نصبوا فيها، يعني انهم سيغادرون البلاد
الي غير رجعة، وعندما رد عليها الدبلوماسي المصري أننا في القاهرة علي مسافة واحدة
من الاطراف العراقية وليس لنا جماعة معينة ترتبط بنا بصلات خاصة، ابتسمت الوزيرة
رايس وقالت للدبلوماسي المصري انت تعرف من اقصد بجماعتكم، اقنعوهم بالتخفيف من
مواقفهم العدائية تجاهنا ستجدون منا ما يروق لكم ولهم، ويقول المسؤول المصري انه
اضطر علي الخروج عن دبلوماسيته وابلاغها بصريح العبارة: لقد أخطأتم كثيرا في العراق
وعليكم انتم تصحيح أخطائكم، ولا تحملونا وزر حماقاتكم، واقول لك سيدتي ان لا مصر
ولا السعودية ولا الاردن تثق بما تقولون وتصرحون حول العراق، ما دامت تصرفاتكم هناك
بعيدة عن التوازن.. وانتهي اللقاء بارداً.
وعلي الصعيد الحكومي في بغداد، فان مخاوف سرت في صفوف احزاب السلطة من عقد مؤتمر
القاهرة وخاصة التنظيمات الشيعية التي تتحسس من اجتماعات او مؤتمرات تنظم من قبل
أطراف ودول عربية وتعقد في عواصم عربية، إعتقاداً منها بان مثل هذه الفعاليات موجهة
ضدها وتصطدم حتما مع مواقفها وطروحاتها في إقصاء أطراف تناهضها ولا تتفق معها، وقد
أتضحت مواقف بعض هذه التنظيمات إزاء قانون معروض علي مجلس النواب يحمل عنوان
(المساءلة والعدالة) ليحل مكان هيئة اجتثاث البعث، التي شكلها الحاكم الامريكي
السابق السفير بول بريمر، وقد يتفهم المرء معارضة احمد الجلبي لهذا القانون السيئ
في بنوده ونصوصه وطبيعته، لانه يخشي كرئيس للهيئة علي وظيفته التي لم يبق لديه
غيرها، يرتزق ويعتاش منها، ولكن المفارقة أن التيار الصدري الذي يزعم أنه ضد
الاحتلال، يقف ضد القانون، ليس لأن هذا القانون جائر ومجحف ويؤسس لحالة غريبة علي
العمل السياسي من خلال التضييق وعزل واضطهاد فئات واسعة من البعثيين وقطع ارزاقهم،
وانما لانه يمنح صغار البعثيين من الموظفين جزءا من حقوقهم المشروعة في العمل
والتقاعد، وبذلك يثبت هذا التيار المتذبذب سياسياً والضائع فكرياً، انه لا يختلف عن
عتاة الطائفية في سلوكه وممارساته.
لقد أدركت الدول العربية التي ناشدتها كوندوليزا رايس لرعاية مؤتمر القاهرة ان
الوزيرة الامريكية تريد المؤتمر لاعتبارات داخلية امريكية تتعلق باستحقاقات
انتخابية مرتبطة بحزب الرئيس الجمهوري الذي يواجه أزمة مصداقية لدي الرأي العام
الامريكي، بسبب الإخفاقات والخسارات الامريكية المتزايدة في العراق، واكتشفت تلك
الدول ايضا ان شلة السلطة في بغداد ترغب في عقد المؤتمر وفق مقاساتها وخياراتها
وإراداتها، الامر الذي ترفضه القوي الوطنية والقومية والاسلامية والديمقراطية
العراقية، التي ابلغت من يعنيهم أمر المؤتمر نهاية الشهر الماضي شروط مشاركتها فيه.
وكانت النتيجة الغاء المؤتمر وهو ما شكل انتصارا لقوي المقاومة والمعارضة في
العراق، ومثل انتكاسة للامريكان وصنائعهم في العراق، الذين تمنوا عقد مؤتمر خداع
وتضليل يخدم اغراضهم ويخفف من أزماتهم التي تتفاقم يوماً بعد آخر.