تقسيم العراق : ضروري . . . و مفيد , فأيدوه !!
د. عبد الكريم هاني
1 - عندما حزمت الدول المصدرة للنفط امرها و استطاعت بتضامنها في منظمة اوبك ان تبدا الطريق الصحيح لكي تضع حدا لاستغلال دول الشمال لتلك الدول حين كانت تحت سيطرة قواها الاستعمارية فبدأت بالعمل على تعديل اسعار النفط قبل ثلث قرن من اليوم انهمكت فورا مراكز الأبحاث ( الشمالية ) و اقتصاديوها في تقدير الأموال التي افترضوا انها ستصب في خزائن دول ( الجنوب ) المصدرة للنفط اذا سارت الأمور كما قدر "اصحاب النفط" فدقت هذه المراكز ناقوس الخطر حين أعلنت الأرقام الفلكية لما دعته جبال النقد التي سترتفع في ( الجنوب ) . و لما كان ابناء ( العبيد ) لا يستحقون كل هذا الثراء الذي اعتبره ( الأسياد ) مسروقا مما يعتبرونه حقا (موروثا) لهم فقد تنادوا جميعا لتدبر أمرهم و إيجاد أفضل الطرق لمعالجة هذه ( المصيبة ) بضمان عودة هذه الأموال الى خزائنهم, و هكذا التهبت منطقة الشرق الأوسط و تدحرج أقوى حلفاء الولايات المتحدة فيها عن عرش الطاووس و هي تتفرج, فقامت الحكومة الدينية في أيران ثم اشتعلت الحرب بينها و بين العراق , و تعاملت الأمم المتحدة تحت قيادة الدول الكبرى مع هذه الحرب ببرود يثير التساؤل حتى استُنزفت كل امكانات المتحاربَين و دول الجوار مما دفع الجميع الى التسابق في انتاج النفط و تصديره حتى وصل سعره الى ارقام متدنية بصورة قياسية بالاضافة الى دعوة الولايات المتحدة لتحشد قواتها في منطقة الخليج العربي لتأمين ناقلات النفط.
2 - قالت احدى الوكالات الدولية ان الدول الافريقية قد انفقت على الحروب فيما بينها ثلاثين مليار دولار خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية. و لا حاجة بنا للقول ان الجزء الأكبر من هذا المبلغ الذي دفعته الدول الأفريقية الجائعة و التي يرقد اغلب ابنائها تحت خط الفقر قد ذهب الى صانعي السلاح و مورديه من دول ( الشمال ) الغنية و التي لا نستطيع ان نبرأها من دور مشبوه في إثارة تلك الحروب و تشجيعها .
3 – لكن ( السادة ) في الشمال قد تعبوا من ( حلب ) الأبقار الأفريقية العجفاء, و الكمية المطلوبة لانقاذ الاقتصاد المتهاوي و لاستمرار المستوى المعاشي المطلوب لدوام رفاه ابناء الشمال لابد لها من مورد جديد غزير الانتاج و له القدرة على الاستمرار لذلك أصبح لزاما أن يُفتح منفذ تصريف يضمن هذا التدفق المطلوب بدون ما يصاحبه من "الدماء الزرقاء " فكيف السبيل الى ذلك؟
هنا تبرز مقولة الجنرال آيزنهاور الذي انتخب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية بعد أن قاد جيوشها و حلفائها لتحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية, إذ قال في خطبة الوداع عند انتهاء ولايته عام 1961 انه يحذر أمته من تحالف الرأسمالية الصناعية مع ( العسكر ) و سيطرة هذا التحالف على البلاد و ما سيجره ذلك من ويلات على بلاده و على العالم , و لا ننسى أنه كان من ( العسكر ) لكنه شاهد ملايين الشباب يموتون في حرب كانت أبشع ما شهدته البشرية حتى ذلك الوقت , فكان قوله ذاك إخلاصا لضميره و لوطنه و شعورا عاليا بمسؤوليته أمام التاريخ.
يقول الباحث الأميركي روبرت فرانك في برنامج ( تقرير الثروة The Wealth Report )على موقع الوول ستريت جورنال ان نصف ثروة الولايات المتحدة قد جمعت بعد شن الحرب على افغانستان و العراق . و هنا سنتذكر حركة نقل الأسهم التي قام بها بعض مهندسي العدوان قبيل البدء به و الذي أورد بعض ( المشاغبين ) قائمة بتلك التنقلات و الأرباح التي جناها كل واحد من أولئك المهندسين بسببها. لكن هذا العدوان الذي غلفته الامبريالية الأميركية ببرقع ( محاربة الارهاب ) الذي تهرأ و لم يعد يستر شيئا لا بد ان يتوقف يوما , فالرأي العام داخل الولايات المتحدة و خارجها قد كشف اللعبة بعد هذه السنوات و بعد آلاف القتلى من شبابهم و من أبناء البلدين المعتدى عليهما و قد مل التبريرات الكاذبة , و الكلفة البشرية العالية بالاضافة الى الكلفة المالية المباشرة يستمران في إثارة الرأي العام داخل الولايات المتحدة مما سيجبر إدارة العدوان على التخلي عن هذا الشعار و إعادة القوات المعتدية الى بلادها عاجلا أم آجلا .
4 – هنا يأتي الحل السحري الذي يطمن الكل و يستجيب لكل طالب , فهو يمنح الأمان للحليف الستراتيجي و يشبع نهم الأتباع الذين خدموا مشاريع الاحتلال حتى قبل أن تنضج و يضمن تنافس الجميع في خدمة كل مشروع جديد الى جانب انه محرك دائم لعجلة مصانع السلاح لآنه وصفة جاهزة للحرب المستمرة, ذلك هو مشروع تقسيم العراق ! ستكون هناك حروب تبدأ في الصراع على الأرض , و هي قد بدأت حتى قبل البدء بتنفيذ المشروع, و أضمن الحروب هي حروب الحدود بين الأخوة الألداء! ثم هناك التنافس على التعاقد مع شركات النفط المعلومة و التسابق في انتاجه و الذي سيؤدي الى وفرة الانتاج و ما يتبع من انخفاض اسعاره علاوة على مايجره استغلال الحقول المشتركة من اختلاف, وستستمر الخصومة بسبب المهاجرين و المهجرين و احتساب قيمة أموالهم و ما يعوض و ما لا يعوض, و تبقى علة العلل و أقوى أسباب الصراع على الماء و استغلال السدود.
كل هذا سيضمن لأصحاب القرار تدفق الخيرات و يضمن لهم و لكل عملائهم الذين صفقوا لاحتلالهم استمرار التمتع بالسمفونيات الكنعانية[1] و التصفيق لها, مع ضمان استمرار تبعية العملاء و ولاءهم لرب تعمتهم الجديدة, و لن يعدموا لحية و عمامة تقدم لهم الفتوى التي تحل لهم كل ما كسبوا و يكسبون. اليوم يشتد حماس اصحاب المشروع الذين يسيل لعابهم على ثروات نفط الأقاليم و يحاول بعضهم ان يتذاكى فيحدثنا بلهجة المغلوب على امره عن "الاستحقاق الدستوري" و ضرورة الخضوع لمواعيد هذا الاستحقاق باخلاص لم يظهر على احد منهم بشأن جوانب اخرى من هذا الاستحقاق, ناسين أو متناسين انهم قد اقروا جميعا في مسرحية المصالحة الوطنية في مقر الجامعة العربية في تموز 2006 ضرورة اعادة النظر بذلك الدستور دون ان يخطو احد منهم خطوة , ولو صورية, نحو اعادة النظر هذه لكنهم ما يزالون يبنون عليه. و يتزايد حماس هؤلاء كلما اقترب توقيت تفرضه الاوضاع السياسية داخل الولايات المتحدة , و لما كانت هذه السنة سنة انتخابات أميركية فلابد من رد الجميل علاوة على انتهاز الفرصة ما دامت مناسبة اليوم لأنها فرصتهم الآن كما يقولون , و رحم الله الذي قال:
يا لك من قبرة في معمر خلا لك البر فبيضي و اصفري
و نقري ما شئت ان تنقري قد رحل الصياد عنك فابشري
و رفع الفخ فماذا تحذري لا بد من صيدك يوما فاصبري
فقسمي ما شئت ان تقسمي!!!
[1] - نسبة الى قول كنعان مكيه و هو يسمع صوت القنابل و الصواريخ تهدم العراق :" الله الله انني استمع الآن لاجمل سمفونية سمعتها."