رغم عدول الطالباني عن (مبادرته) المقصود:
توجيه البندقية الكردية صوب طهران بدل أنقرة
حسين الربيعي
تحاول عقول (القادة) الأكراد ومن خلفهم المؤسسة الامبريالية ، أن تستهوي بعض العرب تحت تسميات و الفاظ البعض ممن لا يدقق في (كلام الحق الذي يراد به باطلاً) ، وما يفعله (القادة الكرد) ليس فقط للأستهواء أو جمع الجمهرة فقط ، إنما محاولة لتجيش الجيوش ، لاسيما وأن بعضها مشحونة من كثرة الأخطاء التي ترتكبها بعض أطراف الحكومة الأيرانية في العراق تحت رغبات وطموحات قومية قديمة وتحت مدعيات طائفية .
وعليه فان قرار أو دعوة رئيس الجمهورية جلال الطالباني يحتاج لتمحيص ودراسة متأنية ، قبل اطلاق ردود أفعال معينة بأتجاهه ، لعلاقتها المتأصلة بالموضوع ومراجعة وقائع (الازمة العراقية) منذ الاحتلال حتى الآن ، داخلياً و خارجياً . فعلى الصعيد الداخلي . يتنامى صراع حاد بين رئيس الحكومة من جهة وبين أطراف أخرى منها بالتحديد (التحالف الكردستاني) ، وهذه الاطراف وقفت في كثير من الاحيان في مواجهة أية مبادرة من مبادرات الحكومة التقرب من العناصر المعارضة ، بل انها حينما استطاعت (الحكومة) ان تقضي من يعتبر نفسه ممثلاً للسنة دون غيره و تعاملت مع (صحوة الانبار) بشكل مباشر ، لوحظ ان (هذا البعض) حاول ان يمارس نفس دور (صحوة الانبار) في مناطق أخرى .
ويساهم التحالف الكردستاني ، ولو عن طريق (وسطاء) باشاعة الفشل والاتهامات على المبادرات الوطنية في التوصل للمصالحة . وقد برز الدور السلبي للتحالف الكردستاني من خلال رفض مشروع (المالكي) بالعفو والافراج عن المعتقلين السياسيين ، بعد ان تم رفضه من التحالف الرباعي ؟! . حيث لا يمكن لحزب الدعوة صاحب الاقتراح او المشروع رفض المشروع .. اذاً يبقى الثلاثة الباقون اصحاب (الفيتو) .
لقد كان واضحاً لدى التحالف الكردستاني ، ان قرار العفو سيكون له مردود ايجابي على محاولة المالكي التقرب لبقية الاجنحة الوطنية ، رغم السلبيات الكثيرة التي تحملها حكومته !
وكانت الخطوة الاكثر وضوحاً في محاولة الاكراد وضع العصي في عجلة حكومة المالكي المتعثرة أصلاً التحالف الجديد (التحالف الثلاثي) الذي ظم التحالف الكردستاني والحزب الاسلامي ، ومما يحاول ان يبرزه التحالف الكردستاني من هذا التحالف الابقاء على (مكونات مؤتمر لندن) وعدم السماح بعودة العراق لحالته الطبيعية بمكوناته الاساسية (عرب و كرد و تركمان) ، (فأستدرجت) الهاشمي واستقدمته الى شمال الوطن لبصم على تحالف اقل ما فيه انه جاء في الايام التي تناور فيه الحكومة على تنفيذ المادة (140) لمنع تكريد مدينة كركوك ، وفي الوقت الذي اصبح واضحاً ان المالكي مصر على بناء سلطة مركزية قوية اتجاه السلطات الاخرى التي تواصل محاولات الأنفلات عن المركز ، والتي بدأت تأخذ آكلها خصوصاً بعد أن أظهرت أنقرة عينها الحمراء ضد تلك (السلطات) المحلية التي راحت بعيداً في ظنونها . كما ان مسألة التنقيب عن البترول في (كردستان) اصبحت معالجتها تتخطى الجانب (الدبلوماسي) بعد ان وجهت الحكومة العراقية انذاراً للشركات الكورية بحرمان سيئول من البترول العراقي في حال اصرارها على تنفيذ تلك العقود .
ورغم النيات الحسنة التي يمكن ان تستقر من مسيرة الحكومة العراقية ، الا ان الفتور و الارتباك ، والتأخر في القرارات التي تتطلب السرعة اللازمة لأحكام القـبضة وتحويل اطراف متعددة وفاعلة على الساحة العراقية من معارضين الى مؤيدين لها تشوب حركة المالكي و نضعها في الجانب الآخر غير الشفاف ، خصوصاً اذا ما لوحظت السرعة في انجاز (النوايا) والاتفاقيات مع الادارة الامريكية .
وفي الجانب الدولي ، فان الولايات المتحدة لم تتمكن من تجاوز (تركيا) كحليف استراتيجي لها خصوصاً اذا ما تبين ان القواعد الجديدة لها في مناطق نفوذها ، غير مستقرة وغير قادرة حتى الدفاع عن نفسها إن كان في العراق او في افغانستان . كما ان التقرب التركي السوري اصبح امراً مقلقاً ليس للولايات المتحدة وحدها بل لاسرائيل .
واذا ماتبين للولايات المتحدة ان القطب الثاني الذي تنازل عن عرشه بدأ ينفض عنه ذرات (الثلج) ليعود الى الساحة الدولية ، فروسيا تستعد فعلاً بالعودة لأخذ مكانها العالمي ، بعد ان وجدت ان النسر الامريكي مصاب في أحد جناحيه وبشكل مستديم ، وان الآخرين (فرنسا والصين) تتسارعان بعقد الاتفاقيات والعقود مع الدول التي ظلت تحافظ على (مكاسبها الوطنية) ، فعادت لتدشين أول فعاليات (الحرب الباردة الجديدة) بتجارب لصواريخ جديدة قد تقنع الولايات المتحدة بتغير أستراتيجيتها القاضية بشد الوثاق على رقبة (الكرملين) ، والعودةللقيام باتصالات سياسية و دبلوماسية و اقتصادية لتوسيع نشاطها ضد القطب الاوحد خصوصاً مع تلك الدول التي كانت تقيم معها علاقات أستراتيجية أيام الأتحاد السوفييتي السابق ، وقد يكون ذلك دافعاً لتركيا في وقتٍ لاحق للتعاون أو التحالف معها أي مع روسيا ، اذا ما تأكدت ان تغاضي قوات الاحتلال في العراق عن تنامي قوة ووجود حزب العمال الكردستاني و الدعم (الكردي العراقي) له ، السبب الذي يتهدد الامن القومي التركي ، لأن تحالفها مع الولايات المتحدة يصبح غير ذي وجوب ، وان الانتقال للتحالف مع روسيا (الناهضة) افضل قومياً لتركيا و لأمنها .
لقد تغيرت الرؤيا لأهمية تركيا في اللحظات الاخيرة التي بدأت تشهد امريكا انهيارها في مواجهة ( قوى الشر) في المنطقة ، وتصاعد قوى مواجهة جديدة ، وعقم الانظمة (المعتدلة) على لجم شعوب المنطقة ، لذلك فقد وجدت ان عصفور في اليد خيرٌ الف مرة من عشرة على الشجرة ، بل ان العشرة على الشجرة حسب ما تبين ، انها ستتقلب الى صقور ضدها في لحظة تأريخية تشهد سقوطها الأبدي . ان الدعوة (الطالبانية) تهدف فيما تهدف اليه إعادة إلانقسام في الموقف العربي في العراق ، بعد ان برز نوع من التوافق والوحدة فيه ، ومحاولة بث الانشقاق في الموقف العربي ـ التركماني العراقي واستخدامه في مسألة كركوك .
كما تهدف هذه الدعوة لعدم التعويل على التفاهمات الاخيرة الايرانية ـ الخليجية والايرانية ـ السعودية بالذات لصالح دفع (جبهة المعتدلين في هذه المنطقة) بالعودة عن هذه التفاهمات وإعادة ألأنسجام التام مع المخطط الامريكي الهادف لشن حرب (عربية) ضد أيران وفقاً للمصالح الامريكية والصهيونية ، كما تهدف الدعوة للتأثير على العلاقات الكفاحية المتطورة بين أيران وحركة حماس والمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية من جهة وبين سوريا و ليبيا من جهة اخرى مع أيران .
والهدف الاهم الذي تعول عليه هذه الدعوة ، بث النزاع بين اطراف الشارع العربي ، واعادة العمل بالدعاوي الطائفية .
لقد برزت مقدرة (الساسة) الاكراد على أستخدام تحريف التأريخ في مشاريعهم السياسية وبدر فيما بدر قدرتهم على اختلاق الاحداث وتغيير اسماء المناطق ومجريات التأريخ والانساب وغيرها ، فهل يعجز هؤلاء الساسة عن استخدام حدث تأريخي قائم فعلاً لمصلحة وغاية محددة فالدعوة الطالبانية .. كلمة حق يراد بها بث الفرقة في الموقف العربي ، والاستعاضة عن مقاومة الاحتلال ، بمقاومة العدو البديل .
واذا ماكانت ايران قادرة فعلاً على تأجيج (التمرد) ضد الاحتلال الاطلسي في أفغانستان وهي .. ايظاً .. قادرة على دعم و تحريك (المقاومة) العراقية (بالاخص في مناطق الوسط و الجنوب) ضد الاحتلال الامريكي ، وهي التي تأخذ على عاتقها دعم وأسناد وتموين المقاومة الفلسطينية وهي التي (تقود) بأسم حزب الله المقاومة اللبنانية ، وهي التي تدعم صمود سوريا ، وهي التي تقيم تفاهماً موحداً مع الجماهيرية ، وهي التي أستطاعت ان تـحييد (جبهة المعتدلين الخليجية) في وضع علاقتهم مع أمريكا بعيداً عن أشعال الخليج بحرب لن يستفاد منه أبنائه كلهم .. وهي التي يستهدفها الدرع الصاروخي الامريكي في أوربا (كما يقول لافروف وزير خارجية روسيا) ....اذا كانت أيران كل هذا.. وعن طريق المعلومات (الامريكية و الغربية و الصهيونية) فهل يشك عاقلان على ان هذه القوة مهما كان أسمها أو جنسها قوة أقليمية تدير صراعاً ناجحاً مع (الاعداء) الذين أعتبرهم حكامنا العراقيين والعرب (أصدقاء) ؟
من الممكن زيادة مشاكل العراق بأسلوب الغاء الاتفاقيات من جانب واحد (من قبل رئيس الجمهورية) على اكثر من جهة ، ومنها الغاء الاتفاقية العراقية السعودية لترسيم الحدود التي تنازل بها العراق عن منطقة الحياد او عرعر ، او الغاء الاتفاقية العراقية الاردنية التي تنازل بها العراق عن منطقة H4 . وربما كان هناك اتفاقيات لا نعلم بها مع الجانب التركي او غيره . ربما الفوضى في العراق يجري (تهييجها) كلما كانت هناك رغبة امريكية متوافقة مع رغبات (محلية) ساذجة و أنانية ، وهي متوفرة بكثرة حسب أعتقاد سيئي النيات .
نعم ان اتفاقية الجزائر كانت جائرة بحقوق العراق ، وهي واحدة من التنازلات التي قدمها النظام السابق لحل معضلاته الداخلية التي عجز عن حلها بطرق أكثر "وطنية" ولكن ما تنازل عنه (سياسيو) العملية السياسية جراء الاحتلال الامريكي للأحتلال يفوق بكثير تنازلات صدام لأيران ، فهل نجد من يعترض من قادتنا ؟
اما الذي حرك الطالباني بدعوته . مقولته الخالدة عن كركوك التي أعتبرها :
"مدينة التآخي الكردي التركماني العربي الاشوري ، ولكنها تقع جغرافياً ضمن أقليم كردستان العراق ، كانت دوماً ومازالت كذلك" .
ان الخلافات بين اطراف العملية السياسية شديدة وكبيرة وواسعة ، وان مايدور في الخفاء أشد خطورة مما يشاهده المواطن العراقي ، وكافة الكتل السياسية تمر بخلافات شديدة وهي في شقاقات دائمية . وهذه الخلافات والأنشقاقات توحي في بعض الاحيان بمواقف لا تنسجم مع المسيرة الحالية للمسؤولين ، فالبعض وجد نفسه قد ذهب بعيداً وبعيداً جداً في ما راحت اليه العملية السياسية وأنه يجب العودة عن الأستمرار فيها مالم يكن في المستطاع مواجهتها . أن الذي يتكلم عن حقوق العراق يجب ان يتميز بنقد سلوكه اولاً مثلما ينتقد سلوك الآخرين . وعلى السيد رئيس الجمهورية ان يتذكر كلامه في بداية الاحتلال حين كان رئيساً لمجلس الحكم لكي يتأكد أن لم يكن واقعياً على الأطلاق مع شعبه الذي يمثله :
الامريكيون يقولون ان الموضوع سيطول ويريدون الرحيل بسرعة ولقد قلنا لهم ابقوا فقالوا : لانريد حتى أية قاعدة عسكرية أو غيرها .
وربما كانت لدعواه تلك وغيرها الكثير الذي ينصب في نفس المسار ، أثر على النتائج السياسية و الاجتماعية و غيرها . وعند عودته عن تلك الدعاوي يكون قد فتح طريقاً صحيحاً وممكناً لأعادة حقوق العراق كاملة التي تجعله في موقع القيادة من جديد بين العرب و المسلمين لا ان يكون تابعاً لادارة تبعد آلآف الكيلومترات !!!
بغداد العروبة