أشخاص كما عرفتهم
فؤاد الركابى
أحمد ألحبوبي
فى مقهى تقع فى شارع الرشيد قبالة وزارة الدفاع فى بغداد تسمى (مقهى الدفاع) التقيت بفؤاد الركابى لأول مرة عام 1951 ، كان الدكتور تحسين معلة ، وهو طالب يومئذ بكلية الطب قد زين لى أن ألتقى بزمرة من الشباب القومى تتخذ من هذه المقهى مكاناً للقاءات تجمع القوميين للتعارف والتحاور ، فحضرت معه خاصة وأن تحسين معله كان من شباب حزب الاستقلال قبل انتقاله إلى بغداد للدراسة وما كنت أعلم أنه قد انحاز إلى حزب البعث وانتمى إليه بعد أن راح اسم هذا الحزب يتردد فى أوساطنا الطلابية كحزب قومى جديد ، قيادته فى سوريا .. قادنى تحسين معله إلى ركن فى المقهى كان يجلس فيه بعض الشباب ما أن رأونا حتى هبوا واقفين وكأنهم ينتظرون قدومنا وحصل التعارف بيننا وهم كل من فؤاد الركابى ، فيصل حبيب الخيزران ، زكى الخشالى ، عبد الكريم شنتاف وافسحوا لى مكاناً بينهم مع كثير من الترحيب والاهتمام وطلبوا لى (شاى حامض النومى بصرة) وأراد تحسين معلة أن يخفف من الجو الرسمى لأول لقاء بيننا فقال موجهاً الكلام لى يا أخ أبو شهاب كلنا طلاب واخوه وزملاء فالأخ فؤاد يدرس بكلية الهندسة ، والأخ زكى الخشالى طالب فىالثانوية وعبد الكريم شنتاف طالب بكلية الآداب والأخ فيصل حبيب الخيزران طالب بكلية الحقوق .. يعنى زميلك فى الكلية فابتسمت دون تعليق انتظاراً لما يتمخض عنه هذا اللقاء وقد أحسست أنه مدبر ومرت فترة صمت قطعها الأخ فؤاد الركابى قائلاً ما معناه ... أن الأخ تحسين أعطانا فكرة جيدة عنك وعن نشاطك وإخلاصك للعمل القومى .. فشوقنا لأن نتعرف عليك فشكرت الأخوة على هذا الاستقبال وهذه الثقة ثم قلت أن الأخ تحسين لم يعطنى تصوراً أكثر من أننى سألتقى بشباب قومى فهلا تفضلهم بتنويرى عنكم ولمن تنتمون ... فانبرى فؤاد الركابى قائلاً .. فشوقنا لأن نتعرف عليك فشكرت الأخوة على هذا الاستقبال وهذه الثقة ثم قلت أن الأخ تحسين لم يعطنى تصوراً أكثر من أننى سألتقى بشباب قومى فهلا تفضلهم بتنويرى عنكم ولمن تنتمون .. فأنبرى فؤاد الركابى قائلاً .. نحن بعثيون تنتمى لحزب البعث وهو حزب قومى قيادته فى سوريا .. وبصراحة نريدك أن تكون معنا بعد أن سمعنا عنك وعن نشاطك فبدرت منى ضحكة خفيفة ، ثم قلت أو تساءلت ألم يخبركم الأخ تحسين معله أننى منتمى إلى حزب الاستقلال وهو كما تعلمون حزب قومى ، فأجاب فؤاد نعم نعلم ذلك ولكن حزب الاستقلال لا يلبى طموحاتك وحماسك فهو حزب قد شاخ ونحن شباب وعندنا نشاط وطموح وتطلعات قد لا يقدر على تلبيتها حزب تقليدى كحزب الاستقلال ... ثم سكت وراح يتطلع إلى رد الفعل على كلامه ... فانقلبت سحنتى إلى ما يشبه الغضب فقلت رداً على كلام فؤاد ... أما كان الأجدر والجدى بكم أن تكسبوا لحزب البعث شباباً جديداً (خاماً) بدلاً من العمل على تفتيت نسيج حزب قومى له قواعده وامتداداته ووجوده المؤثر فى الشارع ... صحيح قد يكون حزب الاستقلال مقصراً أو قيادته قديمة أو تقليدية أو هرمه ولكن له سمعة قومية جيدة وقيادة نظيفة يجب إسنادها ودعمها لتلافى القصور والتغلب على المتاعب وتلافى السلبيات .. ثم حدجت تحسين معله بنظرة عتب عرف معناها فأشاح بوجه خجلاً .. ولما رأى فؤاد الركابى رنة الغضب والعتب فى كلامى أراد أن يخفف أو يلطف من وقع كلامه فقال : بالعكس يا أبو شهاب حزب الاستقلال حزب قومى وله نضاله ولكننا فى الحقيقة أردناك أن تكون معنا .. ومع هذا سوف لا نختلف معك فأنت أخ وصديق ونأمل أن نلتقى دائماً .. لم يتكلم أحد من الحضور بل كانوا يراقبون أو يتابعون الحديث بينى وبين فؤاد ونهضت مسلماً ومودعاً وتركت مقهى الدفاع وظل تحسين فى المقهى .. وما أن أصبح الصباح حتى بكرت إلى تحسين معله فى كلية الطب أعاتبه على تصرفه غير اللائق فأخذ يعتذر ثم قال إن الأخ فؤاد الركابى قد أعجب بك وبشجاعتك وإخلاصك وسألته عن موقعه من هذا الحزب الجديد خاصة وانه كان المتحدث الوحيد رغم أن فيصل حبيب الخيرزان أكبر منه سناً فأجاب أن فؤاد الركابى هو المسئول الأول وسألته عن عدد أعضاء هذا التنظيم فأجاب قليل ولكنه نشط وأغلب أعضائه من الطلاب والمعلمين .. لم أقطع صلتى بفؤاد الركابى فكررت زيارتى إلى مقهى الدفاع ولكن بشكل متباعد وزاد من لقاءتنا الاصطدام الذى حصل فى كلية الصيدلة بين الطلبة من جهة وعمادة الكلية من جهة أخرى الأمر الذى تطور إلى الاضطراب والتظاهر وتضامنت بقية الكليات مع كلية الصيدلة ثم تصاعد الموقف إلى التنديد بحكومة مصطفى العمرى سنة 1952 وأدى إلى انفجار كبير على مستوى الشارع بعد أن زجت الأحزاب السياسية بكامل قواها وراء المطالب الوطنية وأولها تشريع قانون جديد لانتخاب أعضاء مجلس النواب (غير مباشر) وكان الوضع السياسى المتأزم يستدعى لقاء وتنسيقا بين اللجان الطلابية ، فكثرت لقاءاتى بفؤاد الركابى وجماعته كتيار قومى سواء بمقهى الدفاع أو غيرها من الأماكن فى بغداد طوال المدة التى استغرقتها الانتفاضة وقد أخذت أبعاداً بعد حصول الاصطدام مع قوات الشرطة وسقوط قتلى وجرحى مما أدى إلى سقوط حكومة مصطفى العمرى ومجئ حكومة عسكرية رأسها رئيس أركان الجيش (نور الدين محمود) فأعلنت الأحكام العرفية وبادرت إلى تعطيل الدراسة واعتقال أعداد كبيرة من الطلاب كى تسيطر على الأمور .. فهربت إلى النجف متخفياً عن أعين الشرطة خوفاً من الاعتقال ولم أعد إلى بغداد إلا بعد أن أعلن عن بدء الدراسة فى الكليات .. وتباعدت لقاءاتى مع فؤاد الركابى ثم انقطعت بعد أن كثرت مسئوليات كل منا فقد عدت إلى النجف أعمل فى المحاماة والسياسة مسئولا عن فرع حزب الاستقلال وانصرف فؤاد يعمل فى الوظيفة الحكومية ويتولى فى نفس الوقت مهام قيادة حزب البعث وتعرض للاعتقال إبان العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 كما اعتقلت أنا فى كربلاء والديوانية ، وقد استطاع من خلال نشاطه ودأبه أن يجعل لحزب البعث وجوداً فى الساحة السياسية العراقية وأن يثبت أقدامه كحزب قومى من خلال نشاطه الملحوظ خلال العدوان الثلاثى المذكور فقد كان شباب حزب البعث مشاركاً فى كل الفعاليات سواء على مستوى الكليات والمدارس أو الشارع الأمر الذى أهله لأن يكون أحد المؤسسين لجبهة الاتحاد الوطنى التى انبعثت سنة1957 وقد تم ذلك بفضل ما كان يتمتع به فؤاد الركابى من إمكانات قيادية حكيمة وواعية. استطاع فى خلال بضعة سنين أن يخلق حزباً له حضور وأثر فى الساحة العراقية ..
وعند قيام ثورة 14 تحوز سنة 1958 اختير فؤاد الركابى وزيراً للأعمار ممثلاً لحزب البعث واستطاع أن يهيمن على جريدة الجمهورية التى صدرت بعد الثورة وذلك من خلال عناصر بعثية شابة ونشطة تفرغت لتحريرها .. ولكن سرعان ما دب الخلاف بين أطراف الجهة الوطنية ووقع الاحتراب مما أدى إلى استقالة الوزراء القوميين وانسحابهم من حكومة عبد الكريم قاسم منه وزارة الإعمار وصار مجرد وزير بلا وزارة (وزير الدولة) وبعد ثورة الشواف (8/3/1959) وانفلات الأمور وشيوع عمليات القتل والسحل اضطررت بعد إطلاق سراحى من معتقل (أبو غريب) إلى مغادرة العراق إلى السعودية عن طريق البادبة .. وأصدرت محكمة (المهداوى) أحكامها بإعدام كوكبة من الضباط والمدنيين ممن اتهموا فى الاشتراك بمؤامرة الشواف فتمإعدام العميد الركن (ناظم الطبقجلى) قائد الفرقة الثانية و(رفعت الحاج يسرى) مدير الاستخبارات العسكرية مع مجموعة كبيرة من الضباط القوميين ...
فزادت قناعة فؤاد الركابى الذى آثر الاختفاء والقيادة التى معه ألا خلاص للعراق إلا بإغتيال عبد الكريم وهذا ما حصل فعلاً إذ جرت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم فى الشهر العاشر من 1959 فى شارع الرشيد كما هو معروف ولم يكتب النجاح لهذه المحاولة وتم إلقاء القبض على بعض المنفذين وعلى بعض أعضاء القيادة القطرية واستطاع فؤاد الركابى أن يترك العراق ومعه مجموعة من قيادات حزبه ..
والتقيت به فى القاهرة سنة 1960 .. والقاهرة إنذاك فى ستينات القرن الماضى تعج بحركات التحرير من إفريقيا وأمريكا اللاتينية فقد وجدت من قيادة عبد الناصر كالدعم والتأييد لمقارعة الاستعمار الفرنسى والإنجليزى كما ضمت القاهرة الكثير من العرب الذين لجأوا إليها لمواصلة النضال ضد أنظمة حكم عربية ناصبوها العداء ووجدوا فى القاهرة دعماً وملاذاً .. جاءوا من العراق وتونس ، والمغرب ، والجزائر، والأردن ، ومن الخليج العربى .. ولكل رابطة أو تجمع ولقاءات مشتركة فى المناسبات الوطنية والقومية . واذكر من الأردن كلاً من اللواء على الحيارى ، واللواء على أبو نوار ، واللواء صادق الشرع والأستاذ عبد الله الريماوى ، وبهجت أبو غريبة ، ومن تونس صالح اليوسيفى (اغتيل بعدئذ ، واتهم بورقيبة فى اغتياله) وإبراهيم طوبال .. واذكر من العراقيين .. فائق السامرائى (كان سفيراً للعراق فى القاهرة واستقال فى الشهر الثالث سنة 1959) والدكتور جابر عمر (وزير المعارف فى ثورة 14 تموز سنة 1959 وأقاله عبد الكريم قاسم) والأستاذ عبد الرحمن البزاز (رئيس الوزراء السابق) والأستاذ فؤاد الركابى (الوزير السابق) والأستاذ سلمان الصفوانى (صاحب جريدة اليقظة) والأستاذ محمود الدرة (الضابط السابق) والأستاذ عدنان الراوى المحامى والدكتور فيصل الوائلى (مدير الآثار العام السابق) والأستاذ علاء الدين الريس (الملحق الثقافى فى القاهرة) أحمد فوزى عبد الجبار المحامى وهلال ناجى المحامى والشيخ أحمد الجزائرى وعبد الله الركابى ، وسليم الزبيدى المحامى ، ورؤوف الواعظ ، ورشيد البدرى ومدحت إبراهيم جمعة ، وعبد الكريم الشيخلى ، وفاتك الصافى ، وزعداى الجبورى ودريد سعيد ثابت ،وياسين السامرائى وفالح السامرائى ، وحاتم العزاوى ، ورياض البنا ، وأياد البنا ، وتحسين النجار ، وصدام حسين التكريتى ، وعيادة الصديد وآخرين لا تحضرنى أسماؤهم . وكانت علاقة فؤاد الركابى بحزب البعث سيئة فى هذه الفترة بعد أن أدانت القيادة القومية للحزب (قيادة ميشيل عفلق)عملية اغتيال عبد الكريم قاسم الفاشلة وحملت فؤاد الركابى (أمين القيادة القطرية) ورفاقه فى القيادة مسئولية الانفراد باتخاذ قرار الاغتيال دون الرجوع على القيادة باعتبار أن الحزب لم يجز العملية الأمر الذى أدى إلى صدور قرار بتجميد فؤاد الركابى وبقية أعضاء القيادة القطرية .. وقد أصدر فؤاد الركابى كتاباً بعنوان (الحل الأوحد) برر فيه عملية الاغتيال ودافع عن موقف الحزب ورد على القيادة القومية .. لا كان مدحت إبراهيم جمعة هو مسئول تنظيم حزب البعث فى القاهرة فى هذه الفترة .. وحصلت القطيعة النهائية بين فؤاد الركابى وحزب البعث عند حصول انفصال الوحدة بين مصر وسوريا أثر انقلاب عبد الكريم النحلاوى فى 28/9/1961 وتأييد قيادة حزب البعث لهذا الانفصال .. وقد أدان كل من فؤاد الركابى وعبد الله الريماوى ومعهم قيادات بعثية أردنية وعراقية موقف جزب البعث المؤيد للانفصال ، ثم بادروا إلى تشكيل تنظيم جديد باسم (البعث الثورى) تم الإعلان عن قيامه فى بيروت من قبل كل من فؤاد الركابى وعبد الله الريماوى فى مؤتمر صحفى عقد لها الغرض ، وبذا انقسم البعثيون المتواجدون فى القاهرة إلى مؤيد للانفصال ومع القيادة القومية للحزب ، ومعارض لعملية الانفصال وبالتالى حسب على مجموعة فؤاد والريماوى ، وإن كان القسم الأكبر من البعثيين ظل على ولائه لقيادة (ميشيل عفلق) بل لم يخف ها الجناح من إظهار فرحته بالانفصال وقام البعض منهم بتوزيع الحلويات والشربات ابتهاجاً وشماته .. وفى القاهرة تزوج فؤاد الركابى من ابنة الأستاذ محمود الدره وقد حضر الرئيس جمال عبد الناصر عقد القران .. وبقدر ما ابتعد فؤاد الركابى عن صفوف حزبه القديم (البعث) راح يقترب أكثر فأكثر من القوى القومية ويقوى علاقاته معها ففى الصيف مثلا كنا نتواجد فى الإسكندرية ونمارس رياضة السباحة فى بحرها وكان فؤاد سباحاً ماهراً وقد اتخذنا من كابينة الأستاذ (فؤاد جلال) فى ميامى مكاناً للقاءاتنا صباح كل يوم وكان يلتقى فيها كل من فيصل الوائلى وجابر عمر وعبد الرحمن البزاز وفؤاد الركابى وعبد الله الركابى.
نجح حزب البعث فى الانقلاب على عبد الكريم قاسم فى 8 شباط سنة 1963 وتسلم خصوم فؤاد الركابى وعلى رأسهم (على صالح السعدى) زمام الأمور فى العراق .. وعاد العراقيون اللاجئون فى القاهرة إلى العراق وظل فؤاد الركابى فى القاهرة خوفاً من أن تتخذ القيادة الجديدة المحسوبة على قيادة (ميشيل عفلق) الذى يناصبها فؤاد العداء إجراء ما ضده فيما لو عاد إلى بغداد إلى أن حزم أمره يوماً فركب الطائرة المتجهة إلى بغداد ، وما أن حطت بمطار بغداد حتى طوقتها ثلة من الجنود وصعد (على صالح السعدى) نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية إلى الطائرة ونصح فؤاد الركابى أن يعود من حيث أتى وعلى نفس الطائرة وإلا سيكون مصيره الاعتقال والبهدلة إذا ما صمم على النزول إلى أرض المطار ، أسقط ما فى يد فؤاد وعاد إلى القاهرة على نفس الطائرة وظل فيها يراقب الأمور ويترقب الأحداث وقد راحت تتفاقم بين أجنحة حزب البعث الحاكم المتصارعة إلى أن تم تصفيتها جميعاً فى 18 تشرين ثان سنة 1963 وأبعدت إلى خارج العراق وعاد فؤاد الركابى إلى بغداد وقد استقبل استقبالا طيباً .. وذهبت ومعى كل من الأساتذة عبد الرازق شبيب (نقيب المحامين ورئيس الحزب العربى الاشتراكي) ، وزكى جميل حافظ المحامى ، وتوفيق المؤمن المحامى (نمثل قيادة الحزب العربى الاشتراكي) للترحيب بقدومه وكان يسكن بدار والده فى بغداد الجديدة ، وقبيل المغادرة انتحى بى جانباً ورجانى أن أعمل على إقناع الحزب الذى أعمل فى صفوفه (الحزب العربى الاشتراكى) بضرورة تبنيه باعتباره هو الذى يمثل تنظيم (الوحدويين الاشتراكيين) فى الأوساط السياسية العراقية ذلك لأن آخرين يحملون نفس اسم التنظيم دون حق وراح يذكرنى عن محاولاته بهذا الخصوص عندما كان فى القاهرة ... خاصة وأن بعضاً من أعضاء حزب البعث الذين انشقوا عليه استعملوا اسم الوحدويين الاشتراكيين كأياد سعيد ثابت وغيره ..
رجانى أن أقوم بهذه المهمة مع قيادة حزبنا بحكم الزمالة الطويلة والعشرة والعلاقة الطيبة التى كانت تربطنا عندما كنا فى القاهرة فوعدته خيراً ثم أردفت قائلاً من أننى واثق أن سيكون لك مكان فى الساحة العراقية فأنت تتمتع بقابليات وإمكانيات تفتح كل المغاليق فابتسم دون تعليق كان عبد السلام عارف قريباً من التيار القومى بل يعتبر نفسه محسوباً عليه وراح يمد الجسور مع هذا التيار القومى بل يعتبر نفسه محسوباً عليه وراح يمد الجسور مع هذا التيار وهو الذى أقترح أن يقام تنظيم للاتحاد الاشتراكي العربى فى العراق على غرار ما هو موجود بمصر بدلاً من تشكيل جبهة قومية كانت الأحزاب القومية جادة فى إقامتها وتحمست القوى القومية لاقتراح عارف بإقامة تنظيم الاتحاد الاشتراكى العربى وبدا الإعداد إلى تشكيل لجنة تحضيرية وترددت أسماء بعض القوميين كأعضاء فيها كان اسم فؤاد الركابى احدها وقد علمت أن أغلب القوى القومية طرحت اسمه وهذا يعنى أن فؤاداً لم يضع الوقت بل راح منذ قدومه من القاهرة يعمل بجد ونشاط لدى كل القوى والأشخاص المؤثرة ويعرض نفسه ويطرح أفكاره حتى حصل على الثقة المطلوبة فالرجل يتمتع بموهبة الإقناع والقبول وسرعان ما استحوذ على أفئدة وعقول من بيدهم الحل والعقد ابتداء من عبد السلام عارف وطاهر يحيى وصبحى عبد الحميد وعبد الكريم فرحان والآخرين ، وعند تشكيل لجنة تنفيذية عليا تكون مهمتها وضع الميثاق والنظام الداخلى لتنظيم الاتحاد الاشتراكى كان اسم فؤاد الركابى فى مقدمة الأسماء المقترحة وتشكلت هذه اللجنة من أغلب القوى القومية العاملة فكنت والأستاذ غربى الحاج أحمد نمثل الحزب العربى الاشتراكى فى هذه اللجنة التى كانت تضم كلاً من : صبحى عبد الحميد ،
عبد الكريم فرحان ، الدكتور شامل السامرائى ، الدكتور عبد العزيز الدورى ، الدكتور عبد الكريم هانى ، عبد الستار على الحسين ، عبد اللطيف الكمالى ، سلام أحمد ، عبد الإله النصراوى ، فؤاد الركابى ، غربى الحاج أحمد ، أحمد الحبوبى ، لم تكن مهمة اللجنة التنفيذية سهلة أو ميسرة فقد برز وبشكل حادتباين الآراء وتعارضها وشعرت أن (الحزبية) ما زالت مسيطرة علينا فى حين أن وجودنا هنا من أجل تذويبها وخلق العمل القومى الموحد .. وآثرت الانسحاب من اللجنة بعد أن دخل فى روعى أننى إنسان (مشاغب) وقد يكون وجودى معوقاً لأعمال اللجنة .. وأعلنت انساحبى وتطويقاً لمردود انسحابى من اللجنة وما قد يجره من بلبلة أخذ فؤاد الركابى على عاتقه مهمة إقناعى بالعدول عن الاستقالة وزارنى فى دارى على غير موعد واصطحبني معه بسيارته (الفولكس واجن) نتجول فى شوارع بغداد محاولاً إثنائي عن الاستقالة وراح يستحلفنى بالأخوة والصداقة ألا أقف حجر عثرة أمام قيام تنظيم قومى رائد فشرحت له صعوبة تأقلمى مع الجو فوعدنى أن يتعاون معى من أجل تذليل كل العقبات حتى نستطيع خلق التنظيم المنشود .. فعدت واستقبل الزملاء عودتى بترحيب وأبدى الجميع استعدادهم وتعاونهم وهكذا انتهينا من صيغة الميثاق والنظام الداخلى وأقمنا المؤتمر القومى العام الذى أقر الميثاق والنظام وانحلت بالتالى اللجنة التنفيذية العليا وجرى انتخاب قيادة للاتحاد الاشتراكى من خلال مؤتمر مصغر جاءت وفق إرادة ورغبة عناصر عسكرية ومدنية جمع بينها التفاهم والانسجام وقد قاطع التيار القومى كله الاتحاد الاشتراكى بعد أن اصطبغ بلون واحد الأمر الذى حدا بعبد السلام عارف إلى أن يحل القيادة ويلجأ إلى تشكيل قيادة تابعة له وتأتمر بأمره وهكذا ضاعت فرصة إقامة تنظيم حقيقى يضم ويحتضن التيار القومى جراء طغيان نزعة التفرد والسيطرة .. وقد عاتبت فؤاد الركابى على هذا الموقف فراح يعتذر ويبرئ نفسه دون أن أقتنع ..
أخذ فؤاد الركابى مكانه فى ظل الوضع الجديد وعند أول تعديل وزارى اختير وزيراً للشئون البلدية والقروية .. ونشط فى العمل السياسى ثم كان أحد الوزراء الستة الذين استقالوا تضامناً مع عبد الكريم فرحان عندما اختلف مع عبد السلام عارف وراح يعمل مع آخرين مدنيين وعسكريين من أجل تشكيل (الحركة الاشتراكية العربية) التى ضمت عناصر قومية كانت يوماً محسوبة على حزب البعث وحركة القوميين العرب وبعض المستقلين والضباط ... وسرعان ما دب الخلاف (الفكرى) بين أقطابها فقد جنح فؤاد الركابى نحو اليسار وأعاد علاقاته القديمة مع (على صالح السعدى) الذى جنح هو الأخر نحو أقصى اليسار .. وانصرف فؤاد الركابى فى هذه الفترة إلى إقامة تنظيم عروبى الوجه يسارى الاتجاه تمشياً مع المرحلة التى سادت فى ستينات القرن الماضى .. ولم يفق إلا على انقلاب 17 تموز سنة1968 ومجئ خصومة البعثيين إلى السلطة من جديد ، فسعيت غليه لأعرف وضعه فى العهد الجديد وخاصة وأنا أعرف مدى الكراهية التى يضمرها الانقلابيون الجدد لفؤاد الركابى فوجدت عنده بعض التفاؤل لأنه وكما قال داخ فى حوار متصل مع (أحمد حسن البكر) من أجل إعادة العلاقة وخلق تنظيم بعثى تدخل فيه العناصر القديمة (وعفا الله عما سلف ويا دار ما دخلك شر) حسب قوله فما كان منى إلا أن أضحك بصوت عال قائلاً : وهل تصدق الجماعة ...! فأجاب (ما باليد حيلة ..) وافترقنا ولم تعد لقاءاتنا منتظمة كما كانت سابقاً فكلانا كان تحت المراقبة المستمرة .. وفى لقاء عابر سألته عن (الحوار) فأجابنى بفتور أن البكر أحاله إلى (شفيق الكمالى ، وزير الثقافة ، لاستكمال عملية الحوار ، ولم أعلق فأنا أعرف أنه غير مقتنع بعملية الحوار وأن الجماعة يلعبون به ... وتباعد اللقاء ولكنه كان يرسل الأخ (عبد الله الركابى)
(ابن خاله) على مكتبى لتسقط الأخبار .. وألتقيته فى مكتب المرحوم هاشم الحلى (مدير المصرف الصناعى) وعرفت أنه المهندس المقيم والمشرف على بناية جديدة للمصرف الصناعى ووجدتها فرصة أن ألتقى به أسبوعياً تقريباً ذلك لأنى أتولى الشئون القانونية لشركة (الجوت) التابعة للمصرف الصناعى أيضاً .. وتعددت لقاءاتنا الأسبوعية فى مكتب هاشم الحلى (مدير المصرف الصناعى) وعرفت أنه المهندس المقيم والمشرف على بناية جديدة للمصرف الصناعى ووجدتها فرصة أن ألتقى به أسبوعياً تقريبا ذلك لأنى أتولى الشئون القانونية لشركة (الجوت) التابعة للمصرف الصناعى أيضاً ... وتعددت لقاءاتنا الأسبوعية فى مكتب هاشم الحلي تحت مظلة (شرعية) له ولى فكلانا مرتبط بالمصرف الصناعى مهنياً .. ونتبادل الآراء ونقلب الأمور وكل منا يشعر أن الحيل يضيق حول رقبته فأنا قد اعتقلت مرتين وهو مراقب وملاحق ومضيق عليه .. وفى لقاء معه أخبرنى أنه يتعاون وينسق مع الحزب الشيوعى العراقى فحذرته من التمادى فى هذا الاتجاه فالحزب الشيوعى لا يستطيع أن يحميه من السلطة حتى لو كان داخلاً معها فى حوارات ولقاءات من أجل إقامة جبهة وطنية ولكنه ظل على موقفه وتعاونه مع الحزب الشيوعى وأذاعت محطة إذاعة موسكو بياناً مشتركاً بين فؤاد الركابى والحزب الشيوعى فيه بعض المآخذ على السلطة وقد عاتبته على هذا البيان وحذرته من مردوداته وأنه قد تسرع فالسلطة سوف لن تغفر له هذه (الزلة) حتى أننى اقترحت عليه أن يتخفى عن الأنظار كما كان يفعل فى الأيام الخوالى فأجابنى أنه لا يستطيع الاختفاء فان إمكانياته المادية لا تسمح له بذلك فهو المسئول عن بيت وعائلة وبحاجة إلى العمل .. وإن الظروف الأن تختلف عنها فى الخمسينات عندما كان أعزباً .. ولم تمر إلا أيام قليلة حتى لفقت لفؤاد الركابى تهمة استيلائه (على شيك) بمبلغ عشرة آلاف دينار وجئ بمهندس شهد زوراً ضده واعتقل فؤاد الركابى([1]) ثم سيق إلى (محكمة الثورة)
وجئ به إلى المحاكمة فطلبنى بالاسم للدفاع عنه ولم أكن موجوداً يومها فى غرفة المحامين فطلب جلال الطالبانى أن يتوكل عنه ولم يكن موجوداً هو الأخر فطلب عبد الوهاب محمود للدفاع عنه ولا أدرى هل حضر للدفاع عنه أم لم يحضر هو الآخر ولكن الحكم على فؤاد الركابى كان معداً سلفاً إذ حكم عليه بالسجن لمدة عشرة أعوام ونقل إلى سجن (بعقوبة) وتركت العراق وفؤاد الركابى نزيل سجن بعقوبة .. إلى أن دبر له رفاق الأمس عملية اغتيال داخل السجن تنفيذاً للوعيد الذى تلقاه يوم أن كان فى القاهرة أن سيكون مصيره القتل لأنه سعى إلى شق الحزب كما كانوا يزعمون .. فجئ بسجين من سجن آخر وادخلوه إلى زنزانة فؤاد فافتعل معه مشاجرة استل على أثرها سكيناً وطعنه برقبته وذبحه وراح فؤاد يصرخ (ذبحنى ذبحنى) وهو يمسك برقبته والدماء تنزف منه بغزارة وترك على هذه الحالة دون إسعاف وعندما نقل إلى المستشفى كانت دماؤه قد صفيت تماماً وصعدت روحه إلى بارئها سنة 1971 وهو ابن الأربعين عاماً .. وقد ترك ولداً وبنتاً .. وأقمنا له فاتحة فى القاهرة ومن سخريات القدر أن يحضر الفانحة سفير العراق فى القاهرة ولكنه خرج مشيعاً باللعنات.
كان رحمه الله علة من الذكاء وله ابتسامة ساحرة تكسب الناس ، يسيطر على أعصابه ولا يكاد يعرف الغضب ، عف اللسان ، دائم الابتسام يحسن المداورة والمناورة ومشكلته الأساسية أن يكون دائماً وسط الأضواء ومحط الأنظار وفى بؤرة الأحداث ولا يطيق أن يكون مهمشاً أو مهملاً ..
يعود له الفضل فى بناء حزب البعث العربى الاشتراكى فى الخمسينات فقد نذر نفسه ووقفها عليه ، يتحلى بصبر وجلد .. يحسن التنظيم واختيار العناصر الكفوءة وتوظيفها فى العمل الحزبى .. هو أول أمين سر قيادة قطرية لحزب البعث فى العراق وأصغر من تولاها سناً رحمه الله.
(1) يراجع كتاب (على طريق النوايا الطيبة) للدكتور خالد الصالح ، فقد تحدث فيه بإسهاب عن معاناة فؤاد الركابى عندما كان معتقلاً معه فى قصر النهاية.