كيف يتولى مزوري الشهادات قيادة بلد الحضارات!!

 

 د.بلسم عبد الكريم هانئ

 

كيف تهان الثقافة في بلد كان منبعاً للثقافة والحضارة التي علمت العالم التحضر!! بل كيف يرتضي من يسمي نفسه عراقياً أن تهان الشهادات الثقافية في بلده الى هذا الحد!!

لقد تبين بالفعل ان الاعلام كان أقسى وأشرس الأسلحة الموجهة ضدنا.. لأنه ضيع علينا الحقائق.. وزين الأكاذيب التي يحوكها المتحكمون بمسيرته.. بتزييفهم الحقائق التي يبحث عنها الناس.. فما بين فضائياتهم وصحفهم تنتشرالأكاذيب ويتردد صداها في مواقع الانترنيت.. حتى بات الانسان لا يعرف حقيقة أي شئٍ لا يريده النظام العالمي الذي يحاول التحكم في مصائر العالم..

 

وللأسف كانت النتيجة.. ان أجبرنا ذلك على الإيمان بأن الـ 4 أصابع التي تباعد بين العين والأذن.. هي التي تحدد الفرق بين الكذب والحقيقة.. فصرنا لا نصدق أي شئٍ نسمعه في العراق، الى أن نراه رأي العين.. وضاعت علينا الحقيقة التي تستند الى المنطق والعقل والتفكير السليم الذي اعتدنا عليه.. لأننا ما عدنا نتقبل مبدأ الاستماع الى صوت العقل، أو الاعتماد على تحليلاته لما نسمعه.. أي انها أغلقت الستار على دور العقل والمنطق والتحليل في حياتنا.. تاركةً المجال مفتوحاً أمام المهرجين لتأدية ادوارهم المسرحية المطلوبة..

 

فضاعت الحقيقة بين كم الأكاذيب التي يبثوها والتي صارت تجبرنا على التشكيك في كل شئ.. وفقدنا كعراقيين.. التفاعل مع الأحداث حال سماعها لأننا ننتظر رؤيتها بأعيننا أولاً.. ومن أطراف محايدة غير عراقية.. بعد أن صنفوا لنا  العراقيين صنفين.. حكومي.. إذن فهو غير نزيه عراقياً لأنه مع الاحتلال ويطبق أجندته التدميرية.. وغير حكومي وضد العملية السياسية المتأمركة.. إذن فهو ارهابي في نظر المجتمع الدولي وحاقد على كل من شارك في العملية السياسية..

 

وقضية محافظ بابل التي باتت حديث الاعلام الأول.. خير دليل على ذلك، فحين سمعنا مثلاً عن سؤال أحد المحافظين شاباً عن شهادته.. كان قد توسط عند أحد أقاربه للتعيين.. ورد عليه ماجستير ادارة واقتصاد.. تعجب المحافظ وصاح : يااااه عندك ماجستيرين.. واحد ادارة وواحد اقتصاد ، تصور الجميع انها نكتة لأن العراقيين أصحاب نكتة ومزحة أصلاً.. ويسخرون من البلاوي التي تصيبهم بطريقة تثبت للعالم ان شر البلية ما يضحك.. كما إن كلية الادارة والاقتصاد معروفة حتى لأصغر طالب في مدارسنا.. فكيف لا يعرفها المحافظ !!

 

ولكن حين طالعتنا الصحف غير العراقية.. بتفاصيل قضية بذات المعنى أثيرت على خلفية الصراع بين القوى السياسية في المحافظات الجنوبية.. مع اقتراب موعد المصادقة على قانون مجالس المحافظات واجراء الانتخابات المحلية.. والذي يمهد للفيديرالية التي تسعى لها الأطراف الموالية لإيران.. وكيف اتخذ الصراع شكل التشكيك بخلفيات المحافظين وأعضاء مجالس المحافظات.. وتبودلت الاتهامات بتزوير الشهادات الدراسية من إيران.. على اعتبار ان التمر الذي أكلته نواه عندي.. واثيرت في وجه محافظ بابل.. قضية تزوير شهادته وطعن في وثيقته الدراسية الصادرة من معهد إيراني للدراسات الإسلامية.. كونها لا تتفق وشروط معادلتها في وزارة التعليم العالي العراقية.. وقام المحافظ للخروج من هذا الموقف الحرج.. بتقديم وثيقة تخرج من ثانوية دجلة في بغداد.. وهي مدرسة للبنات وليست للذكور..

 

صدقناها جميعاً وبدأت فضائياتنا تتناقل خبر تزويره شهاداته الدراسية.. وبينت المديرية العامة للتربية في المحافظة..ان المحافظ لم يكمل دراسته الابتدائية.. لأن وثائقهم تشير الى تركه الدراسة بعد نجاحه في الصف الخامس الابتدائي.. وذهب مجموعة من أهالي بابل الى إيران تطوعا للتأكد من وضع المحافظ .. فلم يعثروا لاسمه على أثر في وثائق ذلك المعهد..

لا بل أشارت الصحف الى وجود حالات مشابهة بين أعضاء مجلس المحافظة.. ففيهم من لا يحمل ولو شهادة الإعدادية.. وإن حملها فهي مزورة.. بعد أن ازدهرت في ايران.. سوق تزوير الوثائق بسعر لا يتجاوز المئة دولار للوثيقة الدراسية في البداية.. لترتفع اليوم الى أكثر من ألف دولار.. بضمان تسجيلها رسمياً في دوائر التربية في إيران .. مما يشير الى ازدهار سوق التزوير وكثرة الطلبات على وثائقه..

 

ما يثير عجبي في كل هذا الخبر هو عدم التشكيك بعراقية هذا المحافظ أصلاً.. وعدم اعتبار الحادثة دليلاً على تغلغل ايران في محافظاتنا.. فإن كان هذا المحافظ لا يعرف ان ثانوية دجلة ليست للذكور.. رغم كونها من ثانويات البنات المتميزة والمعروفة في العراق.. حتى لمن ينام منهم ورجله ممدة بالشمس.. كما يقول مثلنا.. فأي عراقية هذي التي يدعيها، وهي لا تحمل من اسمها شئ!!

 

لقد شاء الله فضح هؤلاء العملاء على ما يبدو.. بكشفه المعلومات عن هذا المحافظ الأمي وغيره العشرات ممن  تولوا قيادة هذا البلد بالتزوير والتزييف وحرف الدال الذي وضعوه قبل اسمائهم.. ليطلوا علينا من الفضائيات كمنظرين ومثقفين في بلد الحضارات الأول.. وهم لا يملكون من الشهادات المدرسية شئ..

 

من يعتب إذن على الفوضى السائدة في العراق اليوم.. إن كان يدار من قبل حكومة لا يقدرمسؤوليها العلم ولا يحترمون الشهادات.. حكومة تتسيد الفوضى جميع مفاصلها؟؟ فهذه الحادثة تبين بما لا يقبل الشك صدق من قال بكرة نجلس على الحيطة ونسمع الزيطة..

ولكن العتب الذي يفرض نفسه وسط كل هذه الزيطة.. ويبحث عن توضيح لا يجده..

هو كيف يسمح من يسمي نفسه عراقياً بأن تهان الثقافة ووثائقها لهذه الدرجة.. في عراقه الذي عرف عبر التأريخ.. كمنبعٍ للثقافة والحضارة والتدوين.. التي علمت العالم معنى الثقافة والتحضر على مر السنين!!!!