من أحب العرب أحب اللغة العربية
حسين الربيعي
لم أجد خيراً من كلام الأمام اللغوي أبي المنصور بن محمد الثعالبي في وصف اللغة العربية ، لذلك أقتطعت جزءً يسيراً منه لأستدل به في مقالتي هذه ، يقول الثعالبي :
" من أحب الله أحب رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومن احب النبي العربي أحب العرب ، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضلُ الكتب على العجم والعرب ، ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته أليها ، ومن هداه الله للأسلام ، وشرح صدره للأيمان ، وأتاه حسن سريرة منه أعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خيرُ الرسل ، والأسلام خيرُ الملل ، والعرب خير الأمم ، والعربية خير اللغاتِ والألسنة ، والأقبال على تفهمها من الديانة . إذ هي أداة العلم ، ومفتاح التفقه في الدين ، وسبب إصلاح المعاش والمعاد ، ثم هي لإحراز الفضائل ، والأحتواء على المرؤة وسائر أنواع المناقب ، كالينبوع للماء والَزند للنار . "
وفي جزء أخر : " فكيف وايْسَرُ ما خصها الله عز وجل من ضروب الممادح ما يكل اقلام الكتبة ، ويُتعب أنامل الحَسَبَة ، ولما شرفها الله عز أسمه وعظمها ، ورفع خَطرَها وكرمها ، وأوحى بها إلى خير خلقه ، وجعلها لسان أمينه على وحيه ، وأسلوبَ خلفائه في أرضه ، وأراد بقاءها ودوامها حتى تكون في هذه العاجلة لخير عباده . "
أقول هذا لأذكر القرار الليبي القاضي بمنع الأجانب من دخول ليبيا لغرض السياحة مالم تكن جوازاتهم مترجمة للغة العربية ، وهذا القرار يأتي أنسجاماً لأحترام العروبة والعربية وأعتناقهما ، كما تأتي رد على إجراءات بعض الدول في منع المتكلمين بالعربية من التفاهم بها ، وكذلك الأتجاه السائد عند ( البعض من الحكام) بأستخدام مصطلحات غربية بدلاً عن العربية للمساهمة في تغريب الثقافة القومية ، حتى أصبحت قنوات الفضائيات التي تعني بالأطفال والشباب تسمى باسما غربية ( سبيستون ، تينز ، دريم ) لإلباسهم ثقافة غير ثقافة أبائهم وقوميتهم وأسلامهم .
يذكرني هذا القرار بقرار قيادة ثورة تموز 1958 في العراق بعد الثورة مباشرة بمنع إرسال البرقيات (التلغرافية) التي كانت الوسيلة الأكثر حداثة حينذاك في وسائل الأتصالات كالشبكة الدولية اليوم ، مالم تكن مكتوبة باللغة العربية . وقد غمرني القرار بالفرح والنشوة ، مثل كل الذين تغمر عقولهم الثقافة العربية وحب العربية ، لغة القرآن التي قال عنها الرسول الكريم أنها لغة أهل الجنة ، فإن هذا مدخلاً لأحترام الناطقين بهذه اللغة العظيمة التي قلما تشابهها لغة أخرى بأمكانية التعبير والدقة في التوصيف والبلاغة والوضوح والعلمية .
ويشدني زهو .. أن أشعر من أعماق نفسي أن ثوار تموز 1958 لايزال لهم غصون في شجرة الأمة التي تمتد جذورها لأبطال فجروا مراحل تأريخية عظيمة كان عنوانها إعادة كرامة الأمة العربية .
هذا هو الرد الذي كنت أنتظره وأتمناه ، أنه الغيث العربي الأصيل على آولئك ( المحبطين) الذين (خلاص) .. نزعوا عروبتهم .. وكرامتهم .. ولغتهم وثقافتهم ، وإذا كان في هذا الرد من معاني عديدة ، فإن من معانيه إن المغتربين في ثقافتهم ، والمتعالين على لغتهم ، والعملين على تشويهها .. كالمترددين الذين لايستطيعون أن يصنعوا الحرية ، وإن العربية تبقى ، كما تبقى الحرية لها جنود يدافعون عنها .