نستمر أم نهادن؟

حسين الربيعي

منذ ما بعد الاحتلال و حتى الان ، كان عملنا الواحد .. الصيغة التي عمل بها التيار القومي وبالخصوص تلك القوى و الحركات و الشخصيات المتمثلة اليوم في التيار العربي ، فلم يكن يصدر قراراً من هذه الاطراف دون ان يكون قد جرى مشاورته بطريقة ديمقراطية بين الجميع حتى قبل أن ينظم عمل "التيار" نظام داخلي و برنامج سياسي ، ورغم كل ما يدور بيننا في أحيان من سخونة في النقاش وحدة ، فقد جرت الطريقة ان لا يختلف في القرار النهائي .

هذا هو السبب الذي جعل التيار العربي قادراً على ان تكون له رؤيا صحيحة ، و يمكنه من التعامل بجدية و بمقدرة فائقة ، وان يوسع قاعدته الجماهيرية ، واصدقائه و حلفائه و مناصريه فكان للتيار العربي ، جمهور و قيادة في الفرات الاوسط ، وأصبح مركز جذب للقوى الوطنية هناك وكان له انصار و اتباع في الجنوب البطل ، كما كان له أتباع وانصار في نينوى وكركوك ، و في صلاح الدين  وفي الانبار الصامدة .

وأصبح للتيار العربي ، اتباع و انصار و اعضاء من الاخوة المناضلين خارج الوطن ، كما كان له محبين مساندين من قادة و أعضاء الحركة القومية العربية في الوطن العربي ، و أصبح واضحاً دون شك .. ان خطه غير المجامل في الحق ، و طريقته بالتعامل من اجل المصلحة الوطنية .. و الوطنية فقط دون ان يغامر بها  لغرض المصالح الشخصية والحزبية الضيقة . قد كسب له المزيد من الاصدقاء ، وقدره على مساعدة الاخرين في تصحيح بعض برامجهم و مواقفهم .

وبكل فخر تمكن التيار العربي ، ان يكون حمامة السلام ، التي لا تسالم الباطل ، او تساوم في المبادئ .. و مثلما اختار الآخرون الذين لم نخشى في  وسائلنا الاعلامية و بياناتنا السياسية زعلهم و غضبهم ، وكنا قد تحولنا لمرايا تعكس لهم اخطائهم و تصارحهم بها .. فجعلتنا تلك الطريقة أن نتحول لأصدقاء مقبولين لهم ، وربما لاحقاً لحلفاء في خندق المواجهة الوطنية ضد الأحتلال  .. فان التخلي عن وسيلة التقرب هذه لن تكون الا وسيلة لعودة التيار لزاوية التهميش و العزل .

لقد أدرك الاخرون .. ان التيار العربي يمتلك من المقدرة العلمية البالغة على التحليل و القدرة على التواصل مع القاعدة الشعبية الجماهيرية الواسعة ، ولذلك فقد أعترف بذلك اعدائه قبل اصدقائه وكان من ذلك ما اوصى به بيكر في التقرير المسمى بأسمه .

ليس في مقدورنا الوقوف  وسط الطريق .. علينا المثابرة و المسارعة ، فالعودة عن العبور غير ممكنة في طريق سريع .. و الوقوف في وسطه انتحار كبير وليعلم الاخوة اننا في مسيرتنا نحتاج للمطاولة ، والتيار العربي كما إن فيه محمديون علويون حسينيون ، آيوبيون وقاصيون .. ألخ ، فإن فيه فاطميات زينبيات خنسائيات وزنوبيات ، بالقدر الذي يجعلهم ويجعلهن بمنأى عن إغراء الصفراء والبيضاء ، ولايبدلون ذرة ً من تراب الوطن بقناطير منها ، ولاكلمة حق بمزايا أو مصالح .

عند كل المفاصل يجب أن يدرك الجميع ، ومن كان في موكب التيار العربي أولاً ، إن التيار العربي بأعضائه كلهم لم يكونوا يطمعوا أو ينتظروا ثمن للتضحيات ، ومهما يكون فلن يعوض دماء شهدائنا إلا وحدة الوطن التي إذا ما قدرنا الله على صيانتها نكون قد أدينا الأمانة ، وأن كسب المزيد من الأخوة والأصدقاء من خلال مساعدتهم على دقة الرؤيا ، وحسن الموقف الوطني والوقوف على أخطائهم وخطاياهم ثم العودة لساتر الوطن والتخلص من الأثار السلبية ،  ولذلك فإن التيار العربي لايجامل في حق ، وعليه فهو لايجير إلا للشعب والأمة .. وللحق ، فحين رفضت الحكومة العراقية حضور مؤتمر آنابولس أيدنا موقفها ، ولكنها حينما تراهن بأتفاق يرهن العراق للأحتلال الأمريكي ، فنحن غير مخيرين في الرفض أو القبول ، أن القبول بأستمرار الأحتلال بأي شكل ٍ كان جريمة وطنية وقومية كبرى لن يرضاها مناضلوا التيار العربي مطلقاً ، وغير القادر على المطاولة عليه أن يتخذ القرار بالأستمرار أو عدمه فالقادم أخطر وأقسى وأهم مما فات من المراحل .

مرة ً أخرى نقول أن من يريد أن يجتاز طريقاً سريعاً عليه أن يستمر على نفس الوتيرة ، إن لم يتمكن من تصعيدها .. فلا سبيل للعودة أو الوقوف وسط الطريق أو الحد من الأندفاع فتلك الأمور تعني الموت والسقوط ، وآي موت أقسى من موت الضمير ، وأي سقوط أرذل من سقوط الأمانة على المبادىء ؟

على كل حال فخير ما نستعين به من منهل الحكمة ماقاله الإمام علي بن آبي طالب فهو القائل : ماأكثر العبر وأقل الأعتبار .

وعلى كلٍ فالتأريخ لايرحم ، كما أنه لايبخل على المجاهدين من شاهري الحق والحقيقة ،وإن كان قتلة علي أو الحسين عليهما السلام قد تمكنا من تنفيذ جريمتهم الكبرى ، فإن التأريخ ينتقم منهم يومياً .. فأين قبورهم التي تلاشت وأصبحت خراباً مثل قصورهم : وأين أتباعهم ؟ مقابل أتباع المجاهدين من أهل البيت وتلك أضرحتهم شاخصة عزيزة ، وآولئك محبيهم في مواكب القاصدين والزائرين من المؤمنين .

وهل بخل التأريخ على غيلان الدمشقي الذي واجه بالحقيقة " فغيلان يكتب إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز يعنفه عندما توهم في موقفه بوادر التهاون مع أفراد أسرته ، فيرد عليه عمر قائلاً : أَعَِني على ما أنا فيه . فيعاونه ويتولى الأشراف على بيع الثروات المصادرة من الأمويين في مزاد علني أشبه بالمظاهرة السياسية ضد الأمويين ، فيصيح في الناس ويقول لهم : تعالوا إلى متاع الخونة .. تعالوا إلى متاع الظلمة .. تعالوا إلى متاع من خلف رسول الله في أمته بغير سنته وسيرته .

وحينما يدفع غيلان حياته ثمناً لهذا الموقف ، فيصلبه هشام بن عبد الملك ،كما دفع رحيم النصر الله وغيره من شهداء الكلمة أرواحهم ..  فقد رحم التأريخ غيلان وخلده وعظمه ، وتلاشت قصور وهيبة وأستبداد الظلمة لأطلال وخراب وخسران ، كما رحم (إنشاء الله) رحيم النصر الله وبقية شهداء العراق وجعلهم في جناته وفي نفوس المؤمنين أمثلة وعناوين للتضحية والأيمان ، وإلى خراب هم الظالمين .