|
العروبة
.. انتماء ووجود وقدر مشرف
حامد شهاب
لم
تكن ( العروبة ) أو من تغنى بها في أي يوم من الايام يشكل ( مثلبة
) على دعاتها والمتمسكين بها ، بل ان ( العروبة ) هي أساس كل منبع
خير وفضيلة ، وموئل الحق والعدالة والشعور بالانتماء الصميمي لأمة
العرب ، على مختلف انتماءاتهم ومذاهبهم ولون الحياة السياسية او
الاجتماعية الذي يفضلون، شرط ان لايتبرأوا من روح هذه العروبة ومن
وهجها ومن أرثها التاريخي الضارب في أعماق التاريخ علما وحضارة
وفلسفة وأخلاقا ومثلا وقيما ومباديء ، وكل ما هو جميل وغني وغزير
يشعر النفس الانسانية انها تنتمي لذلك الماء الصافي الرقراق العذب
الطيب المذاق.
والأغرب ما في مثقفينا انه يتجاهل كل فلسفة عروبية او ممن يتغنى
بعروبته وانتمائه لهذه الأمة،رغم ان الأمة أكبر من الفكر والمفكرين
وحتى اكبر من الفلسفات والمتفلسفين، الا ان التمسك بالعروبة واجب
أخلاقي وقيمي رفيع يمنح صاحبه أفضلية رجحان العقل وقوة حجته في
المنطق وفي الدفاع عن كل هذا التاريخ المليء بالعبر والدروس الغنية
التي لولاها لما كنا قد ولدنا عربا أو أسمونا هكذا، وهو شرف لنا ان
نحمل لواء العروبة لانها هي التي حملتنا ومن ثم غذتنا بزادها
الروحي والقيمي الى ان أحبتها الملايين عبر الاف السنين لتكون
قدرهم الذي يتفاخرون به ليس لاغراض التعالي والتمايز السلبي، بل
لتأكيد ان امة العرب هي صاحبة حضارة ضاربة في أعماق التاريخ قد
ارست معالم قيم وعلوم وفلسفات ومعارف نهل منها العالم شرقه وغربه ،
فكانت حقا مصدر فخر لا مصدر تشفي الا من بعض الحاقدين على العروبة
او من من نزعوا أثوابهم وتعروا أمام العالم ليعلنوا براءتهم منها،
وهي التي تبرأت منهم، رغم انها اشفقت على مواقف هؤلاء الذين باعوا
كل شيء ليستروا عوراتهم التي انكشفت ولم يعد لديهم متسع الا
للانضمام الى أي فكر يناهض العروبة أو يحط من قدرها، ثم يروح البعض
ليتغنى بامجاد أقوام وامم وفلسفات غيره، ويتخذ منها زادا له، وما
درى ان زاد تلك الفلسفات وتلك الأمم لاتغنيه عن شيء من روائع
حضارته العربية والاسلامية التي كانت محط تقدير رب السموات والأرض
، حين قال تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) وقوله
تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) ، وهذه دلالة أكيدة على عظمة هذه الأمة
، انها امة العرب، التي كرمها الله لتكون بهذا العلو من المنزلة
لتكون شاهدا على الدنيا كلها بأنها صاحبة رسالة انسانية سمحاء ،
ويشرف كل انسان ان يحمل لواءها ويتغنى بامجادها ، لما كان لها من
فضل كبير على الدنيا في انها أنارت العالم وكانت منارة الدنيا ،
تشمخ بكبريائها بين الأمم وكانت محل تقدير وما زالت، رغم كل ما
تعرضت له من اهوال وهجمات وغزوات ومحاولات استلاب لهويتها ووجودها
من جهات عدة، فأجتمع أهل الشر كلهم لوأد امة العرب والقضاء على اي
معلم من معالم الحضارة والتمدن فيها ، ولكن هيهات على هذه الأمة ان
تموت او يخبو بريقها لانها قدر كل المحبين لأمة العرب والحالمين
بفجر ينقذ الانسانية من ويلات الضلالة والانحطاط الفكري والأخلاقي
الذي ساد عصرنا الحالي، حتى أسودت الدنيا من شدة ظلام المتجبرين
والمستكبرين ومن نصبوا انفسهم ليكونون بديلا عن الله في بسط
سيطرتهم على مقدرات العالم.
والعروبة هي الهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والعقل الذي
نرتشف منه طريقنا للنجاة والنور الذي ينير طريق الاجيال، لتستذكر
كل ما هو مشرق وجميل وعظيم في فكر الامة وفي امجاد أمة العرب،
لتنهض بها الاجيال ، وهي التي نطقت حروفها وتشربت في دماء ابنائها
واجيالها ، ومن يريد ان يشعر بآدميته ومقام وجوده يستحضر كل تاريخ
العرب وامجادهم، ليضعهم في مرتبة متقدمة من الاهتمام ، بعد ان وضعت
العروبة من انتمى اليها الى هذا القدر الرفيع بان منحته القدرة على
الابداع والابتكار والخلق والاسهام الفاعل في الحضارة وفي صنع
التاريخ المشرق الذي شوه وجهه بعض المتنكرين للعروبة وممن باعوا
انفسهم بدراهم معدودة ، بثمن بخس، واستحقوا لعنة الله والتاريخ في
الدنيا والآخرة.
ليس بمقدوري أن اكون فرنسيا ولا اميركيا ولا هولنديا ولا باكستانيا
، وليس بمقدوري الا ان اكون عربيا ، عربي الهوى والقلب واللسان،
وهو قدري الذي ليس بمقدوري ان أحيد له أو اتنكر له، مهما لبست من
أثياب وارتديت من أزياء وطليت جسدي بأصباغ وألوان ، لأن تكوينه أي
منا عربي ودمه عربي، وهو قدره الذي وضعه ليكون لسانه عربيا وروحه
ناطقة بالعروبة ينبض بروحها ويستزيد من بلاغة فصاحتها ورجحان عقول
ابنائها الغر الميامين ، وهم كثر بعون الله ، ان احسن القائمون على
تربية ابناء الامة، ووجهوا اجيالهم وفق الوجهة التي تنتمي الى
العروبة الصادقة الاصيلة التي تعترف بحق الآخرين في الوجود
الانساني شرط ان يحترموا حقها في ان تكون حاضرة مشرقة تملأ الاصقاع
علما وحضارة وأمجادا وفلسفات وقيما ومحبة، وهذه هي رسالة العرب،
انهم أصحاب رسالة انسانية سمحاء لاتعتدي على احد او تتجاوز على
حقوق الآخرين لكنها لن تقبل احدا ان يتجاوز عليها او ان يحط من
قدرها، لانها لاتستحق ان تعامل هكذا، كونها أمة تحظى بتقدير الخالق
فكيف يكون البشر اذن وهم دون مستوى الخالق بكثير، ما يعني انها امة
احترمت نفسها وفرضت احترامها على الامم الاخرى، وكانت امة مهيوبة ،
تضع لها الدنيا اعتبارها، وفقا للأرادة الالهية وارادة الأقدار في
ان تكون امة الشموخ الانساني الرفيع، وتلك التي تنير الدنيا
بوهجها، وهكذا كانت وستبقى على مدى التاريخ، وهي تستحق ان تعامل
بأحترام وتحظى بكل هذا التقدير انطلاقا من كل تلك المواصفات التي
غرست قيمها وروحها فينا وبين جنباتنا لكي نبقى اجيالها وحاملو
رايتها، وهي التي تمنحنا كل هذا الدفق الروحي لنصعد الى اعالي
السماء، لنكتب قصة الدنيا بأنا شاهدوها الأصلاء الغر الميامين،
الذين لايخشون في الله لومة لائم.
والعروبة لاتحتاج الى تنظيم سياسي لكي تعبر عنها وان كانت هناك
تنظيمات كثيرة حملت اسمها، الا انها تبقى اكبر من كل التنظيمات
والأسماء والحركات، وافضل ما فيها انها تحتاج فقط الى لحظات تأمل ،
فردي أو جماعي، لكي يشعر الانسان العربي انه أمام مسؤولية تاريخية،
ان يكون في مستوى هذه القيمة الكبرى، ينهل من عبق حضارته ما يشفع
له ان يكون عالما وفيلسوفا وفنانا واديبا وثائرا ، يحمل راية
العروبة وهو اكثر ثقة بقدرة امته على استعادة أمجادها ووهج
عبقريتها، وهذا ما يمنحها دفقا روحيا ، لكي يبقى نورها متوهج على
مدار التاريخ، وهكذا يكون التاريخ العربي شاهدا على مكانة أمة
رفيعة ، عظم الله شأنها بين الامم. |