صفقة هاتفية (بوشية ـ نورية) لالغاء دولة العراق ..!
هارون محمد
لاول مرة في تأريخ
الامم والشعوب، يقرر رئيس دولة عظمي اسمه جورج دبليو بوش، مستقبل بلد عربي أصيل
وعريق هو جمهورية العراق عبر مكالمة هاتفية لم تستغرق غير عشرين دقيقة مع رئيس
حكومة الاحتلال الرابعة نوري المالكي، الذي أثبت مرة أخري انه رجل يفتقر الي الحس
الوطني والاخلاقي ومستعد لبيع نفسه وحزبه لقاء ان يبقي متربعا علي كرسيه المتأرجح،
شهرا او سنة، دون ان يعي ان الاجيال العراقية ستتبرأ منه، جيلا بعد جيل.
وعندما قلنا في مناسبات سابقة ان الذين جاء بهم الغزاة الامريكان ونصبوهم رؤساء
ووزراء وموظفين رفيعي الرواتب والمكافآت والامتيازات ليسوا رجال دولة، ولا يمتون
الي العراق بولاء وطني اوغيرة عراقية، وانما هم مجموعة ارتبطت بالثالوث المعادي
للعراق (امريكا الامبريالية واسرائيل ومافياتها الصهيونية وايران الفارسية) فاننا
لم ننطلق من اجتهادات شخصية او اختلافات فكرية او سياسية، وانما استندنا الي سلسلة
من الوقائع والحقائق والوثائق والاحداث ما زالت تتجدد يوما بعد يوم بصيغ واشكال
عديدة، مغايرة في تسمياتها وعناوينها عن سابقاتها، ولكنها متطابقة نصا وروحا معها،
ومنها الصفقة الجديدة التي اعلن عنها يوم الاثنين الماضي في واشنطن وبغداد عقب
المكالمة الهاتفية بين بوش ونوري وسميت بـ(مبادئ اتفاق او تفاهم) هي في الحقيقة
مقدمة لتحويل العراق الي محمية امريكية في نهاية عام 2008، بعد ان يكون الرئيس
الامريكي الحالي قد حزم حقائبه استعدادا لمغادرة البيت الابيض بلا رجعة.
ولان نوري المالكي نتاج حزب أسسه ايرانيون تنعموا بخيرات العراق ردحا من الزمن ثم
ارتدوا عليه وطعنوه من الامام والخلف، سرا وعلانية، من أمثال مهدي آصفي وكاظم حائري
ومرتضي عسكري وعلي كوراني، فهو لا يختلف في سيرته وسلوكياته عن هذا الرباعي المتآمر
تاريخيا علي العراق، بل انه فاقهم حدة في طائفيته البغيضة وعداوته الحقودة علي
العراق والعرب مستغلا صلاته الامريكية وعلاقاته الايرانية في تمرير سياسات واجراءات
تخدم في نتائجها واشنطن وطهران وتلحق أضرارا لا حدود لها بالعراق علي صعيد تخريبه
وتدمير بناه وانجازاته التي شادها العراقيون، عطاء وتضحيات عبر ثمانين سنة، فليس
صدفة ان يقع اختيار المحتلين الامريكان عليه ويستخدموه رئيسا للحكومة..
ولا تصدقوا اكذوبة الحكومة المنتخبة في ظل الاحتلال، او نكتة حكومة المكونات
العراقية وهي التي لم يبق في تشكيلتها غير وزراء حزبي الدعوة والمجلس الصفويين
وحزبي مسعود وجلال الانفصاليين، واذا كانت علاقات نوري المالكي بايران معروفة وهو
الذي هرب اليها وأمضي عقدا من الزمان فيها، فان صلاته مع الامريكان تعززت عقب
احتلال العراق مباشرة، واستنادا الي معلومات من داخل حزب الدعوة، فان الحاكم
الامريكي السابق السفير بول بريمر هو من اختار نوري المالكي عضوا في هيئة اجتثاث
البعث وعينه مديرا عاما فيها رغم ان الحزب رشح قياديا آخر كان يتولي مسؤولية ملف
حقوق الانسان فيه..
ووفق ما تتناقله أوساط ابراهيم الجعفري الآن، فان المالكي لم يصوت للاخير في
ترشيحات الائتلاف لرئاسة الحكومة الحالية ووقف ضده مع انه رفيقه في الحزب وانما
اعطي صوته الي عادل عبد المهدي منافس الجعفري وقتئذ، بعد ان عرف ان الامريكيين لا
يفضلون استمرار ابراهيم في رئاسة حكومة جديدة ويميلون الي عبد المهدي، والجعفري
اليوم ينفث حسرات ويردد وسط أنصاره (الحمي منين تجي؟) ويجيب هو نفسه: من الرجلين
طبعا (بكسر الراء) والرجل هنا تعني الساق، لذلك فهو ينشط منذ شهور لانقاذ حزب
الدعوة من هيمنة المالكي وانتشاله من القبضة الامريكية حسب وصف أتباعه، ونقلا عن
مسؤول سابق في حكومة علاوي ذهب الي امريكا نهاية العام 2005 وعمل باحثا في أحد
مراكز الدراسات هناك..
ان مسؤولين كبارا في وزارتي الخارجية والدفاع ومستشارية الامن القومي والسي آي ايه
طلبوه الي اجتماع معهم في نيسان (ابريل) 2006 أثناء أزمة تشكيل الحكومة يومذاك،
وسألوه عن معلوماته ورأيه في المالكي الذي لم يكن اسما متداولا في قائمة المرشحين،
فاوضح لهم انه متواضع القدرات الفكرية والسياسية وقدم لهم شرحا مفصلا عن تعليمه
المتواضع وسيرته السياسية وارتباطاته مع ايران وسورية، وقالوا له هذه نعرفها ولكن
نسألك عن طبيعة شخصيته؟
ونريد منك ان تضع آراءك ومواقفك المسبقة ضده علي جنب وتحدث لنا بموضوعية ؟ فأجابهم
ان شخصيته ضعيفة ومنغلقة وراح يسرد ما يملكه من معلومات عنه حول هذه النقطة وسط
ارتياح ظاهر علي وجوه الجماعة، ويضيف المسؤول السابق انه ابلغ عددا من أصدقائه في
بغداد من ضمنهم علاوي ان الامريكان سيعينون المالكي رئيسا للحكومة، فكان جواب
أغلبهم ساخرا.. هل انت تمزح؟
ويقول عضو في جبهة التوافق انه سمع باذنيه السفير الامريكي زلماي خليل زاد يقول
لاحد قادة الجبهة الدكتور عدنان الدليمي، أيدوا نوري المالكي واشتركوا في حكومته
فهو تحت السيطرة ـ كان هذا في ايار (مايو) 2006 قبل ان ينتهي من تأليف حكومته
الحالية ـ ..!
وهناك شواهد كثيرة تدلل ان الامريكان جاءوا به ونصبوه رئيسا للوزراء لمصلحتهم
باعتباره شخصا ينفذ ما يريدون وما يرغبون دون نقاش، وقد لاحظنا كيف يتعامل معه
المسؤولون الامريكيون وأعضاء الكونغرس بطرق غير لائقة انسانيا علي الاقل، ويوجهون
اليه تعليمات وأوامر وكأنه مستخدم في احدي مؤسساتهم بواشنطن او كاليفورنيا، دون ان
نسمع منه اعتراضا او كلمة (لا) الامر الذي دعا كثير من الصحف الامريكية التعليق علي
أدائه واطلاق توصيفات عليه أقلها، خيبة أمل وفاشل ولا يصلح الي آخرالمفردات
التشكيكية فيه، وبالتأكيد فان هذه التسميات لم تأت من فراغ وانما هي حصيلة معرفة
بشخصيته واهتماماته وقدراته سلفا، فالامريكان معروف عنهم انهم يرفضون شركاء معهم في
ادارة الدول التي يحتلونها وانما متعاونين يخضعون لاجندتهم ومخططاتهم..
ولاحظوا كيف أملي بوش مضامين وثيقة المباديء الامريكية ـ كما سميت ـ علي نوري
المالكي وعبر الهاتف، بلا اجتماعات ولا مناقشات ولا تحضيرات رغم ان الوثيقة تحمل
قضايا خطيرة، تهدد مستقبل العراق وتحيله الي محمية أمريكية تماما. وواضح ان بوش
اختار هذا الوقت بالذات لتمرير وثيقته لاعتبارات أمريكية عديدة منها: انه يريد ان
يخدع الرأي العام الامريكي بان استراتيجية النصر التي صدع رؤوس الامريكيين بها منذ
ايار (مايو) 2003 قد تحققت الآن وهذه الوثيقة احدي ثمارها، دون ان يسأل نفسه ان من
أخفق في تنفيذ استراتيجية النصر المزعومة علي مدي خمس سنوات من الاحتلال وقسوته،
كيف له ان يحققها في أقل من عام، خصوصا وان هذا العام 2008 هو عام الرحيل عن
الادارة والبيت الابيض؟
اما الاعتبار الامريكي الثاني فيتمثل في ان الرئيس بوش اراد بهذه الوثيقة ان يستبق
الاجراءات التنفيذية لانسحابات امريكية حددها تقرير السفير كروكر والجنرال بتراويس
امام الكونغرس قبل ثلاثة شهور، ومعروف ان الرئيس بوش لا يطيق سماع كلمة (انسحاب)
وسبق له وأعلنها في أكثر من مناسبة: الانسحاب من العراق مهمة الرئيس الذي يأتي
بعدي، في تعبير قاطع بانه لن يقدم علي اجراء انسحابات عسكرية ما دام علي رأس
الادارة، واستنادا الي ما قاله الجنرال دوغلاس لوت مستشاربوش، فان الوثيقة الجديدة
تحدد انتشار القوات الامريكية في العراق بعد العام 2008 وعدد هذه القـــــوات
وقواعدها..
وهذا يعني ان بوش يريد استبدال الاحتلال العسكري للعراق بانتداب عسكري، والاحتلال
والانتداب وجهان لعملة واحدة، وهو أمر ناقضه تماما الجنرال المتقاعد ريكاردو
ســــانشيز الذي قاد القوات الامريكية لاحتلال العراق في ربيع العام 2003 ، عندما
أبلغ اذاعة الحزب الديمقراطي، ان ادارة الرئيس بوش تخطئ اذا اعتقدت ان النصر في
العراق يتحقق بالقوة العسكرية.
نوري المالكي برضوخه لوثيقة بوش المهينة حرق كل أوراقه ولم تعد أمامه فرصة لاصلاح
مساره وتصحيح مسيرته، وأكد انه الرجل الخطأ في الوقت الخطأ، وهذا ما كنا نحذر منه
عندما قلنا وكررنا القول كثيرا ان قيادات الاحزاب الطائفية والعرقية لا تصلح لادارة
بلد مثل العراق لانها ببساطة لا تحمل غير افكار الاستحواذ علي المناصب والمواقع
والاموال والامتيازات، ولاحظوا حجم الفساد والاختلاسات وفضائح التزوير والسرقات وما
خفي كان أعظم.