العراق .. تحسن أمني أم القبول بالأمر الواقع ؟
أمن على كف عفريت
حسين الربيعي
يحاول ( البعض ) تعظيم بعض المتغيرات ، وتضخيم المنجز ( الأمني ) ، في محاولة ( لتصيد ) البسطاء من ذوي النفوس الطيبة ، ومع الأقرار ببعض التحسن الذي تحقق نتيجة للوعي الوطني ، واللأتفاف حول الوحدة الوطنية ، والتحول عن التعويل على الأجهزة الحكومية .. فإن مسألة ( تحسن ) الوضع الأمني في العراق تحتاج للتوضيح لغرض معرفة :
1 ـ حقيقة إنجازها .
2 ـ حقيقة أسبابها .
وقبل أن ندلف في تحديد مظاهر تحسن الأمن والبحث عن أسباب أنخفاض العنف وحقيقته ، يجب أن نتأكد أولاً من حجم الأنخفاض ، بسبب وجود ملاحظات تزعزع الثقة بأهمية ومستوى هذا الأنخفاض ، ومنها :
أ ـ أستمرار أو تزايد مظاهر ـ الحذر والأحتياط ـ وبقاء الجدران العازلة وتزايد نقاط التفتيش .
ب ـ أنتقال العنف ومظاهر الفوضى الأمنية إلى مناطق كانت أكثر امناً .
ومع ما سبق الأشارة اليه من تحول (جزئي) ، إلا أن حالة التعتيم الأعلامي ـ تضع الأقرار بصحة هذا التحول أمراً عسيراً ، وبعيداً عما يتناقله ( المواطنين ) عن عمليات كبيرة من أستهداف المواطنين ، والمواجهات ضد قوات الأحتلال ، فإن الشواهد الملموسة كثيرة ومتعددة على عدم الأقرار بصحة التحسن وحجمه الحقيقي ، فلا تزال ( الحياة الطبيعية ) بعيدة عن شكل وسياق الحياة اليومية والعملية للمواطنين ، ولاتزال المناطق التجارية المهمة في بغداد تمارس بعض عملها ضمن ظوابط (مشددة) و(حذرة) جداً .. إن أكثر ما يمكن أن يعبر عنه تحت مبررات التفأول أن هناك ( سكوناً حذراً ) ، فيما يعتقد البعض أنه ( السكون الذي يسبق عاصفة) .
ومن الوقائع التي تسخر من (فكرة) تحسن الوضع الأمني ، سيطرة الأطراف (الطائفية) المسلحة على مناطقها (المعزولة) ، بعد أن جرى (تنقيتها) من الطوائف الأخرى وإغلاقها على طائفة واحدة ، وتسييد ( أمراء ) التشكيلات المسلحة .. ولكن بعناوين جديدة !
ومن المسائل التي تدفع للتشكيك ، حقيقة الكلام عن فتح شوارع معينة للمواطنين ، ومنها شارعي أبي نؤاس وفلسطين التي أغلقت أجزاء كبيرة منها بوجه مرور أليات المواطنين كما منعت ألأعمال التجارية والسياحية فيهما ، أن هذه الأقاويل التي ترددها وسائل الأعلام (المتعاطفة) مع بعض ( المسؤوليين ) ، تحولت لتندر الكثير من المواطنين وأنتقادهم ، وهي ( بالأضافة للمردودات السيئة للعملية السياسية) تساهم في بناء أسوار من عدم الثقة والشك بين القوى القابضة على السلطة والشعب .
ولابأس من الإشارة ، فإن الوضع المني في مدن كركوك والموصلوديالى لم تؤخذ في الأشارات الأمنية ، بسبب تعدد أسباب تازمها ، منها القرارات ( الخطيرة) التي يجري تنفيذها في ظرف غير مناسب على الأطلاق ، وهو ما يخص تطبيق المادة (140) وعدم وجود جهة (محايدة) على رأس (الأليات) المشرفة على التنفيذ ، في جو مشحون وطنياً وأقليمياً بخصوص الموضوع ، حيث أن هذه المناطق سوف تظل حتى وقت ليس بالقريب مناطق ساخنة ، علماً أن الحل العسكري باهض الثمن إذا أنفرد بالمبادرة .
أما مناطق الفرات الأوسط والجنوب ، فالصراع في الديوانية على أشده ، وكذلك في البصرة ، وتتراوح شدته في الأرتفاع والأنخفاض بين الحين والحين في المدن الأخرى . أن هذه المناطق تشهد نوعين من الصراعات : صراع سياسي بسبب الخلاف في وجهات النظر على .. الأحتلال ، ألأقاليم ، المشروع الأقتصادي للعراق ، والأنتماء للعروبة ( حيث تتمسك بعض القوى بمفهوم الأمة العراقية لنسف الهوية العربية) . وهناك خلاف بين الكتل والأحزاب على توزيع المناصب والوظائف والأمتيازات أو المنافع . ومن مخاطر هذا الصراع التأثيرات المقبلة من (الفضائح) التي كشف عنها ، وأتساعها مستقبلاً إذا لم يتم التعامل معها بشكل جدي خصوصاً انها أستهدفت جهة معينة دون غيرها .
ومما يحاول البعض أستثماره لغرض ( الأقناع ) بتحسن الأمن ، عودة ألوف من المهاجرين العراقين من دول المهجر العربية ، ففي حين ومن خلال الأعتراف الرسمي تزايد ما يسمى عمليات الهجرة أو التهجير الداخلي إلى نسب عالية ومرتفعة ، فإن أسباب عودة المهجرين الرئيسية كانت الأجراءات ( القاسية) لسلطات ( أقطار) المهجر العربية ، وسوء الأوضاع المادية للمهجرين .
وعلى كل حال فإن الصراع الطبقي لم يكن أمراً وارداً في العقلية العراقية على الأطلاق ، ولم تتوارد (شواهد) تأريخية على وجود أثر ولو بسيط على وجوده ، وهو بالنتيجة ( حالة ) مستوردة ، ومقصودة أتت مع الأحتلال لتسهيل تنفيذ مشروع مخيف وخطير ، فإن من أهم أسباب التحسن النسبي للأمن :
1 ـ هزيمة المشروع الطائفي ، بعد ان شهد أكبر مظاهرة شعبية ضد مشروع التقسيم لمجلس الشيوخ الأمريكي ، والمشاريع (المحلية) التي تتناغم معه ، والتي تركزت جميعها على أستخدام (الخصوصية) المذهبية بديلاً عن الهوية الوطنية .
2 ـ طبيعة الشعب العراقي ، صاحب الروح والنفسية المنفتحة على الحظارات والتجارب العالمية ، وتوقه إلى اللحاق بالأمم . وخاصيته بالتعددية (الفكروية) والجتهادية ، وبسبب ما قدمته ( القوى المتشددة ) من تجربة وسلوك استبدادي .ز وأعتداء على خصوصيات المواطنين وممتلكاتهم .. وشرف عوائلهم في بعض الأحيان ، أن المجتمع العراقي يؤمن منذ لالأف السنين بمشروعية وحرية النتماء للدين والعقيدة والطائفة .
3 ـ أعتزاز العراقي بأستقلال بلاده ، ونفوره من الهيمنة والعبودية ، خصوصاً وهو من الشعوب العريقة صاحبة الحظارات والقيم ، تهيء أرضية خصبة لمقاومة المحتلين ، ومحاربة المستبدين ، ومن خلال أصرار الحكومة والقوى المتنفذة على تحاشي العمل على جدولة زمنية للأحتلال ، أصاب المواطنين بالأحباط التام ، والأعتماد على المقدرة الذاتية لإصلاح العلاقات التي تحركت على نسفها الأهداف ( السرية) لمشاريع الأقاليم .
4 ـ القبول (بالأمر الواقع) ولو مرحلياً ، من جميع الأطراف ، لإعادة ترتيب الأمور، وفقاً لأستراتيجية الأطراف بشكليها : الفدرالي (التقسيمي) ، والوطني (الوحدوي) ، فقد تبين نهائياً أن الطرف الأول متوافق بالكامل مع الأحتلال وقابل بمشاريعه ، وأن الطرف الثاني معارض ومتصادم ومقاوم للأحتلال ومشاريهع ، إن عملية إعادة الحسابات بالنسبة للطرفين سوف تدرس بعمق قبل لبدء بالمرحلة القادمة ، حسابات الحقل والبيدر ، ونوعية وشكل التحرك القادم .
على كل حال ،يجب أن أستعادة المبادرة بالمواجهة الوطنية بتجاوز سلبيات المرحلة السابقة ، وتوسيع دائرة الرفض لمشاريع التقسيم تحت كل المسميات ، والعمل على عزل (المركبات) الغريبة وفضح أرتباطاتها بالقوى الدولية المعادية للعروبة والأسلام ، وعلاقاتها المشبوهة بالقوى المحلية (المعتدلة) . ومما يجب تأكيده أحترام الخصوصيات (المذهبية) والدينية وحرية التعبير عن تلك الخصوصيات ضمن إطار المصلحة الوطنية . ويبقى أن نؤكد أن أستقرار الأمن حالة معززة لتحرك شعبي موحد لفرض مطالب المة في الأستقلال والحرية والنهضة ، رغم اليقين أن الأمن الحقيقي والثابت لآتخلقه إلا العملية السياسية التي تقوم على وحدة الوطن وسيادة الأمة ، ، والأمن الذي يقوم بأشراف غرباء محتلين ووفق مواصفات لاتتوافق مع المبادىء والقيم الوطنية ، إنما هو أمن على كف عفريت .
بغداد العروبة 10 تشرين ثاني نوفمبر 2007