الديمقراطية .. الأختيار الثالث
الثورة والديمقراطية .. أداة الحكم والأشتراكية
حسين الربيعي
بالنظر لما يطرح من بعض الأخوة من القوميين حول مسألة الديمقراطية والأشتراكية ، وما تحمل بعض تلك الأفكار من (واردات) غريبة ، فقد وجدت ظرورة متابعة موضوعة ( الديمقراطية الأختيار الثالث ) ، خصوصاً لما لاقته (المقالة) الأولى من ترحيب وأستحسان من عددٍ من الأخوة الأفاضل .
فممارسة حق الأنتخاب (مثلاً) ، لن يكون (أهم المهمات الديمقراطية التي تحقق إرادة الشعب ) وتحقق المفهوم الديمقراطي الذي تؤمن به الحركة القومية العربية من خلال شعارها الذي فسرت به (معتقدها) الديقراطي العربي : " حكم الشعب ، بواسطة الشعب ، من أجل الشعب " ، فقد أستطاعت ( التجارب) العربية ، الديمقراطية أن تحقق من خلال شعارها هذا تقدماً تصاعدياً ، رغم نوعية التأمر المعادي له ( الخارجي والداخلي ) وأقصد بالداخلي : القوى التقليدية التي تتحكم بالسلطة والحكم ، أو التي تسعى لذلك لغرض الحكم فقط طلباً للوجاهة والنفوذ الأقتصادي ، أو التي أرتدت عن مسارها الديمقراطي الثوري ، هذا التأمر الذي عرض التجربة العربية (للضعف) أو للإعاقة والتاخير ، والعودة لأستقدام (نماذج) غريبة جاهزة (سبق أن جربتها مصر قبل ثورة يوليو 1952 ، والعراق قبيل ثورة تموز 1958 ، فلم تفلحاً إلا بوضع القطرين تحت الأستبدادين الخارجي لقوى الأستعمار والهيمنة الأجنبية ، والأستبداد الداخلي لأحزاب فاسدة وعميلة ، وإقطاع ونفوذ رأسمالي ـ مالي وعقاري ) ، فعادت الينا هذه (الديمقراطيات) عن طريق (الردة) ، أو عن طريق (الأحتلال) كما حدث في العراق ، وأستمرت بعض تلك التجارب القديمة رغم كهلها ، وعقم ناتجها .
فماذا أنتجت ديمقراطيات (الرجعة) هذه حتى الأن ، ليتصافف معها بعض (المنظرين) القوميين؟
إن الأجابة تكمن في معرفة الفكر الديمقراطي القومي العربي ، ومراحل تطوره وتجاربه على أرض الواقع ، ولكن قبل ذلك ، فأني سأطلق حقيقة عدم (نضوج) نظام ديمقراطي حقيقي بالتجربة الغربية الجديدة (المشروع الأمريكي) في وطننا العربي ، وأن قناعة البعض من أن التجربة الديمقراطية وفق التطبيق الغربي قد صار مسألة (جوهرية) ،لن يكون صحيحاً على الأطلاق والأدلة كثيرة بالممارسة والآليات ، فهذه الديمقراطيات لم تستطع تبديل شكل آداة الحكم التي أستخدمتها الأنظمة الدكتاتورية ( الدولة ) أو (الحكومة) ، ولغرض الأتيان بأسباب وجوب نسف تلك الأشكال من أدوات الحكم والعمل على إقامة غيرها ، إن كل الحكومات تسمي نفسها أنظمة ديمقراطية مهما كانت دكتاتورية !!
المنطق الديمقراطي العربي أن يكون (الشعب هو أداة الحكم) ، وإن ذلك سوف يقطع الطريق على العنف و(الأنقلابات) التي كانت وسيلة لمنع الأنحراف ، فالعنف سيؤول لاحقاً ( مدخلاً للدكتاتورية) ، ناهيك من أنه في حد ذاته (عمل غير ديمقراطي) ، وعلى العموم فقد يتحول هذا (العنف) إلى ثورة لأن ( الثورة تنشب بصورة عامة عندما تكون هناك قوى أجتماعية جديدة تقيدها علاقات النتاج القائمة وتحول دون وصولها إلى السلطة السياسية) أو (عندما تكون هناك قوى اجنية أو محلية تحول دون توزيع جديد للسلطة . مع ان القوى الأجتماعية الساعية إلى هذا التوزيع في السلطة تكون صاحبة الغلبة العددية على الصعيدين الوطني والأجتماعي ـ صلاح زكي سيد أحمد ـ التجربة الثورية الفلسطينية) ، إن معالجة إنحراف أداة الحكم هي (المراجعة الديمقراطية) من قبل الشعب الذي بيده السلطة عن طريق اللجان الشعبية ومؤتمرها العام الذي ينتظم في مجلس الأمة ، كما تنتظم بأستمرار المؤتمرات الشعبية للمتابعة والمراقبة والمحاسبة .
أن التجربة والفكر الديمقراطي العربي ينطلق من موقفٍ عقلاني (ثوري) غير (أستكاني) ، كما يفعل الفكر السلفي (المهادن) ( حالة عجز أمام قانون الحياة بأعتباره صيرور وتغيراً وتغييراً ـ د. المهدي المبيرش ـ النظرية الجماهيرية وآشكالية التطبيق) ، " ولذلك فإننا نستطيع القول أن المعتزلة ، وكل الذين دافعوا عن حق الأمة الدائم في الرقابة على الإمام ، وفي خلعه إذا أحدث أو حدث له ما يوجب الخلع ، كانوا الأمتداد الفكري والعملي لتلك النظرية والموقف " " ولقد قال المعتزلة بأن خلع الإمام (الحاكم أو الحكومة) حق من حقوق الأمة ، لأن فلسفة الأختيار الذي يتم من الأمة تقضي أنه : كما أن لها أن تولي فإن لها أت تعزل وتغيير ـ مشروعية الثورة في الفكر الأسلامي ـ محمد عمارة " .
هنا تبرز أهمية العلاقة بين الثورة (كأسلوب) تنفيذي لإرادة الأمة ، من خلال أستمرار الثورة بالعمل على تحقيق اهدافها الأستراتيجية التي قدمتها (الطليعة الثورية) التي قادت (الحركة النقلابية) لضمان تحويل تلك الحركة إلى ثورة ، فالثورة ( ليست عمل فرد وإلا كانت أنفعالاً شخصياً يائساً ضد مجتمع بحاله ، والثورة ليست عمل فئة واحدة وإلا كانت تصادماً مع الأغلبية ، وإنما قيمة الثورة الحقيقية بمدى شعبيتها ، وبمدى ما تعبرعنه الجماهير الواسعة ، وبمدى ما تعبئه من قوى هذه الجماهير لإعادة صنع المستقبل ، وبمدى ما يمكن أن توفر هذه الجماهير من قدرة على فرض إرادتها على الحياة ـ الميثاق الناصري ) .
والديمقراطية على نفس الصعيد لن تكون بمظاهر ( الجماهير التي تقف في طوابير طويلة لترمي بطاقات الأنتخاب في صناديق ، كما تلقي ورقة لسلة المهملات ) ، ولن تكون ( بالمطاردات ) الفلسفية والسياسية في (البرلمان) بين معارضين ومؤيدين . والفرق بين شكل الديمقراطية العربية والديمقراطية الغربية .. في أمريكا مثلاً ، ما تبينه نسبة المعارضة الشعبية لحكوماتها ، فمستوى (شعبية) الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة بوش وصلت لأدنى مستوياتها 28% خصوصاً في مسألة التدخل العسكري في العراق ، ومسائل متعددة على الصعيد الداخلي ، كما ـسعت المعارضة داخل (البرلمان) الكونغرس الأمريكي ، ومع ذلك فإن (بوش) يمتلك حقاً ( إلاهيا ) أستبدادياً يتنافى مع مفهوم الديمقراطي ، وهو ما يسمى حق النقض ( الفيتو ) ، فمن خلال هذا الحق تمكن ( بوش ) أيقاف قرارات مصيرية صدرت عن ما يسمى ممثلي الشعب الأمريكي !!
كما كان الفهم الديمقراطي العربي لحقيقة أداة الحكم ، التنظير الناصري من خلال التجربة ( إن الخطأ الذي وقعنا فيه هو أننا رسمنا خطة كاملة للتنمية دون سيطرة الشعب على وسائل الأنتاج والمدخرات ، وبالتالي لابد أن نسرع وإلا ضاعت التنمية ـ جمال عبد الناصر) ، وينطلق بنا هذا الفهم لحقيقة ديمقراطية قومية مهمة بتلازمية الديمقراطية السياسية بالعدالة والمساواة ، ويعني ذلك ترابط الديمقراطية (كمفهوم سياسي) بالأشتراكية (كمفهوم أقتصادي وأجتماعي) ، وأن دليل عدم التطبيق الديمقراطي ، الذي يكون الأقرب لسلطة الشعب ، وجود الفوارق الطبقية الشاسعة بين القلة الغنية ، والأكثرية الفقيرة في مجتمع واحد يسمى تجنياً مجتمع ديمقراطي . إن ذلك تعبير على وقوع السلطة تحت تأثير (طبقة) من طبقات الشعب ، أو أسرة واحدة مع (حراسها وخدمها) ، وهي الطبقة الأكثر ( حدة ً وغلظة ) وتسلطاً وظلماً للخرين . أن الحقيقة النهائية أنه لاديمقراطية مع سوء توزيع الثروة ، ومع الفساد الذي مكن (قلة) الأستحواذ على (حصة) الجميع .
يتلازم المفهوم القومي الديمقراطي بالتغيير الأجتماعي لصالح الطبقات المحرومة ، وفق رؤيا ثورية ( في يوم 29 مارس أذار 1954 التقى قائد الثورة جمال عبد الناصر بقيادة العمال المضربين .. وقال لهم كلمة لها اهميتها التأريخية والسياسية في تحديد طبيعة المرحلة الثورية القادمة وآفاقها الاجتماعية ـ لقد كانت ثورة جديدة أسمها ثورة العامل والفلاح ـ ومحتوى ومضمون هذه الكلمة في ذلك الوقت ، كان يعني أن الديمقراطية التي تسعى الثورة إلى إقامتها إنما هي ديمقراطية العامل والفلاح ـ عبد المنعم الغزالي الجبيلي ـ دراسة بعنوان : مركز العمال والحركة العمالية في ثورة 23 يوليو) .
ولذلك فقد بدأ واضحاً بدون شك أن الثورين العرب القوميين ، كانت أهدافهم الأستراتيجية تتوافق فيما بينها بشكل منسق وعلمي ، ذلك لأن حركتهم حركة طبيعية وواقعية ، وخالصة في صحة ولإدتها الشرعية ، وقد خرجت اهدافهم تلك من رحم المجتمع ، وهي لم تأتي عن فراغ ، كما لم يكن ما وصلت اليه التجربة الديمقراطية العربية الحالية جاء عن فراغ ، فمسيرة الأربعينات والخمسينات التي أنطلقت مستفيدة من نضالات الحركة القومية في القرن التاسع عشر التي قاد فكرها جيلٌ من المتحررين العرب أمثال ( جمال الدين الأفغاني (1839 ـ 1897) وعبد الرحمن الكواكبي (1854 ـ 1902) و( محمد عبدة 1849 ـ 1905) ، الذين صنعوا الحجرة الأولى لقيام الفكر الديمقراطي العربي ( وسوف نمر بالتفصيل على تلك المرحلة التأريخية لاحقاً بعون الله) ، أن هذه التجارب تبنى على بعضها لتتعالى في جودتها .
وقد نحتاج لتبيان التواصل الفكري في رؤية القوميين العرب للديمقراطية في أجيال متعددة ، وصواب تلك الرؤى ، فمن كتاب بعنوان مع القومية العربية للحكم دروزة وحامد الجبوري مطبوع في سنة 1959 نقتطع هذه الفقرات المعبرة :
( والمساواة والعدالة الاقتصاديتين دون تحقيق الديمقراطية والمساواة السياسيتين ، لن يوصلنا إطلاقاً إلى إدراك الحقيقة للأنسان وتحقيق انسانيته ، لأننا بتحقيق الأشتراكية فقط دون الديمقراطية ، إنما نكون قد قد أشبعنا جانباً من جوانب الحياة الأنسانية ، وأهملنا كلياً الجانب المعنوي الخلاق ، ونكن كمن يعطي للأنسان الرغيف ليحرمه من الهواء.
لذلك فإن الطريق الصحيح لتحقيق أنسانية الأنسان ، هو أعتبار الأشتراكية والديمقراطية .. العدالة القتصادية والعدالة السياسية نظامين متكاملين ، ومفهومين متكاملين يمثلان جوانب متصلة من الحياة السياسية ولايمكن الفصل بينهما أبداً . والمجتمع الذي يعتقد أنه يستطيع تحقيق الديمقراطية دون تحقيق الأشتراكية مسبقاً إنما يجري وراء وهم كبير ، وكذلك فالمجتمع الذي يعتقد أنه يستطيع تحقيق أنسانية الأنسان بتحقيق الأشتراكية فقط دون توفير الديمقراطية والعدالة السياسية ، إنما أيضاً يجري وراء وهم كبير .)
ومن مصادر الديمقراطية العربية ، فإن حرية الأنسان .. التي تعني فيما تعنيه حقوقه الديمقراطية السياسية وغير السياسية .. ناقصة مالم تتحرر حاجاته ، ولن تتحرر حاجات الأنسان مالم يتحرر من الأستغلال ، الذي لايحده على الأطلاق اي نظام لايطبق غير النهج والأسلوب الأشتراكي الديمقراطي في الحكم ( إن حرية الأنسان ناقصة إذا تحكم آخر في حاجته ، فالحاجة قد تؤدي إلى أستعباد إنسان لإنسان ، والأستغلال سببه الحاجة . فالحاجة مشكل حقيقي ، والصراع ينشأ من تحكم جهة ما في حاجات الإنسان)
وعليه فإن إداة الحكم هي التي يناط بها تحقيق البعد الأجتماعي في العدل والمساواة ، وهنا يكمن الترابط الوثيق بين السلطة والديمقراطية والأشتراكية ، ولذلك قرر الميثاق الناصري فرض نسبة 50% على المجالس والتنظيمات السياسية الشعبية ( أن التنظيمات الشعبية السياسية التي تقوم بالأنتخاب الحر المباشر لابد لها أن تمثل بحق وبعدل القوى المكونة للأغلبية ، وهي القوى التي طال أستغلالها والتي هي صاحبة مصالح عميقة في الثورة ، كما أنها بالطبيعة الوعاء الذي يختزن طاقات ثورية واضحة عميقة بفعل معاناتها للحرمان ـ الميثاق ) و جاء في تعليل ذلك في الميثاق ايضاً ( ونسبة الخمسين في المائة للعمال والفلاحين في مجلس الامة ضمان للديمقراطية السليمة ، العمال والفلاحين أكثر من سُلبت حقوقهم السياسية سنوات طويلة ، والذين كانوا ضحايا تحالف الأقطاع ورأس المال المُستغل ـ الميثاق).
وقد يقع بعض الثوريين في أحلام غير واقعية ، مما يترك في الأخير الكثير من الأحباط الذي يسلك طريق غير سوي ، بينما لآبد أن تأخذ (رومانسية الثورة) من خلال تحقيق الاهداف واحلام المُستغلين على أرض الواقع حقيقة معاشة ، فقد أكد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر للزعيم الثوري العالمي (جيفارا) ( بأن عملية الحماسة المطلقة تأتي في المرحلة الرومانسية من الثورة ، وأن يوم أندلاع الثورة هو يوم تحقيق أهداف الرومانسية . إنه ليلة الزفاف . ولكن ما عليك بعد الزفاف أن تجعل الزواج ناجحاً . عليك أن تكسب مالاً وأن تبني بيتاً وتنجب أطفالاً . وهذا هو المقصود بالثورة . وهذا مانعنيه بالثورة ، أنه تعني معاناة العبء العسير الكامن في بناء المصانع وأستصلاح الأراضي وتحويل الحماسة المطلقة إلى حماسة لخطة محددة وهدف بذاته .
وحينما رافق جيفارا ، عبد الناصر لأفتتاح مصنع في أحد المناطق البعيدة ، حيث لاقى عبد الناصر أستقبالاً جماهيرياً عارماً ، يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه (عبد الناصر والعالم (دب الأنفعال الشديد في جيفارا وقال : هذا ما أريده ، أن هذا هو الغليان الثوري)
فرد عليه عبد الناصر : (حسناً .. كذلك لاتستطيع أن تحصل على هذا .. وأشار إلى الجمهور ، دون ذاك .. ثم أشار إلى المصنع . وتابع عبد الناصر : لن تستطيع إدراك النجاح مالم تنشىء ذلك المصنع )
نقول هذا ونحن نتكلم عن الديمقراطية ، إذ يجب الأقرار مسبقاً أن الديمقراطية لاتتوافق مع ظروف الأستبداد ، الخارجي الداخلي ، لآنه حالة لاتأتي إلا بعد (رومانسية الثورة) ، فلا ديمقراطية مع الأحتلال أو الأستبداد ( أما عندما يفرض القهر من الخارج ، أو من الداخل . ويصبح المجتمع كله بما فيه من موارد وبشر ، مسخراً ، بالقوة ، لتحقيق غايات معينة سلفاً ومفروضة عليه بالعنق فإن شرط الحرية اللازمة لفاعلية القوانين الأجتماعية يزول ، وتصبح المشكلة الأساسية التي تواجهها القوى السياسية هي كيف يتحرر المجتمع ليستطيع أن يتطور وليس كيف يتطور في ظل الأحتلال ـ أبو ذر)
وعند هذه النقطة نتوقف لاننا بالتأكيد سننتقلمن خلال الحديث لتشريح الديمقراطيات (الأحتلالية) قريباً .
بغداد العروبة 2 تشرين ثاني نوفمبر 2007