أشخاص كما عرفتهم

عبد السلام محمد عارف

أحمد ألحبوبي

استقبل الشعب العراقى ثورة تموز سنة 1958 بفرح غامر وتأييد منقطع النظير ، وفى صبيحة ذلك اليوم (الاثنين) وزعت صورتان لكل من (الزعيم الركن عبد الكريم قاسم) و (العقيد الركن عبد السلام محمد عارف) بملابسهما العسكرية ، أخذت الأيدى تتلاقفهما كأبرز قائدين للثورة المباركة .........

وعقب ذلك تقاطرت الوفود الشعبية القادمة من شتى أنحاء العراق إلى بغداد لتقديم التهانى لرجال الثورة التى طال انتظار الشعب لها وجاء وفد النجف ليبارك هو الآخر وكنت عضواً فيه ، وزيادة فى تكريم الوفد الذى يمثل مدينة النجف بمالها من مكانة دينية وقدسية فقد حضر الزعيمان "عبد الكريم قاسم" و " عبد السلام عارف" لاستقبال وفد النجف فى وزارة الدفاع ، وحول طاولة مستطيلة جلس على رأسها عبد الكريم قاسم وجلس بجانبه عبد السلام عارف وانتشر أعضاء الوفد بين جالس وواقف حتى امتلأت بهم الغرفة . ألقيت كلمة وفد النجف ولم تكن تخرج عن المألوف فى مثل هذه المناسبة وما يقال فيها من تقديم التهنئة والثناء على القائمين والمفجرين للثورة المباركة والآمال العريضة التى ينتظرها الشعب العراقى من هذه الثورة التى جاءت من اجله بعد طول معاناة وبعد انتهائى من الكلمة الارتجالية اشرأبت أعناقنا إلى عبد الكريم قاسم لنسمع منه .. فرحب بوفد النجف (الأشراف) وأطال فى حديثه مستعرضاً تضحيات الشعب العراقى طوال سنى الحكم الملكى والثورات والانتفاضات التى قام بها .. وكنت أرقب عبد السلام عارف الذى لزم الصمت وراح يستمع بكل جوارحه إلى (زعيمه) وبحركة من يده (عبد السلام) طلب من مرافق عبد الكريم قاسم (جاسم العزاوى) الواقف خلف الزعيم أن يجلب كوباً من الماء بعد أن رأى (الزباد) يتجمع حول فم الزعيم عبد الكريم قاسم المسترسل بحديثه فغاب قليلاً ثم جاء بكوب ماء. وطوال هذه الجلسة التى استمرت ثلاث ساعات تقريباً لم ينطق عبد السلام عارف بكلمة بل كان منتبهاً تماماً لما يقوله عبد الكريم وكانت أسارير وجهه تنبسط أو تنقبض حسب نوع الكلام الذى يتفوه به عبد الكريم.

وحينما وقف المرحوم الشيخ (سليمان اليحفوفى) (عضو وفد النجف وهو من رجال الدين اللبنانيين الذين يدرسون فى حوزة النجف) وراح يعرض وينتقد التصرفات والفعاليات غير المقبولة التى تقوم بها عناصر أسماها (بالمخربين والملحدين) ويقصد بهم الشيوعيين ، هنا قام عبد السلام عارف بحركة ملفتة إذ زحف بكرسيه إلى الأمام ليقترب أكثر من الطاولة فأحدث صوتا عالياً .. وراح يمد عنقه ليستمع إلى هذا الشيخ الواقف على الطرف الأخر من الطاولة ، مبدياً اهتماماً كبيراً لما يقوله وهو يندد بالمخربين أو الهدامين الذين يسيئون إلى النجف المدينة المقدسة.

ولكن المرحوم عبد الكريم قاسم لم يمهل الشيخ اليحفوفى حتى ينهى كلامه فقطع عليه الاسترسال قائلاً : إن الشعب العراقى كله وطنى .. وليس فيه مخربون .. "واستمر عبد الكريم قاسم وقد بدا عليه الانفعال والتأثر يتحدث عن الشعب العراقى وبطولاته فأطال .. وفجأة قام عبد الكريم قاسم واقفاً وأنهى الاجتماع وتوجه نحو الباب وخرج مسرعاً .. وتباطأ عبد السلام عارف فى الخروج خلف قاسم بل اتجه ناحية الشيخ سليمان اليحفوفى وقال له بصوت مسموع "شيخ .. شيخ آنى أعرف إلمن تقصد بكلمتك .. والله سوف أكسر ظهورهم .. " ثم ضحك بصوت عالى وخرج من الغرفة ..

أخذ عبد السلام عارف يزور المحافظات ويلقى خطباً كرسول للثورة .. وجاء إلى النجف ونظمنا لها استقبالاً حافلاً من خلال "جبهة الاتحاد الوطنى" التى كانت تمارس عملها فى النجف وكنت المقرر لها .. ونزلت طائرة الهليكوبتر التى كانت تقل      عبد السلام عارف فى صحن مسجد الكوفة واندفعت نحو الطائرة الجماهير الغفيرة المحتشدة للسلام على رسول الثورة ولكنها وجدت أبواب المسجد مقفلة وأمام الضغط الجماهيرى الشديد انكسرت الأبواب وسقطت أعداد كبيرة من الناس المندفعين وديست تحت الأقدام ومات منهم ثمانية أشخاص راحوا ضحايا خطأ وغفلة المسئولين فى الكوفة .. وشق عبد السلام عارف طريقه بصعوبة من الكوفة إلى النجف وسط حشود الناس .. واستقبلناه فى بهو بلدية النجف وقد بأن عليه التعب والإرهاق وهو يقاوم الزخم الشعبى الهائل وكانت ملابسه مبللة من كثرة العرق (فى الشهر الثامن) .. القت كلمة النجف مرحباً برسول الثورة من الشرفة المطلة على الميدان الكبير الذى احتشدت فيه جماهير النجف والكوفة ثم أعقبنى الشاعر المرحوم (محمد صالح بحر العلوم) فبدأ بإلقاء قصيدته التى أعدها لهذه المناسبة فقرأ بعضاً من أبياتها وإذا بعبد السلام عارف ينهض من مكانه ويتجه إلى الشرفة وبحركة من يده ينحي الشاعر بحر العلوم ويستلم منه الميكروفون ، ثم راح يخطب مرتجلاً وقد استقبلته الجماهير بهتافات وتهليل واندمج عبد السلام عارف مع هذا الجو الحماسى فمدح النجف وأهالى النجف (أبناء الإمام البطل على بن أبى طالب .. ) .. وقد تأثر المرحوم محمد صالح بحر العلوم من حركة عبد السلام فدخل إلى الغرفة وجلس صامتاً وقد بان عليه الغضب والانفعال لحرمانه من تكملة قصيدته فرحت أطيب خاطره قائلاً له " لا تزعل ... إن الجماعة عسكر وعذرهم أنهم ثوار ... "فسكت دون أن يعقب ... وقد جرت على عبد السلام عارف خطبه المرتجلة كثيراً من المشاكل كانت تثيرها فى وجهه عناصر محسوبة على الحزب الشيوعى فتقاطع خطبه بهتافات معادية له .. خاصة ان عبارات غريبة مضحكة كانت ترد فى خطبه كأن يصف الثورة بانها إلهية سماوية خاكية (لباس الجيش) أو يذكر اسم جمال عبد الناصر فيثير حفيظة قاسم.

قابلت عبد السلام عارف بعد حادثة الاعتداء على (موكب) القوميين فى النجف وبعد أن تعرض مكتبى للهجوم من قبل عناصر يسارية بعد تصاعد الخلاف بين التيار القومى والتيار اليسارى وبعد أن أعفى من مناصبه العسكرية وأحتفظ فقط بمنصب وزير الداخلية قابلته مع مجموعة من الزملاء المحامين صبيحة يوم 13/10/1958 بديوان وزارة الداخلية فوجدته مرتدياً الملابس المدنية وانحسرت عنه الهيبة التى يضفيها اللباس العسكرى ، فشرحت له باعتباره وزيراً للداخلية أبعاد المؤامرة التى دبرت لضرب القوميين وصححت له المعلومات المغلوطة التى أعطيت له من أن عناصر مخربة (من الأمريكان والسعودية) هى وراء حادثة النجف وشرحت له بالتفصيل التدبير الذى لجأ إليه (الحزب الشيوعى) من أجل خنق وإسكات الصوت القومى .. فاستغرب واندهش كيف أن رفاقنا فى المسيرة والنضال خططوا وكيف نفذوا وكيف اتهموا إناساً أبرياء .. فخرجت وأنا مشفق عليه فقد وجدته ضائعاً وقد انحسرت عنه بهرجة وهيلمان السلطة بعد تجريده من رتبة ومناصبه العسكرية ودخلت السجن ولكنى تابعت أخبار عبد السلام عارف وعلاقته مع رفيقه عبد الكريم قاسم ، وقد راحت تتأزم حتى تم تعيينه سفيراً للعراق فى ألمانيا لإبعاده عن العراق – وقد جاء هذا الإبعاد بعد أن ضاقت بعبد السلام عارف السبل وبلغ حد اليأس الذى دفعه إلى محاولة الانتحار كما روى هو ذلك عندما ذهب ليلاً إلى عبد الكريم قاسم فأخرج مسدسه كى ينتحر لولا أن تدارك الأمر السيد فؤاد عارف وقد تصادف وجوده معهما فى الغرفة فانكب على يد عبد السلام عارف وانتزع منه المسدس وكان تعليق عبد الكريم قاسم على محاولة الانتحار أن قال اعبد السلام عارف " إذا كنت تنوى الانتحار فلم لم تنتحر فى بيتك " بعد هذه العملية مورست ضغوط كثثيرة وقوية على عبد السلام بأن يقبل منصب سفير العراق فى ألمانيا على أمل أن تهدأ الأمور وتستقر ثم يعود مرة أخرى إلى العراق وقد صدع عبد السلام عارف للأمر وسافر إلى ألمانيا ولكنه لم يمكث طويلاً حيث فؤجئ العراق بعودته الأمر الذى أربك الأمور وخرجت مظاهرات حاشدة فى بغداد تهتف وتنادى ضد عبد السلام عارف حتى تم اعتقاله فخرجت الجماهير تهزج فرحة بهذا الاعتقال وهى تردد (خمسة فى الشهر ماتت البعثية .. ) .. كنت فى المعتقل أشاهد كل هذه التطورات وتشاء الصدف السيئة أن أنقل بسيارة عسكرية من معتقل أبو غريب إلى السجن المركزى لإجراء التحقيق معي عن التهمة الموقوف من أجلها وكان هذا النقل فى اليوم التالى لاعتقال عبد السلام عارف فقد وجدت نفسى والسيارة التى تقلنى فى لجة من البشر الغاضب المتظاهر فى شارع الرشيد وكنت أرتدى الملابس المدنية ويداى مربوطتان بالحديد ومحاط بضابط وجنود وهيأتى تشى بى بانى متهم ، والمتهم فى مثل هذه الأحوال ما هو إلا متآمر على الجمهورية والمتآمر عقوبته الموت وإذا كانت بيد الجماهير تكون أحسن وأسلم وقبل أن تلتفت الجماهير المتظاهرة إلى السيارة التى تقلنى صرخت بالضابط المرافق أن يخرج بها من شارع الرشيد وإلا ستكون النتيجة هو حرق السيارة بمن فيها وقد ذهل الضابط لهذا التحذير وخاف على حياته وسرعان ما أمر الجندى السائق أن يخرج من شارع الرشيد لأى طريق فرعى آخر بعيداً عن المظاهرة ففعل هذا بسرعة وخفة ووجدنا أنفسنا فى شارع الشيخ عمر بعيداً عن المظاهرة وبعد أن خفت الأمور وهدأت الأحوال جيئ بى إلى السجن وجرى التحقيق معى ثم عدت ثانية إلى معتقل أبو غريب.

وبعد أن تداعت الأحداث بعد خروجى من المعتقل بكفالة خاصة بعد فشل ثورة العقيد عبد الوهاب الشواف فى الموصل وجدت من المناسب ترك العراق حفاظاً على حياتى وتوجهت إلى السعودية عبر البادية ثم أستقر بى المقام عند أقربائى فى المدينة المنورة .. ومن هناك تابعت أحوال عبد السلام عارف وقد حكمت عليه محكمة المهداوى بالإعدام ولكن عبد الكريم قاسم عفا عنه وجاء إلى الأراضى المقدسة لأداء فريضة الحج وفى المدينة المنورة راح يسأل عنى فأخبره أحد أقربائى بأنى تركت السعودية وسافرت إلى مصر.

وبعد 8 شباط 1963 عدت إلى العراق وكان عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية وترددت أن أزوره فقد وجدته محاطاً برجال حزب البعث ولكى لا أحرجه وحتى بعد 18 تشرين ثانى لم أفكر أن ألتقى به فأنا أعمل فى صفوف حزب سياسى وملتزم بسياسة هذا الحزب وقد تتعارض مع توجهات عبد السلام عارف ، ولكننى زرته شاكراً بعد أن أرسل محافظ كربلاء لحضور مجلس الفاتحة على روح المرحوم أخى عبد الرؤوف نيابة عنه وكان معى السيد إبراهيم الحبوبى فما أن رآنى داخلاً حتى قام من مجلسه فاتحاً ذراعيه وأخذنى بالأحضان وهو يردد بصوت عال "وينك يا أستاذ ... وينك يا أبو شهاب" وراح يعتب لمقاطعتى له طوال هذه المدة فاعتذرت له بالظروف المحيطة به وبى واستعرضنا ذكرياتنا المشتركة منذ 14 تموز سنة 1958 وألح على قبل أن أغادر الغرفة أن نلتقى ثانية وأنه لن ينسى موقفى البطولى فى الأيام الأولى من الثورة.

وفى مؤتمر الاتحاد الاشتراكى العربى التقيت به عند الافتتاح والختام باعتبارى مقرراً للجنة السياسية وألح على ضرورة اللقاء بعد المؤتمر ولكننى لم أتصل به على أن جاء يوم طلبنى فيه مرافقه المرحوم عبد الله مجيد عن طريق تليفون غرفة المحامين قائلاً إن الرئيس عارف يريد أن يراك الأن لأمر هام فدخلت عليه فوجدته متجهماً وقلقاً وقبل أن أجلس سألته "خير إن شاء الله أبو أحمد .." فقال سريعاً " إن السيد محسن الحكيم يتآمر على .. " فاستغربت من هذا الكلام واستفسرت منه "كيف يتآمر عليك السيد محسن الحكيم ..؟ " فقال " هناك اجتماع جماهيرى دعا إليه السيد الحكيم سيعقد فى مسجد الكوفة " ثم راح يقلب بأوراق أمامه ، فعرفت أن معلوماته هذه مستقاة من تقرير مرفوع إليه من جهة أمنية وأخذ يقرأ من الأوراق ....                  "أن السيد الحكيم ومعه اللواء الركن السيد حميد الحصونة يعدان لانقلاب عسكرى .." وما أن أنهى العبارة حتى ضحكت بصوت عال .. فتسأل لماذا تضحك يا أستاذ .. ألم تصدق؟ فأجبته . رجاء يا أبو أحمد أبعد عنك الغضب والتقرير واستمع إلى قليلاً .. فأجاب "لقد طلبت لقاءك حتى أستمع إليك .. "فقلت .. أنت تعرف "أننى عشت فى القاهرة ثلاث سنوات وأن عبد الناصر عندما أصدر القرارات الاشتراكية عام 1961 عارض رجال الأزهر الشريف هذه القرارات باعتبارها ضد الدين الاسلامى الحنيف حتى أن مظاهرة من الأزهر خرجت تندد بهذه القرارات وقد قوبلت المظاهرة بعنف وشدة من قبل رجال الشرطة ثم قلت إن الدين الاسلامى ورجال الدين من سنة وشيعة لهم رأى بهذه القرارات باعتبار أن التأميم حرام واعتداء على حقوق الناس .. وقبل أيام عارض الشيخ عبد العزيز البدرى فى خطبة الجمعة فى جامع دراغ القرارات الاشتراكية واعتبرها حرام ..

والاجتماع الذى تتحدث عنه المزمع إقامته بجامع الكوفة دعا إليه تجار الشورجة وليس السيد محسن الحكيم وحسب علمى أن النية متجهة إلى إلغاء هذا الإجتماع ولا علاقة للحكيم أو السيد الحصونة بهذا الإجتماع من قريب أو بعيد ..

ثم أن اللواء الحصونة عسكرى متقاعد منذ زمن طويل فكيف يتسنى له أو للسيد الحكيم أن بتآمرا عليك عسكرياً وإحداث انقلاب ضد حكمك !!.

وتوقفت عن الكلام لأرى رد الفعل على عبد السلام عارف فوجدته صامتاً زائع النظر فعاجلته بقولى نصيحتى لك يا أبو احمد ألا تستمع لمثل هذه الوشايات وتصدق هذه التقارير فالسيد الحكيم أكبر من هذه الترهات .. ثم أنه أقوى منك فى الشارع فلا تلعب بالنار وتفتح عليك فتوحات تضر بك وبالبلد خاصة وأنك متهم (بالطائفية) فانتفض وكأن الكلمة قد لسعته فصاح (أنا ....) (نعم أنت ....).

فما كان منه إلا أن مد يده إلى الأوراق التى أمامه وراح يمزقها بعصبية ثم التفت إلى وقال "صدقت يا أبو شهاب .. وسأعمل بنصيحتك .." ثم رجائى أن أحمل رسالة منه إلى السيد الحكيم فرفضت وطلبت منه أن يقوم هو بمبادرة ويذهب لزيارة الحكيم فى النجف فوعدنى بذلك وانصرفت عنه.

وفى ليلة 10- 11/7/1965 أبلغنى المرافق عبد الله مجيد تلفونياً برغبة عبد السلام عارف أن ألتقى به فى القصر الجمهورى لأمر هام أيضاً وعندما التقيته عرض على منباً وزارياً فى التشكيل الوزارى الجديد برئاسة طاهر يحيى .. فذكرته بشروطنا الحزبية القديمة بعد تشكيل الاتحاد الاشتراكى فقال أنه موافق عليها جمعياً ، وقبلت منصب وزارة الشؤون البلدية والقروية مؤكداً أن بقائى فى الوزارة متوقف على تنفيذ الشروط وأن أى إخلال أو نكوص سأستقيل فقال إنى موافق .. وباشرت عملى فى الوزارة على كره لخلاف نشب فى الحزب الذى أنتمى إليه بعد قبولى المنصب وقررت الاستقالة فى الوقت المناسب ولم يمر أسبوع حتى اتصل بى عبد الله مجيد قائلاً إن عبد السلام عارف قد أرسل لك كتاباً فى طريقه إليك فالرجاء أن تأخذه بعين الاعتبار .. وعندما سألته عن فحوى هذا الكتا أجاب أنه سيصل إليك مع مندوب وستعرف ما فيه .. جاء المندوب وسلمنى الخطاب وفيه " أن السيد الرئيس عبد السلام محمد عارف قد وضع تحت تصرف الوزير أحمد الحبوبى مبلغاً وقدره أربعون ألف دينار عراقى كمخصصات سرية تصرف بمعرفته ... " وصورة منه إلى وزارة المالية وغيرها كما أتذكر .. أعدت قراءة الكتاب مرة أخرى .. وقلت فى نفسى أن الذى أعرفه أن وزارة البلديات ليست من الوزارات التى لها مخصصات سرية .. وكلمت عبد السلام عارف تليفونياً مستفسراً عن كتابه الذى وصلنى وما معناه ! فتلكأ أولاً سائلاً عن أى كتاب بعد أن احس بنبرة صوتى المنزعج .. ثم استدرك قائلاً مع ضحكة ... " لماذا أنت منزعج يا أستاذ ... فأنا أعرف أن عليك تكاليف كثيرة والتزامات وأن ضيوفك كثيرون من النجف وغيرها وهذا مبلغ تصرفه على الناس .. "فأجبته أن بابى مفتوح ولله الحمد قبل استيرازى .. وكرامتى وكرامة ضيوفى تأبى أن أصرف عليهم من أموال الدولة .. فقال مستنكراً : لم هذه الحساسية .. فقلت له أرجوك يا أبو احمد لقد انزعجت كثيراً من هذا التصرف واعتبره إهانة لا أقبلها فراح يعتذر ويقول إنه حسن النية وأرجو ألا تزعل وبعد أن أنهيت المكاملة كتبت على الكتاب (أرفض قبول هذا المبلغ لعدم حاجة الوزارة لمخصصات سرية .. ثم وقعت .. "وأعدت الكتاب وحاول عبد الله مجيد أن يستوضح الأمر ويعرف سبب رفضى بعد أن وصله الكتاب مع المندوب أجبته بحدة ستعرف الموضوع من أبو أحمد ...

وقد علمت بعدئذ أن عبد السلام عارف قد سلك مع المرحوم رشيد محسن (مدير الأمن العام) نفس السلوك وكان جوابه كجوابى ورفض المخصصات وكانت هذه الواقعة من الأسباب التى عجلت فى تقديم استقالتى من الوزارة.

كنت حريصاً على أن يأخذ الحكم منهجه الوحدوى الاشتراكى من خلال الاستعانة بالعناصر الوحدوية بعد تعثر خطوات الاتحاد الاشتراكى وابتعاد البعض عنه فقمت بمبادرات مع العناصر القومية على شكل لقاءات وحوارات تتم مع عبدالسلام عارف وتقريب وجهات النظر ورفع اللبس والحساسية بين هذه العناصر وعبد السلام عارف فاتفقت على عقد لقاءات تتم مع عارف وصولاً لقناعات مشتركة تشجع قيام حكومة وحدوية حقيقة وكان أول لقاء ضم كلاً من عبد السلام عارف وأياد سعيد ثابت وأنا ، يبحث فيها لوضع العام والتصورات أو الخطوات التى يتبعه الحكم فى نهجه الوحدوى المنشود ، لم يطل بنا المقام أو يتشعب الحديث حتى فجر أياد سعيد ثابت قنبلة غير متوقعة عندما وجه كلامه إلى عبد السلام عارف قائلاً له بدون أية مقدمات "اسمع        يا أبو أحمد ، أنا أستطيع أن أتكفل بقيام الاتحاد الاشتراكى وتثبيته لك وتقويته بشرط أن تعطينى مليون دينار وجريدة أحررها كما أريد وتطلق يدى .. "                    لم يفاجأ عبد السلام عارف بهذا الكلام بقدر ما فوجئت أنا به ، وبصورة عفوية تلاقت نظراتنا أنا وعبد السلام عارف ليستطلع كل منا وقع كلام أياد سعيد ثابت على صاحبه ، وبنبرة لا تخلو من سخرية أجابه عبد السلام عارف بكلمة واحدة (نشوف) وراح يتململ كالملسوع فقمت وقام أياد وخرجنا دون أن انبس ببنت شفة وفى الطريق وعندما أحس أياد بأنى غير راض عن طرحه وسكوتى المطبق راح يعلل طلبه من أنه سيتفرغ لإدارة الاتحاد الاشتراكى لقصور فيه ظل مصراً على رأيه من انه الوحيد القادر على خلق هذا التنظيم وتمشية أموره دون حساب للقوى الأخرى.

وكان اللقاء التالى مع الأخ عدنان الراوى واجتمعنا نحن الثلاثة (عارف وعدنان وانا) مساءً فى القصر الجمهورى وبعد المجاملات وجه عدنان الراوى كلامه إلى عبد السلام عارف على صيغة سؤال "هل لنورى السعيد قبر فى العراق؟ " اجابه عبد السلام عارف "لا ليس له قبر .. " فسأله عدنان الراوى ثانية (وهل لعبد الكريم قاسم قبر فى العراق ؟ "اجابه عبد السلام عارف "لا ليس له قبر" فقال عدنان الراوى " أنت أيضاً يا أبو أحمد سوف لن يكون لك قبر فى العراق إذا لم تضع يدك بيد جمال عبد الناصر وتقيم الوحدة ..) فبهت عبد السلام من هذا الكلام وانزعج منه وشعرت أنا بالحرج .. ولكن عبد السلام عارف بادر بالقول أنه رجل وحدوى وتاريخه يشهد بذلك .. ولم يتركه عدنان الراوى يسترسل فى كلامه بل بادره بالقول (المهم يا أبو أحمد إقامة الوحدة وسريعاً ..) ثم وقف مستأذناً ، وهنا التفت عبد السلام عارف نحوى وكله نظرات عتاب وكأنه يقول جئتنى بالأمس بمن يطلب مليون دينار وتجيئنى اليوم بمن يهددنى بعدم وجود قبر لى فى العراق ..

وأسرعت بالخروج وكلى فخر واعتزاز وإكبار بعدنان الراوى وصراحته المعهودة فقبلته وشددت على يده مشجعاً ومؤيداً لموقفه ثم قطعت اللقاءات الأخرى التى كنت أنوى إتمامها بين القوى القومية وعبدالسلام عارف لقد شعرت أن اللغة مختلفة والمسافة بعيدة وبدأت أهيئ نفسى للانسحاب من الوزارة ومسؤولياتها فما مر شهر أو يزيد قليلاً حتى كتبت استقالتى ورفعتها إلى عبد السلام عارف متخطياً المرحوم طاهر يحيى (رئيس الوزراء) .. وعندما وصلته الاستقالة طلب أن يرانى فوجدته غاضباً ومنزعجاً من الاستقالة وسألنى عن السبب فأجبته (أنك لم تلتزم بالشروط ... وأولها تشكيل وزارة قومية تحل محل وزارة طاهر يحيى ...) فأجاب (أنت تعرف أن البلاد تخوض حرباً مع الأكراد فى الشمال ... وأن وضع البلد لا يحتمل أى تبديل الآن ..) فقلت له (إن هذا غير مقنع وأنا مصر على الاستقالة فراح يضرب على وتر عاطفى من أننى لم أزل شاباً وأننى أصغر وزير وأمامى مستقبل طيب .. فقطعت عليه استمراره قائلاً (أنت تذكر تماماً شروطى عند الاستيزار يا أبو أحمد .. فلا داعى لتكرار الكلام أو تطويله ..) وعندما وجدنى مصراً ومصمماً على الاستقالة أعطانى ورقة وقلماً وطلب منى أن أكتب أسماء الوزراء القوميين الذين أريد إدخالهم الوزارة واسم رئيس الوزراء الذى أرشحه فكتبت : رئيس الوزراء عارف عبد الرازق ، الوزراء : (1) عبد الرازق شبيب (نقيب المحامين) (2) توفيق المؤمن (3) مالك دوهان الحسن (4) صبيح الكبيسى (5) سلام أحمد (6) عدنان الراوى (7) هشام الشاوى ، فخطف الورقة قبل أن أكمل بقية الأسماء وراح يقرأ ما كتبت وسألنى هل تعرف عارف عبد الرازق ؟ فأجبته لم يسبق لى اللقاء به ولكنى أسمع عنه أنه شخص نظيف وقومى .. فسكت ثم راح يعلق على كل اسم من الأسماء التى كتبتها تعليقاً غير مشجع ... ولكنه رجانى أن أعطيه مهلة حتى يستطيع تدبير الأمور كما رجانى أن أعود إلى الدوام فى الوزارة فقلت لك ذلك لمدة أسبوع فقط وبعدها سوف لا أنتظر.

وداومت فى الوزارة أسبوعاً انتظاراً لتحقيق ما وعد به عبد السلام عارف وبعد انتهاء الأسبوع حملت شنطة المحامة ونزلت إلى غرفة المحامين وجلست فيها لأرى الناس أننى مستقيل ، وصل الخبر إلى عبد السلام عارف فتلفن لى راجياً الدوام فى الوزارة وعدم إحراجه بتجوالى بين غرفة المحامين والدوائر الأخرى فقلت له (إننى مستقيل ولن أداوم بل فى غرفة المحامين ..) فأضطر إلى قبول استقالتى وبذا تحررت من متاعب الوزارة وما أثارته من مشاكل فى الحزب الذى أنتمى إليه ... بعد أن بلغت أيامى فى الوزارة قرابة الأربعين يوماً ...

لم ألتق بعبد السلام عارف بعد استقالتى ولكنه عندما عهد إلى عارف عبد الرازق بتشكيل وزارة تخلف طاهر يحى طلب منه أن يجتمع بالقوميين وأن يختار من بعضهم أعضاء فى وزارته وهكذا طلب منى (رشيد محسن) مدير الأمن العام ومن بعض الأخوة القوميين أن نجتمع بدائرته لأمر هام وما أن تم جمعنا أطل علينا متأخراً عارف عبد الرازق بملابسه العسكرية وفاتحنا بالاشتراك فى حكومته وأن أكون أنا واحداً من أعضائها فرفضت الاشتراك كما رفض الأخوة المجتمعون ما لم نعرف شخوص الوزارة وأهدافها وبعد أن طال الجدل رفضنا جميعاً الاشتراك بوزارة اختير أغلب أعضائها دون أخذ رأى التيار القومى وكان عبد السلام عارف دائم الاتصال برشيد محسن لمعرفة آخر ما وصلنا إليه من قرار وبذا فشلت محاولة عبد السلام عارف وعارف عبد الرازق من إشراك بعض العناصر القومية فى وزارة عارف. وذات ليلة وعندما كنت عائداً من النجف بعد منتصف الليل وفى طريقى لعبور الجسر المعلق لتوصيل ابن عمى المرحوم محمود الحبوبى إلى بيته رأيت عبد السلام عارف يسير وحده على الجسر يمشى الهوينى فأوقفت سيارتى وترجلت منها واتجهت نحوه فوقف بمكانة ينظر وينتظر القادم وما أن رآنى حتى تهلل وجهه فرحاً وصاح بصوت عال " أهلاً أهلاً أبو شهاب هاى وينك .. "فسلمت عليه وتساءلت عن خروجه بمثل هذه الساعة من الليل ولوحده فأشار إلى (عبد الله مجيد) مرافقه الذى يسير على الرصيف الأخر من الجسر فأشار هذا بيده من بعيد مسلماً وظل بمكانه ...          ثم بادرنى عبد السلام عارف معاتباً لماذا هذه الجفوة يا أبو شهاب .. أنت تعرف إننى أحبك وأحترمك .. " فأجبته معتذراً بمشاغل الدنيا والعمل وقد بدا عليه الهزال الشديد ولم يتركنى إلا بعد أن وعدته بلقاء قريب ، ولكن القدر وتصاريفه أودى بحياته بطائرة هليكوبتر هوت به فمات ومن معه محترقين بحادث غريب لم يزح عنه النقاب وإن كان تقرير اللجنة الفنية عزت سقوط الطائرة إلى عاصفة رملية ولكن الأستاذ (فيصل حسون) نقيب الصحفيين العراقيين ، وكان بطائرة أخرى مرافقة لم يحصل لها ما حصل لطائرة عبد السلام عارف ، له رأى آخر فهو فى كتاب له عن موت المشير الركن عبد السلام عارف يقول أن احتراق الطائرة جاء نتيجة مؤامرة مدبرة ، وانا بدورى أميل إلى أن الحادث مدبر وإن كانت تعوزنى الأدلة والبراهين ، فعبد السلام يتمتع بالشجاعة والإقدام ، الأمر الذى يحول دون نجاح أى مخطط لإحداث انقلاب فى العراق ، فوجوده (حجر عثرة) يجب إزاحته حتى ينجح أى تغيير لنظام الحكم وهذا ما حصل فعلاً فبعد إزاحته بما يزيد قليلاً على السنتين حدث انقلاب 17 تموز 1968 وقد تم بسهولة ويسر ضد أخيه الضعيف (عبد الرحمن عارف).

ولم يختلف اثنان على شجاعة عبد السلام عارف إلى حد التهور فدوره فى ثورة 14 تموز سنة 1958 كان حاسماً فبشجاعته استطاع أن يسيطر على اللواء العشرين ويدخل به بغداد ويفجر الثورة ويذيع بيانها الأول ... ولكنه لا يخلو من تناقض فكان كمن يحمل شخصيتين متناقضتين إحداهما تمثل الاندفاع غير المحسوب إلى حد التهور فى القول والعمل ، والأخرى على النقيض تماماً ، تمثل الكتمان والسرية والباطنية وعدم الإفصاح والبوح عن مكنوناته ويبدو أن تجربته مع عبد الكريم قاسم والمحاكمة والسجن قد علمته بعض الدهاء ، وقد تجلى ذلك فى 18 تشرين الثانى وانقلابه على رفاقه البعثيين واستخلص الحكم لنفسه بعد أن تقرب من جناح          حازم جواد وطالب شبيب وأشعل فتيل الخلاف مع الجناح الآخر الذى ضم           على صالح السعدى ورفاقه ، فالرجل لا يخلو من الدهاء وإن بدا للناظر غير ذلك ، وبعد 18 تشرين ركبه الغرور وفرض على أجهزة الإعلام والصحافة أن تسميه بطل الثورات الثلاث (14 تموز سنة 1958 و8 شباط 1963 و 18 تشرين الثانى سنة 1963) ... وكان يجيد المناورات ويلعب على الحبال فيتقرب من القوميين ويعمل على شق البعثيين وبعثرة صفوفهم ويوحى للإسلاميين أنه معهم ومنهم ... كان الجيش العراقى يحسب حسابه لما هو معروف عنه منه شجاعة وإقدام ونباهة ويقظة لذا كانت إزاحته من المسرح ضرورية لإنجاح أى إنقلاب كما حصل فى 17 تموز سنة 1968 ... وكأغلب العسكريين لم يكن يخلو من عقدة (جمال عبد الناصر) وكيف نجح هذا الضابط المصري ، صغير الرتبة ، أن يكون زعيماً مصرياً وعربياً وعالمياً ويستحوذ على الأفئدة والقلوب فطفق الكثير منهم يترسم دربه وخطاه.

كان هم عبد السلام عارف أن يثبت دعائم حكمه ويقويها إلى الجيش فاستخلص من يثق بإخلاصه له فقربه منه وأسند لأبناء عشيرته وبلدته مناصب قيادية فى الجيش والشرطة والحرس الجمهورى والمراكز الأمنية الحساسة ، وكأن أغلب العسكريين لا يمحض ثقته كاملة للقوى السياسية المدنية من أحزاب أو حركات أو منظمات شعبية لشكه فى إخلاصها له. كان يكره اسم (الديموقراطية) ويسخر من الانتخابات وتداول السلطة والفصل بين السلطات ، فكنت عندما أتحدث عن الأحزاب وضرورة قيامها وعن الانتخابات وقيام مجلس نيابى منتخب من قبل الشعب ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة ويظل يستمع مجاملة دون اقتناع وعندما أنتهى من حديثى يعلق بقوله ... "بعد ... بعد وكت أبو شهاب .." ثم يقفل الموضوع .. كان يستمع جيداً ويستوعب الكلام ويفهمه ويأخذ القرار وسريعاً إذا ما أقتنع به ...

كان يحترم الرجل النضيف اليد ، والنزيه وصاحب المبدأ ويثنى عليه ولكنه لا يطيق أن ينقذ وينزعج كثيراً من بيانات الحزبيين التى تتناول سياسته الداخلية أو الخارجية ولكنه يتحملها على مضض ...

كان يريد من الجميع أن يعترف بدوره الحاسم فى 14 تموز سنة 1958 وأنه لولاه لما كانت ثورة وكأنه يدل على الجميع بذلك – وكأن تاريخ العراق قد بدأ به هو (بطل الثورات الثلاث) لم يستطع حزب أو فئة أو تيار أن يقول أو يدعى أن عبد السلام عارف منه أو له أو قريب منه أن عبد السلام عارف ملك نفسه ويعمل لنفسه ، لم يحسب نفسه على حزب أوفئة أو تيار وحتى انتماؤه لحزب البعث قبيل 8 شباط سنة 1963 فيها قول ، فقد اتخذه مطية للوصول إلى أهدافه ومع مرور الوقت ابتعد عن الجميع كما ابتعد عنه الكثيرون خاصة القوى السياسية وكرس كل وقته للجيش وتثبيت حكمه ، وأن يقوم بمشاريع عمرانية تنفع الناس هنا هناك ، وفى أيامه الأخيرة تملكته هواجس ووساوس من وجود مؤامرة للانقلاب ضده فصار يسهر ليلة كله يرقب ويراقب ، فضعف بدنه وساءت صحته.

وبأن الهزال ، وذهبت التفسيرات فى تدهور حالته الصحية مذاهب شتى أخذ الشارع يرددها إلى أن قضى نحبه مساء يوم من نيسان سنة 1966 بحادث الطائرة المعروف.

لا أستطيع أن أقول أننى قد عرفت الرجل جيداً وسبرت غوره فبقدر ما كان يبدو بسيطاً إلى حد السذاجة فهو غامض إلى حد بعيد رحمه الله.