نعم... نصر للبشرية! وتجربة فريدة!
د.عبد الكريم هاني
قال "صاحب الدولة" الذي يقف على أنقاض الدولة التي ساهم هو وشركاؤه من أعداء الوطن والبشرية والديموقراطية بتحطيمها تحت راية الامبريالية الأميركية ليقول إنّ هذا الخراب الذي أنجزوه وانهيار الدولة وتمزق المجتمع وتشريد الشعب وضياع آماله وأمواله (نصر للبشرية ونموذج فريد من نوعه في البناء الديمقراطي) على حد قوله. ولو كان "صاحب الدولة" يتحدث عبر فضائية العراقية أو الحرة (البعيدة عن الحرية) أو راديو سوا أو غيرهما من قنوات الإعلام المدفوع الثمن، أو في مؤتمر صحفي جمعه له الأسياد في الجزء الأخضر من المستعمرة الأكبر لهان الأمر ولقلنا أنها "شنشنة نعرفها من أخزم" أو "عبُّر" لأنه "ليس على الكلام كمرك "كما نقول في العراق، لكنه قال هذا القول في رحاب المنظمة الدولية التي مازالت وكالاتها ترفع النداء تلو النداء تشكو تردي أحوال العراقيين الذين احتار المجتمع الدولي في إيجاد تسمية مناسبة لهم، قالوا لاجئين فاحتج الجميع – لعلهم وجدوا في هذه التسمية ما يذكر بمأساة اللاجئين الفلسطينيين، وقالوا نازحين فاحتج آخرون، وقالوا مهجرين فثارت ثائرة العنادل التي تغرد بالديموقراطية والتحرير، وقالوا ضيوفا فاحتج الواقع وولولت الحقيقة وهم يرون "كرم الضيافة" يتلقاهم من الحدود، لكن هذا الواقع سكت علامة الرضا عندما اقترحوا صفة المشردين.
أعلنت إحدى الوكالات الدولية أن عدد الذين أفرزهم "التحرير" من هؤلاء الذين لم يجدوا لهم وصفا يرضي جميع الأطراف قد تجاوز المليونين وخمسمائة ألف فرد خارج العراق وما يوازي هذا العدد داخل العراق وقالت ان هذه اكبر عملية نزوح شهدها العالم، وقالت وكالة أخرى إنّ عدد الضحايا الذين فقدهم العراق منذ العدوان الإمبريالي الأميركي قد جاوز المليون وربع المليون خارج حسابات الوفيات الاعتيادية، وقالت أخرى إنّ أكثر من ثلث العراقيين بحاجة إلى المساعدة وقالت منظمة رابعة إنّ أكثر من نصف العراقيين بكثير يعيشون دون خط الفقر (دون أن توضح هل المقصود هم عراقيو الداخل أو الخارج) وقالت خامسة إنّ العراق يحتل المكانة الأدنى عالمياً في استفحال الفساد، ومنظمة أخرى وجدت دولة واحدة فقط في العالم أسوا حالا في مجمل الأحوال من العراق، كما يقرر جميع المراقبين أن ما جرى في العراق منذ بدء العدوان الامبريالي الذي جاء بـ "دولته وشركاه" وما يجري اليوم هو تطهير عرقي شمل جميع الفئات بدون تمييز ساهمت فيه المليشيات المشاركة في حكومة "دولته". هذا الأمر يدفع جميع المراقبين للتساؤل أين وجد "دولته" هذا النصر وتلك التجربة الفريدة؟
لكننا نجد العذر لـ: "دولته" إذا ما تذكرنا مالثوس ونظريته البائسة التي كانت تدعو إلى تشجيع الحروب والترحيب بالأوبئة لأنها تخفف الزحام غير المرغوب فيه في هذا العالم الذي كان يقول انه محدود الإمكانات، ولا بد أن "دولته" يؤمن أن استمرار عملية التطهير بالقتل والتهجير سوف يؤدي إلى تحسين بالغ في مستوى معيشة "الفئة المختارة" حين تنعم بخيرات هذا البلد وفي هذا نصر وأي نصر للبشرية التي يقصدها "دولته" والتي آلى على نفسه أن لا يشاركها "الآخرون" بهذه الخيرات.
أما التجربة الفريدة في البناء الديموقراطي التي انفرد "دولته" باكتشافها بالرغم من قول بوش إنّ الحالة التي وصلت إليها الأمور في العراق مرعبة وأن المعاناة والمأساة جاوزت الاحتمال وذلك قبل شهر من اكتشاف "دولته"، فلعلها نجاح الاحتلال مع العاملين في ظله من عصبة "دولته وشركاه" في إعادة الاستعمار إلى الوجود بعد ستة عقود من إنهائه.
يقولون في الأمثال لكل مقام مقال، ويبدو أن "دولته" قد اختلطت عليه الأمور وضاعت منه بوصلته أو أن بوش لم يستطع أن يرى ما يراه "رجله" في بغداد، لكن هذه المنظمات ونحن أيضا لم نستطع أن نرى كل ذلك النصر الذي يراه "دولته" والذي يفاخر به على المنبر العالمي، فقد يكون بريق النصر قد خطف أبصارنا، أو لعلنا كما يقول سبحانه (إنها لا تعمى العيون ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). ندعو الله مخلصين أن يهدي الجميع إلى سواء السبيل (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).