النفط و بدائل الطاقة
د.عبدالكريم هاني
شاهدت قبل ايام احد "خبراء" النفط على شاشة احدى الفضائيات و استمعت اليه و هو يتحدث بحماس "وطني" يحسد عليه عن شعوره بالقلق لأن بدائل الطاقة يجري العمل لتطويرها بسرعة و كفاءة بحيث سيصبح النفط ما بين غمضة عين وانتباهتها عزيز قوم ذل و حاله حال الفحم الحجري الذي كان سيد الاقنصاد و الصناعة قرونا طوالا ثم انزله ظهور النفط عن عرشه وحوله الى شيء من الماضي . و لذلك كان الخبير المخلص "ينصح" العراق أولا و غيره من الدول المنتجة للنفط للاسراع بانتهاز الفرصة و استثمار ثروتها النفطية لإعمار البلد و إعادة بنائه قبل أن يفقد هذا النفط عرشه و يتحول الى سلعة بائرة ليس لها من مشتر , و السبيل العلمي المضمون بالنسبة للعراق هو تشريع هذا القانون الوارد الينا عبر لأطلسي و الذي سيجلب الخير العميم و الإعمار و الصحة و السلامة لهذا الوطن و يوحد أبناءه و يقضي على الفتنة التي اشتعل أوارها بين الحلفاء المؤتلفين و المؤلفة قلوبهم فتقاتلوا للحصول على النصيب الأكبر من خيراتها.
و تبرز وسائل الإعلام "الحرة" يوما بعد آخر الدور الذي سيلعبه الوقود الهيدروجيني و الإيثانول في إلغاء دور النفط الى جانب طاقة الرياح و الطاقة الشمسية و الأمواج البحرية و الطاقة الحرارية من الأرض ناهيكم عن الطاقة النووية بحيث أصبح أصحاب النفط يتراجفون بهلع خوفا على مستقبل اقتصاد بلادهم . و تستمر "أفلام الإثارة و الرعب" تلعب دورها فتصطك ركب اللاعبين خوفا و هلعا , و ربما أسرع بعضهم يطلب العون قبل وقوع الكارثة المتوقعة فيجد "غشيما" أو "فاعل خير" يبيعه السلعة المهددة بالبوار .
قبل أكثر من اربعين عاما كان الحديث يدور في مجلس حول دور "النفط العربي" في السوق العالمي للنفط فانفجر أحد "الخبراء", و كان وزيرا للنفط في ذلك الحين و صرخ قائلا بانفعال فيه مزيج من السخرية و التحدي انتظروا بضعة شهور و سيبدأ بحر الشمال بالانتاج و سيتدفق نفطه كالماء و ستنصرف كل أوربا و ربما أميركا أيضا عن شراء نفطكم فاشربوه حينئذ!! و مرت عقود منذ بدأ نفط بحر الشمال بالتدفق دون أن يستطيع ان يفرض سطوته على سوق النفط كما كان يهدد سارقو خيرات الشعوب !
و قبل هذا حذرنا "خبراء" منتصف القرن الماضي أن النفط سينضب في الثمانينات و حددوا بدقة متناهية وقت نضوبه من كل قطر من الأقطار المنتجة : هذا عام 1980 و ذاك قبله بسنتين و الآخر بعده بأربع ..الخ و مرت السنون و العقود و ما زالت الآبار تهزأ من "خبرة" الخبراء و ما زالت حقول جديدة تظهر جراء استمرار الاسكتشافات المستمرة.
إذا كانت كل هذه البدائل ستحرر السيارات من "إدمان" النفط فليس في هذه البدائل ما يعوض عن النفط كمادة أولية في عشرات الصناعات, إن لم تكن المئات التي يعتمد عليه فيها كمادة أولية ؛ و قديما قال لهم الشاه محمد رضا ان النفط أعز و أغلى من ان يحرق كوقود !!
تجتمع كل هذه "التحذيرات" الحريصة على رفاهية الشعب العراقي و أمنه فيتوافد على العراق مجرمو الحرب الذين ساهموا في تدميره و منع إعماره ليقدموا النصح و التوجيه للإسراع بتشريع قانون نهب النفط قبل أن تضيع الفرصة على اللصوص , بل يجعل بعضهم تشريع قانون السلب و الشفط العلامة الدالة بامتياز على كفاءة حكومة العجزة العاجزة عن كل شيء إلا الفساد و الإرهاب و التطهير المذهبي . و بالرغم من توالي نصائحهم فإن أحد عباقرة الساسة المعممين ينفي تعرض أحد للضغط لتمرير قانون النهب و السلب. و ليس في هؤلاء الناصحين من يقول للصوص ان وضع حد لنهب ثروة البلاد الذي يزيد معدله عن المائة مليون دولار يوميا يكفي للصرف على الاعمار الذي لم يهتم به أحد منهم حتى الآن .
ربحت بفضل "السياسة" رهانين و أنا بانتظار أن أربح الثالث ! كنت قد راهنت أن القطعان الي قاطعت "الحضيرة" سوف تعود "راسها قبل رجليها" عندما تسمع صوت "الجرس" ... و قد عادتا (سعيا على الرأس لا مشيا على القدم!) و أنا انتظر أن اربح رهاني الثالث عندما ترتفع الأيدي لتؤشر بحماس "موافج".
20/7/2007