زيف الديمقراطية ومطالب"الأصدقاء" الأمريكية

حسين الربيعي

أولاً : مظاهر الديمقراطية تتساقط !

تكشف الأيام ، الحقائق التي تقوم عليها العملية السياسية  ، التي تنفذ في العراق منذ ما يقارب الخمس من السنوات ، وسوف يصل الأخرين إلى اليقين الذي لاغبار عليه ، من أن الديمقراطية أول من أسيء اليه بمحاولة إلصاق "التجربة" الحالية بها ( إذا كان هناك على حد قول الرئيس الأسد )  ، فلسان حال العراق بشهدائه ومهجريه ، ودماره وتفرق سياسيه ، وفقر أبنائه وإثراء سراقه ومغتصبيه.. واحدة من تلك الدلائل المهمة .. ولكن الأهم ، ما يجب أن يلاحظه المراقبون في سعي " القادة " الدؤوب والمتزايد السيطرة على وسائل الحكم لصالح مجاميعهم المختلفة و المتعددة ، والزحف الدائم نحو بعض الفقرات للإطاحة بمن " ترأسها " أو كلف بإدارتها من اشخاص لاينتمون ولا يتوائمون بوجودهم مع الأهداف الأساسية للشركاء " الأساسيين " الأقوى في العملية السياسية ،أو أصبح وجودهم يحرك حساسية ( الأقوياء ) الماسكين بالعصا من وسطها على حد قول الأخ ضياء السباهي ، ويتعارض مع أدخالهم في " مشروع " القسمة بين الأساسيون وهم بالتأكيد " الأربعة + واحد " لأنه يغير من ( صافي الأرباح ) .

و"حرب " كربلاء وإفرازاتها المستمرة لأمدٍ قادم ، واحدة من مظاهر هذه القسمة الجديدة ، التي تتعرض في هذه المنطقة لعدم الحسم لحد الأن ، فيما حسمت في المناطق الأخرى ، وربما تكون من أسباب عدم الحسم الأحتلال الأجنبي والنفوذ الأقليمي بتأثيرهما المشترك ، فكربلاء رمز للمقاومة الحسينية الباسلة ، التي كان لها التأثير الأبلغ على مفهوم الشهادة والحرية ، ففيما يسعى المخلصون لتفعيل دورها بهذا الشكل المقاوم ، يسعى البعض الأخر لأدخالها في حساباته الخاصة التي تضطرد بتوافق مع ما يسمى بالحرب ( العالمية !) ضد الأرهاب ، ويتطلب ذلك تحويل " الثورة " الحسينية لمظاهر ( كرنفالية ) مجردة من محتواها التحرري الثوري الرافض للأستبداد ، ولكي لاتكون حلقة جهادية جديدة على شاكلة حزب اللع والمقاومة الوطتية اللبنانية.   

ومن دروس الصراعات بين المشتركين في العملية السياسية ، تقوقعهم داخل الأطار (الذي صممه مؤتمري لندن وصلاح الدين قبل الأحتلال)  " المكوناتي " للمجتمع العراقي ، الذي قسمهم إلى كرد ، شيعة وسنة ، وهذا التقسيم يقود لصراع نشهده الأن ، وهو تمثيل هذه المكونات الجديدة ، بالقدر الذي يتناسب مع الأستراتيجية الأمريكية التي تأسست عليها هذه المكونات "سياسياً " ، وما تشهده بعض المناطق من توافق بين قطبين لطائفة لايعني أمكانية أستمرار هذا التوافق إلى مدى أبعد  .

 ومع تبجح المدافعون عن " التغيير " الذي حدث جراء الأحتلال ، وتفاخرهم بالمؤسسات " الديمقراطية " و " المجتمع المدني " ، فأن الأتهامات المتبادلة بين هذه الأطراف وتساقط ورقة التوت عن أسرار الصراعات السرية للسيطرة على هذه المؤسسات ، تجعل هذه الديمقراطية أكثر أستهجاناً وأستخفافاً .. وألماً في نفس الوقت ، لما تتركه من آثار سيئة بليغة على المجتمع العراقي .   

إن ما صرف من أموال لقيام هذه المؤسسات ، وما سرق بواسطتها أو بمساعدتها من ثروات العراقيين  ، حيث كان الجياع منهم عانوا لأكثر من عقود الفاقة والجهل والمرض بسبب الأستبداد الخارجي والداخلي وما تركه الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة بأسم الأمم المتحدة وأيدته " المعارضة الخارجية " التي لم يصيبها جوعه إلا الأيغال في أسداء الأذية له باستقدام الغزاة الهمج الحاقدين في التاسع من نيسان 2003الأسود ، وبمرور الأيام تنكشف حقيقة النفوس التي أدعت الوطنية والديمقراطية ومقاومة الدكتاتورية ، فضاع الوطن وتمزق ، وتعددت الدكتاتوريات ، ومسخت الديمقراطية ، فذهبت كل أموال العراق وثرواته إلى ( سحت ) في جيوب القادمين على صهوة " البغل " الأمريكي والمتربصين منهم للوطن  في الداخل  ينتظر ساعة ضعفه ليقطع منه مايشاء لحسابات جنونية .

وبقدر ما تخفي حقائق الصراع بين مفوضية النزاهة والحكومة العراقية من أسرار من خلال الأتهامات المتبادلة بالفساد والرشا من قبل الطرفين ، فإن المواطن العراقي يتسأل عن كل هذه التسميات بما فيها " المفوضية " وغيرها التي تكونت بطريقة غريبة ومفاجئة ، وأحتلت أبنية ، وتصرفت بثروات ، ومارست دوراً معيناً في خداع الناس على شاكلة بقية المؤسسات التي تدير الأمور ، ويتسأل الناس عن شرعية هذه المؤسسات وعن الذي منحهم الصلاحيات ، ثم يستغرب أن كثيراً من قراراتها قد نفذتها الحكومة والقضاء ، فيما تتهم الحكومة المفوضية بالفساد ؟؟؟؟

أن الصراع على إزاحة " الشركاء " الضعفاء واضحاً من العلاقة " المأزومة " بين هيئة النزاهة برئاسة الراضي وبين لجنة النزاهة في " البرلمان " . والأستغراب الأشد عن نية "البرلمان" حجب الثقة عن الراضي وهيئته ، الذي لاندري هل أن "البرلمان" سبق أن منحها أياه أم لا ؟

ومع كل تلك المساعي في الهيمنة على القرارات والمؤسسات ، فإن اللاعب الأكثر قدرة على الحركة هو الأحتلال وإدارته ، والمصالح الأقتصادية التي تربط قادته بالسياسين العراقيين ومشاريعهم الربوية ، حيث يقول رئيس الوزراء : " كنا قد أصدرنا قراراً بمنع سفره " الراضي " وكان قد توجه سابقاً إلى المطار وعاد ، لكنه تمكن من السفر إلى أمريكا . " !!

والسؤال : كيف يتمكن " متهم " بهذا الحجم الهرب من العراق ؟ وعلى نفس طريقة " الأخوة الحلفاء في العملية السياسية " مثل أيهم السامرائي ، وحازم الشعلان وغيرهم من الذين تسيدوا على العراق وشعبه في "أحتفالية" الأحتلال بديمقراطيته المقززة في العراق ؟؟ فيما تبذل الحكومة جل مساعييها لألقاء القبض على معارضين لها في خارج العراق ؟؟

أن الصراع على السلطة ملعون ، ولذلك فقد كانت الحركة القومية في العراق بمسيرة أكثر من نصف قرن تهوى المعارضة ، لأنها وجدت السعي المجرد للسلطة يفقدها وضوحها وقربها من الجماهير ، فالسلطة في نظرها السبيل لتحقيق العدالة ، والعدالة مشروعٌ للحب ، والحب أستبداد متبادل بين السلطة والجماهير تذوب في مجرياته السلطة بالجماهير ليبزغ عصر سلطة الجماهير .. الخلاص النهائي للصراعات الدموية وحرب السرقات والنفوذ ، ذلك ما كان في العهود الوطنية ، فكيف إذاً تحت هيمنة الأحتلال ؟؟

ثانياً : مطالب التغيير .. هدفها الحقيقي ؟

يطالب البعض بتغيير الخطاب السياسي للقوى القومية العربية في العراق ، عن الخطاب السياسي لفترة الخمسينيات والستينيات ، والحقيقة أن مطالبهم تلك يجب أن تفهم تحت ثلاث أمور :

1ـ سلبيات الخطاب القومي السياسي في تلك المرحلة ، تحديدها أولاً ، ومن ثم تصنيفها .. هل كانت ديمقراطية ؟ أم شوفينية ؟ وأستبدادية ؟

2ـ وضع تجارب ( التغيير ) على طاولة الترشيح ، للتأكد من صلاحيتها وتوافقها مع الثوابت ، فالبعض ممن (أستمالتهم) هذه الدعوة ( لغرض أو لأخر ) قد دفعوا في شرك ( الفاحشة ) السياسية ، لأن هذا المسلك يقود لمزيد من التنازلات التي لاتنتهي إلا بتغيير المحتوى ( الجوهر ) بشكل ٍ عام والأبقاء على التسميات والعناوين التي لايصبح لها طعم أو رائحة أو لون، وفي بعض ( النماذج ) أقترح ( الأصدقاء الممولون ) تفيير الأسم كي يتوافق مع نهج ( الحداثة ) ، والمحصلة الأخيرة .. توسع (القاعدة المادية) على حساب القاعدة الجماهيرية .

3 ـ الشراكة التأريخية ، عنوان الحرص ( الأخوي ) لتلك المطالب ، وإذا كان ذلك صحيحاً فأنه ممكن من خلال العمل المشترك ، من أجل التواصل في أنجاز الأهداف القديمة المشتركة ، بالجهد الوطني وليس أعتماداً على أجندة خارجية .

ثم تعالوانتوضح التغيير الذي يطلبون وأمكانية قبوله  :

أ ـ التصفيق ( للعراق الديمقراطي التعددي الفدرالي ) .. فهل يتمكن التيار القومي الملتزم الأنظمام لتيار المهرجين الذين يتغاضون عن الخسائر الجسيمة في كل شيء .. الأرواح والأملاك ، المبادىء والقيم ، الأنجازات والمكاسب ، الأستقلال والسيادة ، الوحدة والقوة ، التأريخ والدين وغير ذلك الكثير ، لمصالح ذاتية وشخصية مطلقة تتبرأ منها الأديان والمبادىء والطوائف ؟؟؟

ب ـ هل المطلوب أن يتخلى التيار القومي عن أحترامه الأكيد والتأريخي لحقوق القوميات الأخرى المتأخية .. كرداً وتركمان وغيرهم ؟؟؟

ج ـ هل يريدون أن نحول الحركة القومية ، لحركة منغلقة على نفسها دينياً ، فنحصرها للمسلمين دون غيرهم ؟ أو أن نوجهها في طريق معاداة الدين ؟ فيما هي تتميز عن غيرها بانفتاحها على كل الأديان والعقائد والأجتهادات ، بل أن من بين أهم قادتها ممن هم من غير المسلمين ، وهي تعبير عن تمسك أبناء الأمة مسلمين وغير مسلمين وأعتزازهم بهويتهم العربية الأسلامية !

د ـ هل يريدون منا أن نقف معهم ، في هذيهم ، أن تحرير فلسطين حلماً زال بسبب سياسة الأنظمة ؟ وقد تناسوا عدة حقائق منها ، أن الكيان الصهيوني لايستهدف فلسطين وحدها ، إنما هو بحق غدة سرطانية تريد الأستحواذ على كامل المنطقة ، وأن كل ما (أقترفته) الأنظمة التي كانت مؤمنة بتحرير فلسطين ، كان أحد أهم أسبابه التأمر الخارجي والداخلي من أجل خاطر أمن وسلامة أسرائيل . وأن التصدي والصمود في وجه العدوان الصهيوني لايزال الطريق السالك نحو التحرير ، وما هزيمة العدوان الصهيوني على الشقيقة لبنان في تموز 2007 إلا دليلاً على ذلك .

و ـ الأقرار بصداقة الغزاة والمحتلين أحد أهم مظاهر التغيير المطلوب ، وأن علينا أن نصفهم بالأصدقاء المحررين ، وأن نستنكر حرق الأعلام الأمريكية ( لأنها ظاهرة ليست حضارية ) ، ونسوق للعمليات ( الحضارية ) بحق العراق ، وقتل أبناءه ، والأعتداء على شرفه وحرمته ومقدساته .

ما كان لهؤلاء أن يطلبوا لولا أن بعضاً ممن يتقافزون فوق المربعات ، طمعاً في البقاء قريباً من السلطة قد تهالكوا ، مهرولين على المشاركة في العملية السياسية التي قادها برايمر ، ورشح بعضهم من قبله لدخول منتدى ( الجمعية الوطنية ) وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من المراكز ( القيادية )  ، ناسين أن لهم تأريخ ( فرطوا به ) لايمكن أن يتغاضى عنه أعداء الأمة ، لأن في قائمة ( المرشحين ) أفضل منهم من الذين تربوا على خيانة الوطن وأمتصوا حليبه منذ نعومة أظافرهم ، وتربوا على خدمة أسيادهم الغرباء .

أن هؤلاء فتحوا شهية الأخرين لأبتلاع القومية العربية ، وهم بعد أن فعلوا عادوا لممارسة دورهم القديم بلعب دور الحرص على الوطن من خلال ( المعارضة الخارجية ) ، لعرض أنفسهم على ( المستثمرين ) الأغارب من أجل إداء دور ٍ آخر .

إذاً .. هل ننصاع للدعوة ، كي نقطف تفاحة أدم من جديد ، فنقع في فريسة الشيطان ، ونكون كمن يلبس كل يوم ٍ وجه جديد ؟ و هل اصبحنا ندرك ان الدعوة مطلب امريكي يقدمه (الاصدقاء) في وعاء يسموه زوراً الحرص على النضال المشترك معنا ؟

نسأل الله أن يمدنا بمزيد من الأيمان والصبر ، والأستماع لنصيحة الخيريين ، وصوت الحق الذي هو صوت الشعب والوطن ويجنبنا سوء الفهم والأبتعاد عن الحكمة ، ويلهمنا القوة والصمود في وجه المغريات المادية ، نجن وكل المؤمنين .

 

 

 

                                                     بغداد العروبة  8 ايلول سبتمبر 2007