العداء للعروبة أحد أهم مواصفات المشروع الأمريكي في الوطن العربي

( 4 ) سلوكيات محيرة وحقائق  

" لانفتح النار .. بل نستخدم حقنا بالدفاع عن تأريخنا "

حسين الربيعي

 

أ ـ  غموض سياسي أم تخبط ؟

 من الملاحظات المثيرة للتساؤل والشك ، المدى الذي تصل أليه بعض قوى التيار الأسلامي بالدفاع عن عبد الكريم قاسم وأنحرافاته ، والعبور فوق ( أنجازاته ) التي كثيراً ما تعوم ولاتؤشر بأسمه في مفارز متعددة يعترض عليها ويهاجمها بل ويطالب بألغائها ( القوانين ) عدداً وفيراً من الأخوة الأسلاميين ، فقانون الأحوال الشخصية المرفوض من الأسلاميين قانون أنجزه وأقره قاسم ، وتراحع عن تطبيقه الأخوين عارف في الفترة التي تسمى الفترة العروبية ، ثم أعاد العمل به نظام البعث .

كما لم يتحدث ( الأسلاميين ) عن مسألة الخلاف مع الشيوعيين في فترة أنحراف قاسم ، حيث قربهم منه ومكنهم أستخدام آليات الدولة والسيطرة على بعض مفاصلها ، للقضاء على معارضيه من القوميين والقوى الوطنية الأخرى التي طالبته تسليم السلطة للمدنيين بعد آجراء أنتخابات حرة ( كما ذكرنا سابقاً من مطالبات الحزب الوطني الديمقراطي ـ كامل الجادرجي ) ، حيث تم أثناء ذلك الوقت ومن خلال المفاهيم الشيوعية التي كانت سائدة آنذاك ، شن حملة شعواء على الدين ورجاله تحت عنوان ( آفيون الشعوب ) ، مما أضطر السيد محسن الحكيم أصدار فتوى ضدهم .

ومن المؤشرات التي تستدعي التعجب ، سعي أطراف في الحكومة في محاولة نعتقد أنها تستهدف الأنتماء القومي للشعب العراقي بمسلكين .. الهجوم المباشر وتلفيق الأكاذيب عن القوميين ، وثانيهما : إعادة الحياة لبعض رموز فترة الأنحراف القاسمي " وقد صرح رئيس لجنة إزالة مخلفات البعث ، التابعة لمجلس الوزراء ، محمد طاهر التميمي : أن اللجنة تدرس إعادة بناء نصب الجندي المجهول الذي صممه المهندس المعماري رفعت الجادرجي وسط العاصمة بغداد ، كونه يمثل أحد الرموز الوطنية والحضارية ويحمل الكثير من المعاني السامية في نفوس العراقيين ـ جريدة الصباح ـ الملحق ـ الأحد 19 آب 2007 "   

والقاريء لهكذا أنباء يتملكه التعجب والدهشة وتعتريه عدد من التساؤلات ، أقلها .. هل توصل المسؤولين لحل مشاكل العراق الكبيرة والخطيرة جداً ، وقامت الأجهزة الخدمية والأمنية والصحية والتربوية ، وأيضاً الأنشائية والأسكانية توفير كل الخدمات بمافيها الوقود والكهرباء والماء الصالح وغيرها ، ووفرت السكن الأدمي الأئق لمعيشة البشر ، ناهيك عن توفير الأمن وتحقيق السيادة ، فقررت أن تتوجه للمسائل التي تحمل المعاني ( السامية ) ، فمن أين أختارت هذه الكلمات ؟ ومن أكثر سمواً من أمن المواطن ، وكرامة الوطن المفقودين نتيجة الأحتلال ونتيجة للتخبط الا معقول في دهاليز النظر إلى الخلف التي يتميز بها سياسيو المرحلة الحالية .

ومن المسائل التي يمكن مناقشتها وتوجيه أصابع الأتهام والشك فيها لأطراف ساهمت في زرع ثقافة أزمات مقصودة لتبرير عودة الأحتلال والأستعمار للمنطقة ، فواحدة من أكبر أخطاء النظام السابق غزوه للشقيقة الكويت ، وما قاسته الأمة منذ آب آغسطس 1990 حتى اليوم وأفرازاته السلبية الخطيرة ، الم يكن هذا النهج ميراث متداول من النظام القاسمي ومسعاه في ظم الكويت والتهديد بأحتلالها أثناء فترة الأنحراف القاسمي ؟ وللتدليل على أن ذلك موروث حقيقي أستخدام الأعلام العراقي أثناء الغزو لتبرير ذلك الغزو الأفلام والخطب التي كان (الزعيم) يتوعد فيها بظم الكويت بالقوة العسكرية .. وحين تنطلق الأدانات لمسلك النظام السابق على سلوكه أتجاه الكويت ، يجب أن يتذكر الجميع أن المديح الا مبرر لقاسم رغم تشابه أخطائه بأخطاء صدام ،يتحول إلى أصوات نشاز في الواقع الوطني ، وإلا فإن ذلك يعني على الأقل التعامل بمعيارين في شأن واحد ؟ ويعري الموقف آنذاك دعاة الحق المفترضين إلى أنتهازيين من النموذج المتقدم . وعلى أي حال فإننا إنما نريد أن نشترشد بما يشد من فكرتنا هذه ، وخير أسترشاد الحديث النبوي الشريف " من دعا إلى حسنةٍ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن دعا إلى سيئةٍ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "

وعلى العموم ، نحن لانقصد الجميع حين نقول التيار الأسلامي ، إنما ذلك سلوك البعض من الذين ( يتقلدون ) المناصب ( الرسمية ) الذين يقول عنهم العالم الأسلامي خالد محمد خالد : " هؤلاء وآولءك الذين يلبسون جميع مسوح الرهبان وتنطوي جوانحهم القاتمة على ركام هائل من الحقد والخبث ، والأنانية وعشق الجريمة ، ويمشي الواحد منهم بين الناس كما يقول الشاعر ، بوجه أبي ذر وقلب أبي لهب ـ هذا أو الطوفان لخالد محمد خالد "

ب ـ أتهامات .. وحقائق

في 18 آب 2007 وأثناء دعوة من الحزب الشيوعي العراقي لمناقشة ورقة عمل شيوعية لمشروع وطني عراقي ، حضرها من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الرفيقين محمد جاسم اللبان وصبحي الجميلي ، وفي أثناء المناقشة قلت هذه الجملة المكتوبة بخط يدي مع الملاحظات حول المشروع :

في جانب القوى الوطنية الديمقراطية نحتاج لنسيان الماضي وعدم طرق أبواب الخلافات القديمة ، ولجم الأصوات المحفزة لإعادة هذه الخلافات وتأجيجها ، خصوصاً في وسائل الأعلام المسيطر عليها من قبلكم "

وحقيقة الأمر أننا لانفتح نارً على الغير إنما نستخدم حقنا بالدفاع عن أنفسنا ، بعد أن تصور الأخريين أننا عاجزون وليس في جعبتنا حقائق أوأدلة قاطعة وأن كل ما أتانا من مذمة لن ينال من أخلاصنا الوطني الصادق ، ولانبغي التشنيع إنما نريد لشمس الحقيقة أن تشرق .

 القوميين والناصريين كانوا يتذوقون أشد أنواع التعذيب والأستبداد من قبل السلطة الدكتاتورية ومنذ اليوم الاول في 17 تموز 1968 ، بينما كان الشيوعيين شركاء فعليين للنظام ، ساهموا في تجييره عالمياً وعربياً عبر الأتحاد السوفييتي والمعسكر الأشتراكي وفوى التيار الشيوعي العربي ، وأضفوا صفة " التقدمية " و" الديمقراطية " من خلال ما سمي حينها بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية بين النظام والشيوعيين وغيرهم بأستثناء القوميين ! ولقد ساعد الشيوعيين في بناء العلاقات الخارجية للنظام التي هيأت له أسباب القوة .. ومنها القوة العسكرية ، وكان للشيوعيين وزيراً أو وزراء في حكومات النظام السابق ، حتى تمكن النظام فالتف على حلفائه الشيوعيين ليطاردهم بعد أن سحب من تحت أقدامهم البساط ، فلاذوا بالفرار فكانت دمشق مأواهم وملجأهم .

ومع ذلك وفي فترة العلاقة الذهبية (أيام الجبهة الوطنية والوزارة الممنوحة للشيوعيين ) وبالتحديد في 1972 كان هناك أكثر من سبعون معتقلاً شيوعياً في سجن أبي غريب ، وقد زارهم في أحد الأيام عبد الرزاق الصافي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ، وكان يحمل لهم هدايا وهي عبارة عن بجامات نوم ، فواجهه ( المناضلون ) الشيوعيون بالغضب ، ورفظوا أستلام هداياهم ، حيث أعتبروا موقف الحزب الشيوعي من أمر أعتقالهم غريباً ومستهجناً ، وكان قد  أعدم عدد منهم في نفس الفترة .

 وفي مجال أخر أستغرب شخصياً لرغبة الحزب الشيوعي بالسلطة ( على كل عيوبها ) ، حيث تتكرر الحالة منذ حكم عبد الكريم قاسم ، وتكرر الأمر في حكم حزب البعث ، ويتكرر الأن .. والأمور في الوقت الحاضر مختلفة عن سابقتها وأكثرسوءً بشكلٍ لايقبل الشك ، ومع ذلك فالشيوعيين ينتمون لكتلة برلمانية من خلالها حصلوا على وزارتهم الوحيدة ( العلوم والتكنلوجيا ) ، ومع ذلك فأنهم لم يلتزموا بقرارات الكتلة بالأخص في موضوع التصويت على مشروع الأقاليم ( حيث كان تصويتهم لصالحه قد مكن من تمريره ) ، والثاني عدم أمتثالهم لقرار الكتلة بالأنسحاب من الحكومة ، علماً أننا لاندافع عن مواقف القائمة العراقية ولاندافع عن قراراتها ، ولكننا نريد أن نلفت الأنتباه إلى أن الشيوعيين كانوا يعترضون على مشروع الأقاليم بشأن المناطق العربية .. فيما صوتوا لصالحها من خلال القانون المذكور !!!

ونفس التساؤل يدور حول أختيار وقبول الشيوعيين برئاسة لجنة التطبيع في كركوك لهم وحدهمدون غيرهم من الكتل والأحزاب ، لغرض تنفيذ المادة ( 140 ) التي يدور حولها المزيد من الخلاف والصراع ، ويجد العرب والتركمان أن الأصرار على تنفيذها وفي هذا الوقت وبهذه الطريقة الغريبة من خلال الأستفادة من الوضع الأمني الشاذ والتطاحن بين الأطراف الطائفية الذي أضعف العرب في مواجهة القوة الكردية المتفقة على تكريد كركوك ونقل ( ملكيتها ) لها وحدها . يجب أن يفهم الشيوعيين أن لهم إرثاً ليس بالطيب في مدينة كركوك ، لاتزال الذاكرة العراقية والكركوكلية تختزن المزيد من مآسيها " ولما كان المواطنون التركمان في مدينة كركوك والأقضية والنواحي المتاخمة لها قد أتخذوا موقف العداء من الشيوعية أو الشيوعيين قبل ثورة تموز 1958 وما بعدها ، فقد أيدوا ثورة الشواف حال سماع خبر أندلاعها صبيحة يوم 8 آذار 1959 ، وخرجوا في مظاهرات حاشدة رافعين لافتات مؤيدة للثورة ومعادية للشيوعية ، تلك التي أدت إلى مصادمات دموية واسعة بين الطرفين مع ورود أنباء فشل الثورة بعد ظهر اليوم نفسه ـ عبد الجبار السامرائي ـ من الذي أرتكب مجزرة كركوك ؟ عن شاهد عيان .

إذاً الا يستحق شعبنا في كركوك لمواقف جديدة يمحو آثار الماضي إذا كان هناك فعلاً رغبة للتغيير ؟

وفي مجال الحقد غير المبرر ضد زعامة عبد الناصر ، يصل الشيوعيين إلى درجة تحولهم لأبواق للأنظمة الرجعية والمؤسسات الأعلامية التابعة لتلك الأنظمة ولجهات أخرى معادية ، ففي أحد اللقاءات أثار أحد الأصدقاء الشيوعيين مسألة حساسة جداً ، فقد أطلق العنان لنفسه كي ينقل القصة المفبركة التي روجتها وسائل أعلام مأجورة ، وشخصيات سياسية سعودية عن كتاب للدكتور خالد جمال عبد الناصر ، يفترض أن يكون خالد قد تحدث عن علاقة بين والده والمخابرات الأمريكية وصدام ،وقد أحتوت القصة على عدد من الأكاذيب منها ما يختص ببوش الأب الذي كان حسب القصة مسئولاً في المخابرات الأمريكية قبل أن يكون قد تسلم هذا المنصب بعدد من السنين الطويلة ، فقد ثرت في ردي على ( الرفيق ) الشيوعي ، وأغلضت .. وأعلمته أنهم بذلك يمسخون عن أنفسهم ما يدعونه من تقدمية وتحرر .

 ولأهمية هذا الموضوع فأني أسترشد برد المناضل الأستاذ سامي شرف حول هذه الأفتراءات :

" ياأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسقٍ بنباء فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا نادمين ( الحجرات 6 ) صدق الله العظيم .

ما يهمني أن أوضحه لكم وللقارىء المصري والعربي الكريمين هو أن الخيال لعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بهذه الرواية الساذجة التي لاتمت للحقيقة بصلة لامن قريب ولامن بعيد . فالذي أعلمه عن يقين أن الدكتور خالد جمال عبد الناصر لم يكتب أي كتاب ، وبالتالي فلم يصادر أو يختفي بعد نشره مباشرة ، وبهذه المناسبة لو يقول لنا السيدالكاتب المحترم ، أين نشر وماهي دار النشر التي تولت طبع ونشر هذا الكتاب أو حتى رقم الأيداع حتى نطلع نحن أيضاً عليه للأستزادة .

وباعتباري سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات كما كنت بحكم منصبي مشرفاً عل شؤون اللاجئين السياسين في مصر ، وكان الرئيس الراحل صدام حسين أحدهم ، فبالتالي كانت كل تحركاته هو وغيره ، وخصوصاً إذا قابل الرئيس أن أكون على علم ٍ بها على الأقل إن لم أحضر المقابلة ، وبهذه المناسبة فالرئيس صدام لم يقابل الرئيس جمال عبد الناصر أبداً وأكرر كلمة أبداً .

وأخيراً فأنني في حيرة من هؤلاء القوم الذين يرمون بالغيب أو يتخيلون أحداث بالقطع من بنات أفكارهم أو خيالهم ، وإذا فكرت بطريقة المؤامرة فإنها قد تكون مملاة عليهم من جهات بعينها تسعى لتشويه صورة قادة وزعماء إن أختلفنا على تقييمنا لهم فإن الحقيقة والتأريخ وحتى الأعداء يحكمون عليهم دائماً بأنهم وطنيون وأحرار وشرفاء وبدون لف ودوران . أقول لك أخي الأستاذ مجدي أن جمال عبد الناصر أحتار فيه الأعداء . فمن قائل أنه باع البلد للسوفييت ، ويجيء اليوم من يقول أنه يتأمر مع رئيس المخابرات المركزية الأمريكية ، والله أنا أحترت هل نحن كنا شيوعيين أم أمريكان ؟

أتقوا الله يا من تدعون المعرفة مهما كانت نواياكم أو مقاصدكم ، ولتعلموا أم هناك من يستطيع أن يضعكم عند حدودكم ويعرف الكثير عنكم وعن من يدفعونكم لكتابة وأختراع مثل هذه الروايات الكاذبة والعارية من الصحة تماماً ، ولاتخدم إلا أعداء الأمة العربية والأسلامية على حدٍ سواء .

أن جمال عبد الناصر مازال يخيفكم حتى بعد رحيله بسبعة وثلاثين عاماً ، وسيظل يخيفكم ويرعبكم أيها المرتعشون المترددون لأنه لايصح إلا الصحيح وأن طال الزمن . "

 ومن الجدير أن ( الأستاذ مجدي ) الذي ذكره المناضل سامي شرف صاحب الجريدة أو رئيس تحريرها الذي نشر نص مقابلة مع أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي السابق الذي لاحقته أتهامات متعددة بشأن عمولات ورشاوي !! وبعد ، الا يكفي تشبثاً بالدوران في حلقات لاتخدم غير الأعداء المفترضين للفكر الشيوعي النقي ، الذي أستمر يناهض الأمبريالية لما يقارب القرن ، وفي النتيجة الأخيرة الصحيحة والصادقة .. ألم تكن ثورة يوليو 52 الناصرية ، والثورات والأنتفاضات التي قادتها على مستوى الوطن العربي الحليف الأساسي والأكيد لنضال الطبقة العاملة والقوى التقدمية الأخرى وفي مقدمتها القوى الشيوعية الأشتراكية المكافحة ضد الأستغلال والهيمنة والأحتلال ؟ إذاً دعونا نتسأل مع من تتحالفون اليوم ؟! لانحتاج لجواب ولكن يجب أن يفهم الناس إن المسموح لهم بالعمل تحت رعاية النفوذ الأمريكي يجب أن يشتركوا معه في عدائه للعروبة .

 

 

                                                                 بغداد العروبة 6 آيلول سبتمبر 2007