الرئيس عبد الرحمن محمد عارف الإنسان (كما عرفته ) 

ياسين جبار الدليمي

ابتدءا  القول إن الكتابة عن الرؤساء مسألة جد خطيرة بل ومثيرة للجدل والخلاف في عالم اليوم قد تصل بالمتصدي لها بان يدفع ثمنا يصل إلى حدود شخصيته .. لكن اليوم اكتب عن رئيس قطر عربي هو ألان في ملكوت الله تعالى داعيا له بالرحمة والغفران وان يتغمده الله في فسيح جنانه . لاأرجو من ذلك تزلفا .فلم أكن يوما موظفا معه أو في مرحلته ولم أكن مقربا منه أيام حكمه .. اكتب اليوم بحكم علاقتي الشخصية به وبعائلته الكريمة فعرفتهم عن قرب وهذه  الصداقة لم تكن مبنية على مصالح أو مكاسب نفعيه ضيقه بل أنها صداقة شريفه في زمنا تخلى عن هذه العائلة الكريمة والرئيس المغفور له اقرب المقربين 

أجيز لنفسي قولا إني اكتب عن الرئيس عبد الرحمن محمد عارف الإنسان وليس الرئيس دونما غمط لسيرته النضالية : ضابطا في الجيش العراقي الباسل وعضوا في حركة الضباط الأحرار ومن رجالها التي قادت وفجرت ثورة  14 تموز 1958م أو  لمرحلة تاريخية وفصلية للعراق الدولة والشعب .. إنشاء الله سأ أتصدى  لها عبر حلقات كاشفه وبالوثائق والحقائق التي ستميط اللثام عن هذا المرحلة وعلى مختلف الصعد العراقية \ العربية \ الدولية  .. ونسبر أغوارها من خلال ما تمتلكه عائلته الكريمة من أرشيف كامل وكما وعدني عميدها الأخ قيس عبد الرحمن عارف . وعهدا سأكون الراوي والناقل الأمين لها بمهنية الباحث التاريخي وبمصداقية الامانه العلمية عسى أن أكون موفقا في ذلك 

فالرئيس الراحل عبد الرحمن محمد عارف كان من الرعيل الثاني من ضباط الجيش العراقي تدرج في المناصب العسكرية حتى رتبت فريق عسكري عام 1966م وشغل منصب رئاسة أركان الجيش العراقي وبعد  استشهاد شقيقه الرئيس عبد السلام محمد عارف في تحطم طائرته المروحية خلال زيارته الميدانية التفقدية للبصرة ( القرنه ) تولى منصب رئيس جمهورية العراق لغاية 17 تموز 1968 م وبعدها عاش منفيا في تركيا ليعود في عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى العراق ليعيش صامتا منقطعا للعبادة وراعيا لأسرته واحفاده وممتنعا عن الظهور الإعلامي مبتعدا عن السياسة ومحجما عن أي لقاء صحفي : عرفته إنسانا قانعا بقضاء الله تعالى وقدره .. ومتسامحا وهذا السمة قد كلفته الكثير عندما كان يشغل رئاسة جمهورية العراق في خضم التصارع السياسي والمحاولات الانقلابية . فهو لم يوقع أبدا طيلة حياته على مرسوم إعدام بحق أي مرتكب لجريمة وحتى على الساعين للإطاحة به يصفح ويعفو .. عرفت فيه الاعتداء والهدوء كارها السلطة والتسلط (وفي أخر لقاء له مع احمد  حسن البكر في 32/5/1968 م حينما استدعاه إلى القصر الجمهوري مستفسرا عما يخطط من انقلاب عسكري ضده فقال للبكر :  أنا لا أحب السلطة والتسلط وليس لي رغبة في الكرسي ولو لم يكن فيك جنون سلطوي لتنازلت لك عن السلطة )

 يوسم الرئيس المغفور له بالرئيس الصامت لكنني وجدته متقدا وطنية وعروبة وغيرة وحدوية . وفي أحدى الجلسات العائلية في داره (بغداد\ المنصور ) بعد الاحتلال الأمريكي بشهر قد زفر زفرة الم وتحسر وهو ينظر الى بناية اتصالات المأمون ألمحطمه بفعل القصف الجوي لها وقال : (  هذا من سوء التدبير والجهل السياسي والإداري . وهمجية الغزاة يدمرون كل شيء . ) فأمسكت بخيط محاولا سبر دواخله فقال : ( اعرف جيدا ما تريد وعندها دخل علينا ولده قيس صاحب الخلق الجم فقال له : بالوقت المناسب ستطلع على كل شيء وليس ألان أوانها .) نعم عرفته إنسانا محب للناس \ عطوفا وشفيقا على الفقراء لاينس الصداقة ابدأ وعندما غادر بغداد إلى عمان مع عائلته واحفاده مهاجرا للمنفى  الطوعي وقد يسر الله تعالى لي العون أن أقدم له خدمة  في تيسير سفرهم ومرافقتهم إلى عمان برا من بغداد إلى  الخالدية إلى الرمادي وعمان والمكوث معهم أسبوعين وسنذكر هذه الرحلة بمعاناتها لاحقا .

فقد قرر أن يشغل داره سائقه القديم ودار ولده قيس أبناء هذا السائق الجنوبي الوفي من دون مقابل اجل انه الوفاء لمن يستحق الوفاء , واذكر كيف لم يتناول طعامه قبل أن يطمئن على تناول السواق لطعامه ومتفقدا للشباب الذين رافقونا لتأمين الحماية للموكب في الطريق البري الصحراوي ولحد الحدود الأردنية وبعدها تكفلت الأجهزة الأمنية الأردنية ذلك وبكرم الضيافة العربية . نعم انه رجل لم يعرف الكبرياء ولا التعالي محبا للسلم والسلام أمينا على أرواح الناس ودمائهم وختام حديثي هذا قوله رحمه الله لطاهر يحيى رئيس الوزراء السابق صبيحة 17 تموز 1968 (لا اقبل ان يوجه الجندي العراقي سلاحه لأخيه الجندي الآخر لأي سبب ولآجل أي شيء ) رافضا التشبث بالسلطة والكرسي بدماء حراس القصر الجمهوري .  واليوم نرى  شلالات الدم العراقي تسيل وتسفح برخص على مذبح الموت المشاع في عراق اليوم .

 رحم الله تعالى الرئيس عبد الرحمن محمد عارف واسكنه فسيح جناته ولأهله وعائلته الصبر والسلوان وحسن العزاء . نعم انه الرجل الإنسان

  للموضوع حلقات قادمة

 العراق \ الانبار