اعتراف بالجهل

 

د.عبدالكريم هاني

 

جاء في حكم السابقين قول الإمام علي (ع) و كرم الله وجهه, و ينسبه البعض الى الخليل بن أحمد:

          الرجال أربعة:

                    رجل يدري و يدري انه يدري فهو عالم فاتبعوه,

                   و رجل يدري و لا يدري انه يدري فهو ناسٍ فذكروه,

                   و رجل لا يدري و يدري انه لا يدري فهو جاهل فعلموه,

و رجل لا يدري و لا يدري انه لايدري فهو احمق فاجتنبوه.

و أنا و الحمد لله من الصنف الثالث : جاهل أو مسترشد , فأرشدوني ( كما ورد في بعض روايات هذه الحكمة ) فأنا أدري مثلا أنني لا أدري ( لا أعلم ) الكثير مما يجود به علينا أبناء الصنف الرابع الذين يتولون أمور حياتنا اليوم و الحمد لله مرة أخرى الذي لا يحمد على مكروه سواه.

أسأل العارفين من أبناء الصنف الأول أن يفسروا و يرشدوني كيف تكون سرقة ثروة العراق النفطية على مدى الأجيال القادمة عاملا فعالا في وضع حد للاقتتال الطائفي و المحافظة على وحدة العراق ؟ ينشر هذا الادعاء في الوقت الذي يتهم روبرت فيسك الولايات المتحدة و الغرب عموما في صحيفة الاندبندنت بالعمل بدأب على تفتيت العراق و سائر المنطقة.

و أنا لم أفهم السر الذي دفع "دعاة الانسانية" الذين تقاطروا على العراق قبل اسابيع وهم يحملون أكوام الجزر الأميركي في يد و العصي المتنوعة باليد الأخرى , بينما تستمر عملية " الحث " بالدوائر التلفزيونية المغلقة , فهم  يغرون بالجزر فريقا من وكلائهم ملوحين بالمنصب الحلم الذي يسيل له لعاب الأقزام بينما يحاولون التلويح لفريق آخر بقطعة أرض و حديث عن كيان و لفريق ثالث بكيان آخر , و "جرابهم" لا يخلو من كثير غير ذلك من الصفقات القذرة يلوحون بها ذات اليمين و ذات الشمال لإغراء "المتسولين" ليجتمعوا جميعا على تمرير صفقة النهب المرموقة , أما العصي فهي على القول المأثور " العصا لمن عصى " و ان كان " أصحاب الدولة و الفخامة و المعالي " ليس بينهم من يحاول العصيان أو يفكر فيه لا سمح لهم سيدهم بذلك لكن العصا يفيد التلويح بها لمن لا تكفيه الإشارة فيتحرك حينئذ بالحماس المطلوب .

يقول بعض مدعي الحكمة : "حين يمتدحني أعدائي أعيد النظر في موقفي و أبحث أين أخطأت". لكن "السادة" يطربهم هذا المديح , ربما لأنهم لا يعتبرون المادحين أعداء فهم "محررون"  و لذلك تستعيد أجهزة إعلامهم بفخر أقوال "سيدهم" أن فلان رجلنا و انه يتمتع بثقتنا . أنا لجهلي أتساءل عندما أرى أبطال الحصار و التجويع و مجرمي الحرب و القتلة و قادة فرق الموت و موقدي نار الفتنة يتراكضون فيعبرون المحيط و يأتون الى محيط النار بادعاء تأمين إصدار القانون الذي سيضع حدا للاقتتال الطائفي الذي بذلوا الجهود طيلة سنوات وجودهم البغيض لتحقيقه و سيحفظ وحدة البلاد التي مزقوها : ما الذي يدفعهم للقلق ؟ و علام هذه العجالة ؟ و قد ظننت لجهلي أول الأمر أنهم يدفعون عجلة الاعمار لتصليح ما سبق لهم أن سعوا الى تدميره و أنهم يطالبون الأجهزة العاجزة بتأمين الخدمات التي جعلت حياة الناس جحيما لا يطاق , لكن بعض المستمعين يحاول أن يذكرني بأقوال اللصوص : هذا هو الوقت المناسب لتحقيق الأحلام المريضة و يجب أن ننتهز الفرصة قبل إفلاتها !! و لذلك أيضا رفض سيدهم السماح للبرلمان ( الذي يدعون انه سيد نفسه) ان يتمتع أعضاؤه بعطلة الصيف . آخر ما تمخضت عنه قريحة عراب اللصوص هو الخبر الذي يقول ان مجرم الحرب ديك تشيني ينسق مع فريق من الأطياف التي ابتدعوها لسحب الثقة عن حكومة المالكي , و لو كانت هناك نية سليمة لإيراد الخبر لقالوا انه ينسق مع أعضاء مجلس الزور أو مع بعض الكتل , لكن هذه الصيغة تقول أيها "الفريق الآخر" انتبهوا لأن "عرس الواوية" يوشك أن ينفض فتداركوا أمر "مكاسبكم" قبل فوات الأوان و قدموا "المكافأة" المطلوبة ثمن بقاء السلطة في أيديكم , مع الإيحاء بأن الفريق الآخر على استعداد لتقديمها !

و ما دمنا قد فتحنا باب الاسترشاد فانني ارجو ان تعينوني في محاولة فهم هذه المعادلة  لعل الفهم يجد بابا الى عقلي : كيف يمكن لمجرم الحرب و مشعل اوارها ان يكون داعية سلام؟ فقد تم تعيين مجرم الحرب توني بلير وسيطا لتحقيق السلام في فلسطين المنهوبة . كانت بريطانيا صاحبة وعد بلفور و الشريك في مؤامرة سايكس بيكو و المنفذ المباشر لتهويد الأراضي المقدسة طيلة فترة انتدابها على فلسطين , و هي التي حاربت أبناء فلسطين نيابة عن "المتسللين" الصهاينة و هي التي استمرت في خداعها لعرب فلسطين بالكتب "السوداء"؛ هذا عن الرصيد الماضي للدولة التي جاء منها المرشح , أما رصيد من رشحه فعامر بالجريمة و العدوان على الشعوب سواء بشخصه أو دولته , و سيرة الاثنين ليس فيها إلا الدعوة للحروب و أيديهما تقطر بالدماء التي تعاونا على سفكها في أغلب بقاع الأرض . لكننا لم نسمع أحدا اعترض على هذا التعيين , هل هذا يعني أنني الجاهل الوحيد؟ أرجوكم لا ترشدوني و دعوني أنعم بجهلي تطبيقا لقول الشاعر:

          ذو العلم يشقى في النعيم بعلمه    و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم

القاهرة 10/7/2007